[ ٣ / ٢١٣ ]
٣٤٨ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي عُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ صَالِحِ بْنِ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَمْرَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: " بَعَثَ ابْنُ جُلُنْدَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِهَدِيَّةٍ، وَبَعَثُوا بِصَدَقَاتِهِمْ مَعَ الْهَدِيَّةِ، وَبَعَثَ بِوَفْدٍ عَشْرَةً، فِيهِمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو صُفْرَةَ: أَبُو الْمُهَلَّبِ، وَرَجُلٌ مِنْ أَوْلَادِ مَلِكٍ يُقَالُ لَهُ كَعْبُ بْنُ سُورٍ، فَقَدِمُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَدُفِعَتِ الْهَدِيَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَالصَّدَقَةُ، فَوَثَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَقَالَ: هَذِهِ هَدِيَّةُ ابْنِ جُلُنْدَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَيْسَ هَذِهِ فَدَكَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَا يُدْرَى أَقْسَمَهَا أَمْ أَدْخَلَهَا بَيْتَ الْمَالِ مَعَ الصَّدَقَةِ؟ وَلَوْ قَسَمَهَا لَعَلِمْنَا ذَلِكَ "
[ ٣ / ٢١٣ ]
٣٤٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ، قَالَ: أَهْدَى أَلْيُونُ مَلِكُ الرُّومِ إِلَى مَسْلَمَةَ لُؤْلُؤَتَيْنِ وَهُوَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَشَاوَرَ أَهْلَ الْعِلْمِ مِنْ ذَلِكَ الْجَيْشِ، فَقَالُوا: «لَمْ يُهْدِهِمَا إِلَيْكَ إِلَّا لِمَوْقِعِكَ مِنْ هَذَا الْجَيْشِ، فَنَرَى أَنْ تَبِيعَهُمَا، وَتُقَسِّمَ ثَمَنَهُمَا عَلَى هَذَا الْجَيْشِ» ⦗٢١٤⦘ فَقَدْ تَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا أَهْدَى إِلَيْهِ الْمُشْرِكُونِ، وَفِيمَا فَعَلَ فِي ذَلِكَ مِنْ بَعْدِهِ الصِّدِّيقُ، وَقَالَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ، أَنَّ الَّذِي كَانَ مِنْ رَدِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا رَدَّ مِنْ هَدِيَّةِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَهُوَ مُشْرِكٌ، كَانَ لِمَا وَصَفْتُ مِنَ الْعِلَّةِ، إِذْ مِنَ الْمُحَالِ اجْتِمَاعُ الرَّدِّ وَالْقَبُولِ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَإِبَاحَةُ ذَلِكَ وَحَظْرُهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، إِذْ كَانَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ خِلَافًا. وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ سَبَبَ قَبُولِهِ ﷺ مَا قَبِلَ مِنْ ذَلِكَ، غَيْرُ سَبَبِ رَدِّهِ مَا رَدَّ مِنْهُ فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ سَبَبَ اخْتِلَافِ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ أَحَدَ فِعْلَيْهِ كَانَ نَسْخًا لِلْآخَرِ فَقَدْ ظَنَّ خَطَأً. وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، كَانَ مُبَيَّنًا ذَلِكَ فِي النَّقْلِ، أَوْ كَانَ عَلَى النَّاسِخِ دَلِيلٌ مُفَرِّقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَنْسُوخِ، إِذْ كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ غَيْرَ مَعْلُومِ الْوَاجِبِ مِنْهُ عَلَى عِبَادِهِ، إِمَّا بِنَصٍّ عَلَيْهِ، أَوْ دَلَالَةٍ مَنْصُوبَةٍ لَهُمْ عَلَى اللَّازِمِ لَهُمْ فِيهِ فَإِذْ كَانَ صَحِيحًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا رَوَيْنَا مِنْ قَبُولِهِ هَدَايَا الْمُشْرِكِينَ فِي حَالٍ، وَرَدِّهِ إِيَّاهَا أُخْرَى، لِلْأَسْبَابِ الَّتِي ذَكَرْتُ، فَبَيِّنٌ بِذَلِكَ أَنَّ سَبِيلَ الْأَئِمَّةِ وَالْقَائِمِينَ مِنْ بَعْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَمْرِ الْأُمَّةِ فِي ذَلِكَ، سَبِيلُهُ، فِي أَنَّ لِمَنْ أَهْدَى لَهُ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ أَهْلِ الْحَرْبِ، أَوْ رَئِيسٍ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ، هَدِيَّةً، فَلَهُ قَبُولُهَا وَصَرْفُهَا حَيْثُ جَعَلَ اللَّهُ مَا خَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِغَيْرِ إِيجَافٍ مِنْهُمْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَهْدَى مِنْ ذَلِكَ إِلَيْهِ أَهْدَاهُ وَهُوَ مُنِيخٌ مَعَ جَيْشٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِعَقْوَةِ ⦗٢١٥⦘ دَارِهِمْ مُحَاصِرًا لَهُمْ، فَلَهُ قَبُولُهُ وَصَرْفُهُ فِيمَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَصْرُوفًا فِيهِ مَا خَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِالْغَلَبَةِ لَهُمْ وَالْقَهْرِ، وَذَلِكَ مَا أَوْجَفُوا عَلَيْهِ بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، كَالَّذِي فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَمْوَالِ بَنِي قُرَيْظَةَ، إِذْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ، لَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ بِهِمْ مُحَاصِرِينَ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ وَلَا قِتَالٍ فَأَمَّا مَا أَهْدَى لَهُ مُهْدٍ مِنْهُمْ مِنْ عَامَّتُهُمْ لِخَاصَّةِ نَفْسِهِ، فَإِنِّي أَخْتَارُ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ وَلَا يَقْبَلَهَا، كَالَّذِي فَعَلَ ﷺ بِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ مِنْ رَدِّهِ عَلَيْهِ مَا كَانَ أَهْدَى لَهُ وَهُوَ مُشْرِكٌ؛ لِأَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِأَنْ تَظْلَفَ نَفْسُهُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ، مَنْ كَثُرَتْ حَاجَةُ النَّاسِ إِلَيْهِ فِي أَحْكَامِهِمْ وَأُمُورِ دِينِهِمْ، مِنْ إِمَامٍ، أَوْ عَامِلٍ لِلْإِمَامِ عَلَى الْحُرُوبِ، أَوِ الْأَحْكَامِ أَوِ الْمَظَالِمِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، إِذْ كَانَ لَا يُؤْمَنُ مَعَ قَبُولِهِ ذَلِكَ مِمَّنْ قَبِلَ مِنْهُ، اغْتِمَازٌ مِنَ السُّلْطَانِ فِي أَمْرٍ إِنْ عَرَضَ لَهُ قَبِلَهُ. وَسَوَاءٌ فِيمَا أَكْرَهُ لَهُ مِنْ قَبُولِ مِثْلِ ذَلِكَ كَانَ الْمُهْدِي مُشْرِكًا حَرْبِيًّا، أَوْ مُعَاهِدًا ذِمِّيًّا، أَوْ كَانَ مُسْلِمًا، لِمَا ذَكَرْتُ مِنَ السَّبَبِ الْمَخُوفِ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَقَدْ
[ ٣ / ٢١٣ ]
٣٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَثَّامُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زِيَادٍ الْفُقَيْمِيُّ، عَنْ أَبِي حَرِيزٍ، أَنَّ رَجُلًا، كَانَ أَهْدَى لِعُمَرَ رِجْلَ جَزُورٍ، ثُمَّ جَاءَ يُخَاصِمُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، افْصِلْ بَيْنَنَا كَمَا تُفْصَلُ رِجْلُ الْجَزُورِ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى كِدْتُ أَنْ أَقْضِيَ لَهُ " ⦗٢١٦⦘ فَهَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، مَعَ مَنْزِلَتِهِ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَمَكَانِهِ مِنَ الدِّينِ، قَدْ عَرَضَ لَهُ مِنَ السُّلْطَانِ مَا عَرَضَ فِي رِجْلِ جَزُورٍ، مَعَ قِلَّتِهَا وَخَسَاسَتِهَا، أُهْدِيَتْ لَهُ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَا يُدَانِيهِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَشْيَائِهِ، وَلَا يُقَارِبُهُ فِي فَضْلِهِ وَدِينِهِ، وَقَدْ قَبِلَ هَدِيَّةَ مُهْدٍ إِلَيْهِ مِنْ رَعِيَّتِهِ أَوْ غَيْرِ رَعِيَّتِهِ، جَلِيلًا خَطَرُهَا، عَظِيمًا مِنْ قَلْبِهِ مَوْقِعُهَا، خَاصَمَ إِلَيْهِ خَصْمًا لَهُ فِي ظُلَامَةٍ ظَلَمَهُ إِيَّاهَا؟ مَا تَرَى السُّلْطَانَ فَاعِلًا بِهِ، وَأَيُّ مَذْهَبٍ هُوَ ذَاهِبٌ؟ وَقَدْ قَالَ طَاوُسٌ فِي ذَلِكَ مَا
[ ٣ / ٢١٥ ]
٣٥١ - حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي الْمُعَلَّى، قَالَ: " سَأَلْتُ طَاوُسًا عَنْ هَدَايَا السُّلْطَانِ فَقَالَ: " سُحْتٌ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: قَالَ غُنْدَرٌ: خَالَفَنَا فِيهِ أَصْحَابُنَا، فَقَالُوا: هُوَ عَنْ أَبِي مُعَاذٍ، عَنْ طَاوُسٍ " غَيْرَ أَنَّ الْأَمْرَ وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَإِنِّي لَا أَرَى حَرَامًا عَلَى الْإِمَامِ وَلَا عَلَى عَامِلٍ مِنْ عُمَّالِهِ، أَهْدَى لَهُ مُهْدٍ مِمَّنْ كَانَ يُهَادِيهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ، هَدِيَّةً مِنْ رَعِيَّتِهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ قَبُولَهَا وَإِثَابَتَهُ عَلَيْهَا. فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ كَانَ يُهَادِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَا أَرَى لَهُ قَبُولَهَا، لِمَا ذَكَرْتُ مِنْ أَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَلِمَا أَخْشَى عَلَيْهِ بِقَبُولِهِ إِيَّاهَا مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي وَصَفْتُ قَبْلُ. فَإِنْ قَالَ: فَمَا أَنْتَ قَائِلٌ فِيمَا
[ ٣ / ٢١٦ ]
٣٥٢ - حَدَّثَكَ بِهِ، إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصَّوَّافُ قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْأَصْبَغُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ ⦗٢١٧⦘: لَمَّا بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: «إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ مَا لَقِيتَ فِي اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَا ذَهَبَ مِنْ مَالِكَ، وَقَدْ طَيَّبْتُ لَكَ الْهَدِيَّةَ، فَمَا أُهْدِيَ لَكَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لَكَ» قِيلَ: هَذَا عِنْدَنَا خَبَرٌ غَيْرُ جَائِزٍ الِاحْتِجَاجُ بِمِثْلِهِ فِي الدِّينِ، لِوَهَاءِ سَنَدِهِ، وَضَعْفِ كَثِيرٍ مِنْ نَقَلَتِهِ. غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَوْ كَانَ صَحِيحًا سَنَدُهُ، عُدُولًا نَقَلَتُهُ مَخْرَجًا فِي الصِّحَّةِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ﷺ جَعَلَ مَا أُهْدِيَ لَهُ مِنْ هَدِيَّةٍ فِي عَمَلِهِ لَهُ، مَكَانَ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الرِّزْقِ عَلَى عَمَلِهِ، إِذْ كَانَ كُلُّ مَشْغُولٍ عَنِ التَّصَرُّفِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَعَارِضِ حَاجَاتِهِ مِنَ الْمَكَاسِبِ وَغَيْرِهَا مِمَّا هُوَ لَهَا نَظِيرٌ، فَإِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ، مَا فِيهِ لَهُ، وَلِمَنْ تَلْزَمُهُ مَؤُونَتُهُ، الْكِفَايَةُ وَالْغِنَى عَنِ التَّصَرُّفِ لِلْمَكْسَبِ وَطَلَبِ الْمَعَاشِ، وَفِيمَا
[ ٣ / ٢١٦ ]
٣٥٣ - حَدَّثَنِي بِهِ ابْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ التَّنُّورِيِّ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، قَالَ أَبُو عَاصِمٍ: لَا أَدْرِي هُوَ عَنْ أَبِيهِ أَمْ لَا؟ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا، فَأَخَذَ أَكْثَرَ مِنْ رِزْقِهِ، فَهُوَ غُلُولٌ»
[ ٣ / ٢١٨ ]
٣٥٤ - وَحَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الْعُذْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَوْذَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، فَرَأَى شَيْخًا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَطَاءٌ، فَرَحَّبَ بِهِ وَوَسَّعَ لَهُ، فَقَالَ الشَّيْخُ: حَدَّثَتْنِي الصِّدِّيقَةُ ابْنَةُ الصِّدِّيقِ وَأَحْسِبُ أَنَّهَا رَفَعَتِ الْحَدِيثَ قَالَ: «أَيُّمَا عَامِلٍ أَصَابَ فِي عَمَلِهِ فَوْقَ رِزْقِهِ الَّذِي فُرِضَ لَهُ، فَإِنَّهُ غُلُولٌ» ⦗٢١٩⦘ فَفِي هَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ، وَقَدْ بَيَّنَتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ كَانَ فِيهَا بَعْضُ النَّظَرِ، وَهِيَ أَحْسَنُ مَخَارِجَ مِنْ خَبَرِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَصْلُوبِ مَعْنَى مَا رُوِيَ، عَنْ مُعَاذٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِنْ إِبَاحَتِهِ لَهُ مَا أَبَاحَ مِنْ هَدَايَا رَعِيَّتِهِ: أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى وَجْهِ مَا ذَكَرْتُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ أُبِيحَ لَهُ وَهُوَ لِلْمُسْلِمِينَ عَامِلٌ بِرِزْقٍ يَرْتَزِقُهُ مِنْ فَيْئِهِمْ بَعْدَ اسْتِيفَائِهِ الرِّزْقَ الَّذِي رُزِقَهُ عَلَى عَمَلِهِ، لَمْ يَكُنْ لِلْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ الَّتِي قَدْ مَضَى ذِكْرُنَاهَا قَبْلُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّهُ خَطَبَ أَصْحَابَهُ عِنْدَ مَقْدَمِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي كَانَ وَلَّاهُ إِيَّاهُ، فَبَعَثَ مَنْ يَقْبِضُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ، فَقَالَ: " أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ رِجَالًا مِنْكُمْ عَلَى أُمُورٍ مِمَّا وَلَّانِي اللَّهُ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: هَذَا الَّذِي لَكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ إِلَيَّ، أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ فَتَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ، فَلَا أَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ رَجُلٌ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ "، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ»؟ مَعْنًى ⦗٢٢٠⦘. فَلَمَّا كَانَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِمَا ذَكَرْنَا، مُتَوَاتِرَةً، قَدْ جَاءَتْ مَجِيءَ الْحُجَّةِ، عُلِمَ أَنَّ أَمْرَ مُعَاذٍ، فِيمَا أَبَاحَ لَهُ ﷺ مِنْ قَبُولِ هَدِيَّةِ رَعِيَّتِهِ، وَتَطْيِيبِهِ إِيَّاهَا لَهُ، لَوْ كَانَ صَحِيحًا، وَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ عِنْدَنَا بِخَبَرِ تَثْبُتُ بِهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ، لَكَانَ مَعْنَاهُ وَوَجْهَهُ مَا قُلْنَا، دُونَ مَا يَتَوَهَّمُهُ أَهْلُ الْغَبَاءِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا بِكَ قَدْ أَبَحْتَ لِلْإِمَامِ وَعُمَّالِهِ قَبُولَ هَدَايَا مُلُوكِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى النَّظَرِ مِنْهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَصَرْفَ مَا أَهْدُوا إِلَيْهِمْ فِي مَنَافِعِهِمُ اعْتِلَالًا مِنْكَ فِي ذَلِكَ بِالْأُمُورِ الَّتِي بَيَّنْتَ، وَلَمْ تُبِحْ لَهُمْ قَبُولَ هَدِيَّةِ أَحَدٍ مِنْ رَعِيَّتِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ جَرَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ مُهَادَاةٌ قَبْلَ الْوَلَايَةِ، لِمَا وَصَفْتَ مِنَ الْأَسْبَابِ؟ فَمَا وَجْهُ الْخَبَرِ الَّذِي
[ ٣ / ٢١٨ ]
٣٥٥ - حَدَّثَكَ عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ الْكَلَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، قَالَ: «جَاءَ رَسُولُ ابْنِ الْعُلَمَاءِ صَاحِبِ أَيْلَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِكِتَابٍ، وَأَهْدَى لَهُ بَغْلَةً، فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَهْدَى لَهُ بُرْدًا» ⦗٢٢١⦘ وَقَالَ: وَلَا ذِكْرَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّهُ ﷺ بَاعَ الْبَغْلَةَ الَّتِي أَهْدَاهَا لَهُ صَاحِبُ أَيْلَةَ فَقَسَمَ ثَمَنَهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَلَا أَنَّهُ أَهْدَى الْبُرْدَةَ الَّتِي أَهْدَاهَا إِلَيْهِ مِنْ فَيْئِهِمْ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ صَاحِبَ أَيْلَةَ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ بِالصُّلْحِ الَّذِي كَانَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ . قِيلَ: إِنَّ الَّذِي قُلْتَ إِنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي هَذَا الْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَغَيْرُ مَذْكُورٍ أَيْضًا فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَبِعْ ذَلِكَ وَيَصْرِفْ ثَمَنَهُ فِي أَصْحَابِهِ، وَلَا أَنَّهُ أَهْدَى الْبُرْدَ إِلَيْهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، فَلَا حُجَّةَ لِمُدَّعِي مَا قُلْتَ بِظَاهِرِ هَذَا الْخَبَرِ، بَلِ الْحُجَّةُ فِيهِ لِمَنْ قَالَ فِيهِ مَا قُلْنَا، لِلْأَسْبَابِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُنَاهَا، مَعَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ لَهُ حُقُوقٌ فِي فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الْحَشْر: ٧] الْآيَةَ، وَغَيْرُ مُسْتَحِيلٍ أَنْ يَكُونَ أَخْذُهُ مَا أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ فِيهِ، إِنْ كَانَ اخْتَصَّ بِهِ نَفْسَهُ. هَذَا إِنْ صَحَّ أَنَّهُ أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ، وَلَا نَعْلَمُ خَبَرًا وَرَدَ بِتَصْحِيحِ ذَلِكَ، فَيَجُوزُ لِمُدَّعٍ دَعْوَاهُ وَقَدْ مَضَى الْبَيَانُ عَنْ نَظَائِرِ مَا فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِنَ الْغَرِيبِ، فَكَرِهْنَا تَطْوِيلَ الْكِتَابِ بِإِعَادَةِ ذِكْرِهِ
[ ٣ / ٢٢٠ ]