ذِكْرُ مَنْ قَالَ: «جَائِزٌ ضَمَانُ الضَّامِنِ مَالًا مَجْهُولَ الْمَبْلَغِ» قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِرَجُلٍ: «بَايِعْ فُلَانًا، فَمَا بِعْتَهُ بِهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ عَلَيَّ فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يُوَقِّتْ لِذَلِكَ وَقْتًا» قَالُوا: وَإِنْ بَاعَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ فَهُوَ جَائِزٌ، قَالُوا: وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ بِالدَّنَانِيرِ، أَوْ بِتِبْرِ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ شَيْءٍ مِمَّا يُكَالُ، أَوْ يُوزَنُ، فَهُوَ جَائِزٌ، وَالْكَفِيلُ ضَامِنٌ لِذَلِكَ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: غَيْرُ لَازِمٍ الضَّامِنَ مَالًا مَجْهُولَ الْمَبْلَغِ لِآخَرَ بِضَمَانِهِ ذَلِكَ لَهُ شَيْءٌ، لِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ ضَمَانَهُ لِغَيْرِ شَخَصٍ مَعْلُومٍ بَاطِلٌ، فَكَذَلِكَ ضَمَانَهُ مَالًا غَيْرَ مَعْلُومِ الْقَدْرِ بَاطِلٌ، وَمَعْنَى الْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَا عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرْضِهِ ضَمَانَ دَيْنِهِ عَلَى مَنْ عَرَضَ ذَلِكَ عَلَيْهِ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى وَجْهِ إِلْزَامِهِ ضَمَانَ مَنْ ضَمِنَ ذَلِكَ عَنْهُ، إِلَّا بَعْدَ بَيَانِهِ مَبْلَغَ دَيْنِهِ لِمَنْ ضَمِنَهُ عَنْهُ، وَبَعْدَ إِبَانَتِهِ لَهُ شَخْصَ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ الْمَضْمُونُ
[ ٣ / ٦٦ ]
فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ ذَلِكَ، إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي ظَاهِرِ الْخَبَرِ الَّذِي رُوِّينَاهُ مَوْجُودًا فَغَيْرُ جَائِزٍ لَنَا أَنْ نَقْضِيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّهُ لَمْ يُلْزِمِ الضَّامِنَ ذَلِكَ مِنْ دَيْنِهِ إِلَّا بَعْدَ إِبَانَتِهِ لَهُ مَبْلَغَهُ، وَإِلْزَامِ الضَّامِنِ ذَلِكَ نَفْسَهُ، بَعْدَ عِلْمِهِ بِمَبْلَغِهِ لِلْمَضْمُونِ لَهُ، فَقَدْ ظَنَّ خَطَأً، وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ لَنَا أَنْ نَقْضِيَ بِهِ عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْنَا، مَا كَانَ جَائِزًا لَنَا أَنْ نَقْضِيَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ ضَمِنَ ذَلِكَ لِأَشْخَاصٍ مِنْ غُرَّامِهِ بِأَعْيَانِهِمْ، إِذْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّهُ ضَمَّنَهُ ذَلِكَ لِأَشْخَاصٍ بِأَعْيَانِهِمْ، وَفِي إِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ لِآخَرَ: «كُلُّ حَقٍّ عَلَيْكَ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ فَهُوَ عَلَيَّ، وَأَنَا لَهُ ضَامِنٌ» غَيْرُ لَازِمِهِ بِهِ لِأَحَدٍ مِنْ غُرَمَائِهِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ سَمَّى مِنْهُمْ أَحَدًا، فَضَمِنَ لَهُ مَا لَهُ عَلَيْهِ مِنْ حَقٍّ، ضَمَانٌ أَدَلُّ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ ضَمَانَ عَلِيٍّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ مَا ضَمِنَ مِنْ دَيْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إِنَّمَا كَانَ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ كَانَ دَيْنًا وَاجِبًا فَسَمَّى لَهُ مَبْلَغَهُ، وَعَرَّفَ مَنْ هُوَ لَهُ، فَضَمِنَهُ عَنْهُ ﷺ بَعْدَ عِلْمِهِ بِمَبْلَغِهِ، وَبِمَنْ هُوَ لَهُ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَانَ ذَلِكَ عِدَةً مِنْ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يَضْمَنُ عَنْهُ إِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِغَرِيمٍ لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ يَضْمَنُ عَنِّي دَيْنِي، وَيَقْضِي عِدَاتِي؟» عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَيْنٌ لِأَحَدٍ، وَإِنَّمَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَضْمَنُوا ذَلِكَ عَنْهُ إِنْ لَزِمَهُ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ فِي حَيَاتِهِ، وَيَقْضُوا عَنْهُ عِدَةً إِنْ وَعَدَ ذَلِكَ إِنْسَانًا وَلَا يَكُونُ، إِنْ كَانَ
[ ٣ / ٦٧ ]
الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فِي هَذَا الْخَبَرِ حُجَّةٌ لِأَحَدٍ فِي إِجَازَتِهِ ضَمَانَ مَالٍ غَيْرِ مَحْدُودِ الْمَبْلَغِ، فَيَحْتَجُّ بِهِ مُحْتَجٌّ، وَيُسْأَلُ مَنْ أَجَازَ ضَمَانَ الضَّامِنِ لِرَجُلٍ عَنْ آخَرَ مَالًا مَجْهُولَ الْمَبْلَغِ، فَيُقَالُ لَهُ: «مَا قُلْتَ فِيمَنْ ضَمِنَ مَالًا مَعْلُومَ الْقَدْرِ لِغَيْرِ شَخْصٍ مَعْلُومٍ» فَقَالَ لِرَجُلٍ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ دَيْنًا لِغُرَمَاءَ لَهُ: «مَا عَلَيْكَ مِنْ دَيْنٍ، وَهُوَ أَلْفُ دِرْهَمٍ، لِغُرَمَائِكَ، فَهُوَ عَلَيَّ لَهُمْ»، فَجَاءَ غُرَماؤُهُ فَطَالَبُوهُ بِالْأَلْفِ الَّذِي لَهُمْ، هَلْ عَلَيْهِ لَهُمْ ذَلِكَ الْأَلْفُ؟ وَهَلْ يُقْضَى لَهُمْ عَلَيْهِ بِهِ، وَلَمْ يَضْمَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ عَنْهُ شَيْئًا مِنَ الْأَلْفِ؟ فَإِنْ قَالَ: يُحْكَمُ بِذَلِكَ عَلَيْهِ، خَرَجَ مِنْ قَوْلِ الْجَمِيعِ، وَإِنْ قَالَ: " غَيْرُ لَازِمِهِ بِهَذَا الْقَوْلِ ضَمَانٌ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، قِيلَ لَهُ: فَمَا الْفَرَقُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَنْ أَجَازَ مَا أَبَيْتَ إِجَازَتَهُ مِنَ الضَّمَانِ لِمَجْهُولِ الشَّخْصِ، وَأَبَى إِجَازَةَ مَا أَجَزْتَ مِنْ ضَمَانِ الْمَالِ الْمَجْهُولِ الْمَبْلَغِ مِنْ أَصْلٍ أَوْ نَظِيرٍ؟ فَلَنْ يَقُولَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ، فَإِنِ اعْتَلَّ فِي بُطُولِ الضَّمَانِ لِمَجْهُولِ الشَّخْصِ بِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى بُطُولِهِ، قِيلَ لَهُ: فَرُدَّ
[ ٣ / ٦٨ ]
ضَمَانَ الْمَالِ الْمَجْهُولِ الْمَبْلَغِ عَلَيْهِ فِي الْبُطُولِ، إِذْ كَانَ لَهُ نَظِيرًا "
[ ٣ / ٦٩ ]