يستغل الأعداء مسألة تأبير النخل للطعن بالنبي ﷺ من المستشرقين وغيرهم مع أنه لم ينههم عن التلقيح.
وإنما ظن ظنا وقد قال ابن تيمية في ذلك (١): ومثل هذا لا يمتنع على الأنبياء أن يظنوا شيئًا فيكون الأمر بخلاف ما ظنوه فقد يظنون فيما وُعِدوه تعيينًا وصفاتًا ولا يكون كما ظنوه.
وذكر لذلك مثالًا وهو: أن النبي ﷺ قال: "رأيت أن أبا جهل قد أسلم فلما أسلم خالد ظنوه هو فلما أسلم عكرمه علم أنه هو" (٢).
وقال ابن تيمية أيضًا: وهو ﷺ لما رآهم يلقحون النخل قال لهم: "ما أرى هذا يغني شيئًا" ثم قال لهم: "إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله فلن أكذب على الله (٣). وقال: "أنتم أعلم بأمور دنياكم فما كان من أمر دينكم فإلي" (٤) وهو لم ينههم عن التقليح لكن هم غلطوا في
_________________
(١) - مجموع الفتاوى ١٥/ ١٨٦.
(٢) - يذكر أهل التعبير أنه قد يُرى أحياناُ الشخص في الرؤيا ويراد به نظيره أو أباه أو إبنه ونحو ذلك كما حصل في هذه الرؤيا.
(٣) - أخرجه مسلم (٤/ ١٨٣٥) برقم (١٣٩) وابن ماجه (٢/ ٢٨) برقم (٢٤٧٠).
(٤) - أخرجه مسلم (٤/ ١٨٣٦) برقم (١٤١) وابن ماجه (٢/ ٢٨) برقم (٢٤٧١).
[ ٤٤ ]
ظنهم أنه نهاهم كما غلط من غلط في ظنه أن "الخيط الأبيض" و"الخيط الأسود" هو الحبل الأبيض والأسود (١).
وقال: وقد يظن الشيء وثم يبين الله الأمر على جليته كما وقع مثل ذلك في أمور كقوله تعالى: (إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) (٢) نزلت في الوليد بن عقبة لما استعمله النبي ﷺ وهمّ أن يغزوهم لما ظن صدقه حتى أنزل الله هذه الآية.
وكذلك في قصة بني أبيرق التي أنزل الله فيها: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا) (٣) وذلك لما جاء قوم تركوا السارق الذي كان يسرق وأخرجوا البريء فظن النبي ﷺ صدقهم حتى تبين الأمر بعد ذلك (٤).
وقوله ﷺ: "أنتم أعلم بأمور دنياكم" هل يعني هذا حُرية التصرف في الأمور الدنيوية بلا ضابط ديني؟ أم أنه ﷺ أحكم لأمته أمور الدنيا والآخرة وربط هذه بهذه وتولى أمر هذه وهذه؟ الجواب على هذا لا غموض فيه فهو حاصل بأدنى نظر في أمره ونهيه وهديه وهدي أصحابه رضوان الله عليهم الذين أعلم الناس به وأحرص الناس على متابعته.
_________________
(١) - مجموع الفتاوى ١٨/ ١٢.
(٢) - الحجرات، ٦.
(٣) - النساء/ ١٠٥.
(٤) - مجموع الفتاوى ١٥/ ١٨٧.
[ ٤٥ ]