[ ٣ / ٣٤ ]
لَا يَعْدُو دَاءُ ذِي الدَّاءِ إِلَى غَيْرِهِ بِدُنُوِّهِ مِنْهُ وَقُرْبِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَتَحَامَوْنَ مُجَالَسَةَ أَهْلِ الْأَدْوَاءِ، وَمُؤَاكَلَتَهُمْ، وَمُشَارَبَتَهُمْ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ دُنُوَّ الصَّحِيحِ مِنْهُمْ يَتَعَدَّى إِلَيْهِ مَا بِهِمْ مِنَ الدَّاءِ، كَمَا قَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ لِلنُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ فِي الرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ الْعَبْسِيِّ، وَكَانَ النُّعْمَانُ يُنَادِمُ الرَّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ الْعَبْسِيَّ، فَرَمَاهُ لَبِيدٌ بِأَنَّ بِهِ بَرَصًا، لِتَخْبُثَ نَفْسُ النُّعْمَانِ عَلَيْهِ، وَيَتْرُكَ مُنَادَمَتَهُ:
[الْبَحْر الرجز]
مَهْلًا أَبَيْتَ اللَّعْنَ، لَا تَأْكُلْ مَعَهْ إِنَّ اسْتَهُ مِنْ بَرَصٍ مُلَمَّعَهْ
وَإِنَّهُ يُولِجُ فِيهَا إِصْبَعَهْ
فَتَحَامَى النُّعْمَانُ مُنَادَمَتَهُ، فَقَالَ الرَّبِيعُ: " أَبَيْتَ اللَّعْنَ، إِنَّ لَبِيدًا كَاذِبٌ فِيمَا قَدْ قَالَ: فَقَالَ لَهُ النُّعْمَانُ:
[الْبَحْر الْبَسِيط]
قَدْ قِيلَ ذَلِكَ إِنْ حَقًّا، وَإنْ كَذِبَا فَمَا اعْتِذَارُكَ مِنْ شَيْءٍ إِذَا قِيلَا؟
وَكَمَا قَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سَلْمَى:
[الْبَحْر الْكَامِل]
جَانِيكَ مَنْ يَجْنِي عَلَيْكَ وَقَدْ يُعْدِي الصِّحَاحَ مَبَارِكُ الْجُرْبِ
[ ٣ / ٣٥ ]
وَقَدْ أَكْثَرَ شُعَرَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ فِي ذَلِكَ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِمْ إِيَّاهُ، وَتَصْدِيقِهِمْ بِهِ، وَقَدِ اسْتَعْمَلَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَإِيَّاهُ قَصَدَ الْفَرَزْدَقُ فِي الْإِسْلَامِ بِقَوْلِهِ:
[الْبَحْر الطَّوِيل]
أَلَا لَيْتَنَا كُنَّا بَعِيرَيْنِ لَا نَرِدْ عَلَى حَاضِرٍ إِلَّا نُشَلُّ وَنُقْذَفُ
كِلَانَا بِهِ عَرٌّ يُخَافُ قِرَافُهُ عَلَى النَّاسِ، مَطْلِيُّ الْمَسَاعِرِ أَخْشَفُ
يُقَالُ مِنْهُ: عَدَا عَلَيْهِ كَذَا، فَهُوَ يَعْدُو عَدْوًا، وَعَدَا الرَّجُلُ وَالْفَرَسُ، إِذَا أَحْضَرَا، يَعْدُوا عَدْوًا وَعُدُوًّا، وَأَعْدَى فُلَانٌ فَرَسَهُ، فَهُوَ يُعْدِيهِ إِعْدَاءً، وَأَعْدَى فُلَانٌ فُلَانًا جَرَبَهُ
[ ٣ / ٣٦ ]
، وَلِلْعَدْوِ أَيْضًا مَعْنًى غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ الْجَوْرُ وَالظُّلْمُ، يُقَالُ مِنْهُ: عَدَا فُلَانٌ، فَهُوَ يَعْدُو عَدْوًا وَعُدْوَانًا وَعُدُوًّا، وَذَلِكَ إِذَا جَارَ وَظَلَمَ، وَيُقَالُ: عَدَانِي عَنْ لِقَائِكَ كَذَا وَكَذَا، فَهُوَ يَعْدُونِي عَنْهُ عَدْوًا، وَذَلِكَ إِذَا شَغَلَهُ عَنْهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ عُرْوَةُ بْنُ الْوَرْدِ الْعَبْسِيُّ:
[الْبَحْر الْكَامِل]
هَجَرَتْ غَضُوبُ، وَحَبَّ مَنْ يَتَجَنَّبُ وَعَدَتْ عَوَادٍ دُونَ وَلْيِكَ تَشْعَبُ
وَقَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ:
[الْبَحْر الطَّوِيل]
وَأَنَّى عَدَانِي عَنْكِ لَوْ تَعْلَمِينَهُ مَصَائِبُ لَمْ يَنْزِلْ سِوَايَ جَلِيلُهَا
وَأَمَا قَوْلُهُمْ: أَعْدَانِي فُلَانٌ عَلَى كَذَا، فَإِنَّهُ مَعْنًى غَيْرُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: أَعَانَنِي عَلَيْهِ، يُقَالُ مِنْهُ: أَعْدِنِي يَا فُلَانُ عَلَى فُلَانٍ، وَآدِنِي، يَعْنِي بِهِ: قَوِّنِي عَلَيْهِ وَأَعِنِّي، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: تَعَلَّمْتُ تَرْقِيقَ الْمَعِيشَةِ بَعْدَمَا كَبِرْتُ، وَأَعْدَانِي عَلَى اللُّؤْمِ خَالِدُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: «أَعْدَانِي، أَعَانَنِي» يُقَالُ مِنْهُ: " أَعْدَاهُ عَلَيْهِ، فَهُوَ يُعْدِيهِ إِعْدَاءً، وَأَمَّا الْعِدَاءُ بِالْمَدِّ فَهُوَ مَصْدَرٌ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: عَادَى فُلَانٌ بَيْنَ كَذَا وَكَذَا مِنَ الرِّجَالِ، إِذَا وَالَى بَيْنَ قَتْلِهِمْ، عِدَاءً، وَكَذَلِكَ إِذَا وَالَى بَيْنَ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّيْدِ قِيلَ: عَادَى بَيْنَهَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ حُجْرٍ
[ ٣ / ٣٧ ]
: فَعَادَى عِدَاءً بَيْنَ ثَوْرٍ وَنَعْجَةٍ دِرَاكًا، وَلَمْ يَنْضَحْ بِمَاءٍ فَيُغْسَلِ، وَأَمَّا الْعِدْوَةُ وَالْعُدْوَةُ، فَإِنَّهَا السَّاحَةُ وَالْفِنَاءُ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿«إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا، وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى»﴾ [الْأَنْفَال: ٤٢]، وَأَمَّا أَعْدَاءُ الطَّرِيقِ، فَإِنَّهَا أَرْجَاؤُهُ وَنَوَاحِيهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
[الْبَحْر الْبَسِيط]
تَسْتَنُّ أَعْدَاءَ قِرْيَانٍ تَسَنَّمَهَا غُرُّ الْغَمَامِ، وَمُرْتَجَّاتُهُ السُّودُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ «وَلَا صَفَرَ»، فَإِنَّهُ فِيمَا حُدِّثْتُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ يَعْنِي الْجَرْمِيَّ: سُئِلَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ عَنِ الصَّفَرِ، فَقَالَ: «هِيَ حَيَّةٌ تَكُونُ فِي الْبَطْنِ، تُصِيبُ الْمَاشِيَةَ وَالنَّاسَ» قَالَ: وَهِيَ أَعْدَى مِنَ الْجَرَبِ عِنْدَ الْعَرَبِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَيُقَالُ: إِنَّ قَوْلَهُ: «وَلَا صَفَرَ»، إِبْطَالٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، يَفْعَلُونَهُ مِنْ تَأْخِيرِهِمُ الْمُحَرَّمَ إِلَى صَفَرَ فِي التَّحْرِيمِ وَالصَّوَابُ عِنْدِي مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ، وَمِنَ الشَّاهِدِ عَلَى تَصْحِيحِ قَوْلِهِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ أَعْشَى بَاهِلَةَ فِي صِفَةِ رَجُلٍ:
[الْبَحْر الْبَسِيط]
لَا يَشْتَكِي السَّاقَ مِنْ أَيْنٍ وَلَا وَصَمٍ وَلَا يَعَضُّ عَلَى شُرْسُوفِهِ الصَّفَرُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ: «وَلَا هَامَةَ»، فَإِنَّ الْهَامَةَ طَائِرٌ، قِيلَ: إِنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تُسَمِّيهِ الصَّدَى، وَقِيلَ: «إِنَّهُ ذَكَرُ الْبُومِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ» وَأَشْبَهُ ذَلِكَ عِنْدِي
[ ٣ / ٣٨ ]
بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: " هُوَ ذَكَرُ الْبُومِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الطِّرِمَّاحِ بْنِ حَكِيمٍ: " وَفَلَاةٍ يَسْتَفِزُّ الْحَشَا، مِنْ صُوَاهَا ضَبْحُ بُومٍ وَهَامْ وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «وَلَا هَامَةَ» إِبْطَالَ مَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَهُ فِي ذَلِكَ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: " إِذَا قُتِلَ الرَّجُلُ فَلَمْ يَطْلُبْ وَلِيُّهُ بِدَمِهِ وَلَمْ يَثْأَرْ بِهِ، خَرَجَ مِنْ هَامَتِهِ طَائِرٌ يُسَمَّى الْهَامَةَ، فَلَا يَزَالُ يَزْقُو عِنْدَ قَبْرِهِ حَتَّى يَثْأَرَ بِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ: يَا عَمْرُو، إِلَّا تَدَعْ شَتْمِي، وَمَنْقَصَتِي، أَضْرِبْكَ حَيْثُ تَقُولُ الْهَامَةُ اسْقُونِي وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي دَاوُدَ الْإِيَادِيِّ:
[الْبَحْر الْخَفِيف]
سُلِّطَ الْمَوْتُ، وَالْمَنُونُ عَلَيْهِمْ فَلَهُمْ فِي صَدَى الْمَقَابِرِ هَامُ
وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ فِي ذَلِكَ وَأَمَا قَوْلُهُ ﷺ: «وَلَا غُولَ»، فَإِنَّ الْأَصْمَعِيَّ فِيمَا حُدِّثْتُ عَنْهُ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهَا هَمْرَجَةُ الْجِنِّ، وَيَسْتَشْهِدُ لِقِيلِهِ ذَلِكَ بِقَوْلِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
[الْبَحْر الْبَسِيط]
لَكِنَّهَا خُلَّةٌ قَدْ سِيطَ مِنْ دَمِهَا فَجْعٌ وَوَلْعٌ وَإِعْرَاضٌ وَتَبْدِيلُ
[ ٣ / ٣٩ ]
فَمَا تَدُومُ عَلَى حَالٍ تَكُونُ بِهَا كَمَا تَلَوَّنُ فِي أَثْوَابِهَا غُولُ
وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ شِعْرِ الشُّعَرَاءِ وَكَانَ الشَّيْبَانِيُّ أَبُو عَمْرٍو يَقُولُ: «هُوَ كُلُّ مَا غَالَكَ فَذَهَبَ بِكَ» وَأَمَّا أَبُو الْبِلَادِ الطُّهَوِيُّ فَإِنَّهُ زَعَمَ فِي شِعْرِهِ أَنَّهُ لَقِيَهُ فَقَتَلَهُ، وَوَصَفَهُ فِي شَعْرِهِ فَقَالَ:
[الْبَحْر الوافر]
لَهَانَ عَلَى جُهَيْمَةَ مَا أُلَاقِي مِنَ الرَّوْعَاتِ عِنْدَ رَحَى بِطَانِ
[ ٣ / ٤٠ ]
لَقِيتُ الْغُولَ تَسْرِي فِي ظَلَامٍ بِسَهْبٍ كَالْعَبَاءَةِ صَحْصَحَانِ
فَقُلْتُ لَهَا: كِلَانَا نِقْضُ أَرْضٍ أَخُو سَفَرٍ فَصُدِّي عَنْ مَكَانِي
فَصَدَّتْ، فَانْتَحَيْتُ لَهَا بِعَضْبٍ حُسَامٍ غَيْرِ مُؤْتَشَبٍ، يَمَانِ
قَدَدْتُ سَرَاتَهَا وَالْبَرْكَ مِنْهَا فَخَرَّتْ لِلْيَدَيْنِ وَلِلْجِرَانِ
فَقَالَتْ: زِدْ فَقُلْتُ: رُوَيْدَ إِنِّي عَلَى أَمْثَالِهَا ثَبْتُ الْجَنَانِ
شَدَدْتُ عِقَالَهَا وَحَلَلْتُ عَنْهَا لَأَنْظُرَ غُدْوَةً مَاذَا أَتَانِي
إِذَا عَيْنَانِ فِي وَجْهٍ قَبِيحٍ كَوَجْهِ الْهِرِّ مُسْتَرِقِ اللِّسَانِ
وَرِجْلَا مُخْدَجٍ وَسَرَاةُ كَلْبٍ وَثَوْبٌ مِنْ فِرَاءٍ أَوْ شِنَانِ
وَالَّذِي أَبْطَلَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدِي بِقَوْلِهِ «لَا غُولَ»، مَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ فِي الْغُولِ مِنْ أَنَّهَا تَضُرُّ وَتَنْفَعُ، أَوْ تَقْدِرُ لِبَنِي آدَمَ عَلَى ذَلِكَ، إِلَّا مَا قَدْ سَبَقَ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِمَنْ سَبَقَ لَهُ بِضَرِّهَا إِيَّاهُ، فَأَمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا غَيْرُ قَادِرَةٍ عَلَى ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ ﷺ ذَكَرَهَا، مَعَ سَائِرِ مَا ذَكَرَ مِمَّا كَانَتِ الْعَرَبُ تُؤْمِنُ بِهِ وَتُصَدِّقُ بِضُرِّهِ وَنَفْعِهِ، مِنَ الْعَدْوَى وَالصَّفَرِ وَالطِّيَرَةِ
[ ٣ / ٤١ ]
، وَأَمَّا «الطِّيَرَةُ» فَقَدْ مَضَى ذِكْرِي بَيَانَهَا فِيمَا قَدْ مَضَى مِنْ كِتَابِي هَذَا، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَأَمَّا قَوْلُ الْأَعْرَابِيِّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ " أَرَأَيْتَ النُّقْبَةَ تَكُونُ بِمِشْفَرِ الْبَعِيرِ أَوْ بِعَجْبِهِ، فَيَشْمَلُ الْإِبِلَ كُلَّهَا جَرَبًا، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالنُّقْبَةِ الْقِطْعَةَ مِنَ الْجَرَبِ، تُجْمَعُ نُقْبًا، وَمِنْهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ: مَا إِنْ رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْتُ بِهِ كَالْيَوْمِ طَالِي أَيْنُقٍ جُرْبِ مُتَبَذِّلًا تَبْدُوَ مَحَاسِنُهُ يَضَعُ الْهِنَاءَ مَوَاضِعَ النُّقْبِ، وَأَمَا النَّقَبُ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْقَافِ، فَإِنَّهُ مَا يَحْدُثُ عَنِ الْحَفَا بِأَخْفَافِ الْإِبِلِ، يُقَالُ: جَاءَ الْقَوْمُ مُحْفِينَ مُنْقِبِينَ، إِذَا جَاءُوا قَدْ نَقِبَتْ إِبِلُهُمْ وَحَفِيَتْ، وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ:
[الْبَحْر الرجز]
أَقْسَمَ بِاللَّهِ أَبُو حَفْصٍ عُمَرْ
مَا إِنْ بِهَا مِنْ نَقَبٍ وَلَا دَبَرْ
يُقَالُ مِنْهُ: قَدْ نَقِبَ الْبَعِيرُ فَهُوَ يَنْقَبُ نَقْبًا، وَأَمَّا النَّقْبُ، بِفَتْحِ النُّونِ، وَسُكُونِ الْقَافِ، فَمَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: " نَقَبْتُ الْحَائِطَ، وَمَا أَشْبَهِهِ
[ ٣ / ٤٢ ]
، وَالنَّقْبُ أَيْضًا بِفَتْحِ النُّونِ، وَسُكُونِ الْقَافِ، وَالْمَنْقَبَةُ: الطَّرِيقُ فِي الْجَبَلِ، وَالْغِلَظِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْغَنَوِيِّ:
[الْبَحْر الْكَامِل]
إِنْ تُوعِدُونا بِالْقِتَالِ فَإِنَّنَا نُقَاتِلُ مِنْ بَيْنِ الْقُرَى وَالْمَنَاقِبِ
يَعْنِي بِالْمَنَاقِبِ جَمْعَ الْمَنْقَبَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ «أَوِ بِعَجْبِهِ» فَإِنَّ الْعَجْبَ عُظَيْمٌ فِي مُنْقَطَعِ فَقَارِ الظَّهْرِ مِمَّا يَلِي الْعَجُزَ، وَهُوَ أَصْلُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «يَبْلَى مِنَ ابْنِ آدَمَ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ» وَأَمَّا الْعَجَبُ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْجِيمِ، فَمَصْدَرُ قَوْلِ الْقَائِلِ: «عَجِبْتُ مِنْ كَذَا، أَعْجَبُ مِنْهُ عَجَبًا» وَأَمَّا قَوْلُ الْأَعْرَابِيِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ: " فَيْشَمَلُ الْإِبِلَ كُلَّهَا، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ: فَيَعُمُّهَا جَرَبًا، يُقَالُ مِنْهُ: «شَمِلَ الْقَوْمَ هَذَا الْأَمْرُ، إِذَا عَمَّهُمْ، فَهُوَ يَشْمَلُهُمْ شَمْلًا وَشُمُولًا» فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: «شَمَلَتِ الرِّيحُ، فَإِنَّهَا بِفَتْحِ الْمِيمِ، فَهِيَ تَشْمَلُ شَمْلًا وَشُمُولًا» وَيُقَالُ: «أَشْمَلْنَا» بِمَعْنَى: دَخَلْنَا فِي الشَّمَالِ، وَأَمَا قَوْلُهُمْ: " شَمَلْتُ النَّاقَةَ، وَذَلِكَ إِذَا عَلَّقْتَ عَلَيْهَا شِمَالًا، وَهُوَ كَالْكِيسِ يُجْعَلُ فِيهِ ضَرْعُ الشَّاةِ، فَإِنَّهُ تُفْتَحُ مِيمُهُ، فَأَنَا أَشْمُلُهَا شَمْلًا، وَأَمَا قَوْلُهُمْ: قَدْ شَمِلَتْ نَاقَتِي لَقَاحًا مِنْ فَحْلِ فُلَانٍ، فَإِنَّهُ بِكَسْرِ الْمِيمِ، فَهِيَ تَشْمَلُ شَمَلًا، وَذَلِكَ إِذَا لَقِحَتْ " وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ: «سخت درست»، فَإِنَّهُمَا كَلِمَتَانِ بِالْفَارِسِيَّةِ، فَأَمَّا
[ ٣ / ٤٣ ]
قَوْلُهُ: «سَخْتَ»، فَإِنَّ مَعَنَاهُ صُلْبٌ شَدِيدٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: «دُرِسْتَ» فَإِنَّ مَعْنَاهُ: صَحِيحٌ وَأَمَّا قَوْلُ الْمَرْأَةِ الَّتِي قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: " سَكَنَّا دَارَنَا وَنَحْنُ ذَوُو وَفْرٍ، فَإِنَّ الْوَفْرَ هُوَ: " الْمَالُ الْكَثِيرُ، يُقَالُ مِنْهُ: إِنَّهُ لَذُو وَفْرٍ وَفَرْوٍ، إِذَا كَانَ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ "
[ ٣ / ٤٤ ]