قال ابن تيمية: لا يخفى ما جعل الله في القلوب من التشوق إلى العيد والسرور به والاهتمام بأمره إنفاقًا واجتماعًا وراحة ولذة وسرورًا.
وكل ذلك يوجب تعظيمه لتعلق الأغراض به فلهذا جاءت الشريعة في العيد بإعلان ذكر الله فيه حتى جعل فيه من التكبير في صلاته وخطبته وغير ذلك مما ليس في سائر الصلوات فأقامت فيه من تعظيم الله وتنزيل الرحمة خصوصًا العيد الأكبر ما فيه صلاح الخلق كما دل على ذلك قوله تعالى: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) (١).
فصار ما وسّع على النفوس فيه من العادات الطبيعية عونًا على انتفاعها بما خصّ به من العبادات الشرعية.
ثم قال ﵀ في الأعياد المزاحمة:
فإذا أعطيت النفوس في غير ذلك اليوم حظها أو بعض الذي يكون في عيد الله فترت عن الرغبة في عيد الله وزال ما كان له عندها من المحبة والتعظيم فنقص بسبب ذلك تأثير العمل الصالح فيه فخسرت خسرانًا مبينا.
_________________
(١) - الحج، ٢٧، ٢٨.
[ ٤٠ ]
وقال قبل ذلك:
ولهذا قال النبي ﷺ في العيدين الجاهلين "إن الله قد أبدلكم بهما يومين خيرًا منهما" (١).
فيبقى اغتذاء قلبه من هذه الأعمال المبتدعة مانعًا من الإغتذاء أو من كمال الاغتذاء بتلك الأعمال النافعة الشرعية فيفسد عليه حاله من حيث لا يعلم كما يفسد جسد المغتذي بالأغذية الخبيثة من حيث لا يشعر. وبهذا يتبين لك بعض ضرر البدع.
وقال قبل ذلك:
فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته قلّت رغبته في المشروع وانتفاعه به بقدر ما اعتاض من غيره بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع فإنه تعظم محبته له ومنفعته به ويتم دينه ويكمل إسلامه.
ولهذا تجد من أكثر من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه تنقص رغبته في سماع القرآن حتى ربما يكرهه.
ومن أكثر من السفر إلى زيارة المشاهد ونحوها لا يبقى لحج البيت المحرم في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته السنة.
ومن أد من على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم لا يبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع.
ومن أد من على قصص الملوك وسيرهم لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الإهتمام ونظائر هذه كثيرة.
_________________
(١) - أخرجه النسائي (٣/ ١٩٩) وأحمد في المسند (٤/ ٢٠٧ - ٣٥٦ - ٤٧٠ - ٤٩٩).
[ ٤١ ]
ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ: "ما ابتدع قوم بدعة إلا نزع الله عنهم من السنة مثلها" رواه الإمام أحمد.
وهذا أمر يجده من نفسه من نظر في حاله من العلماء والعبّاد والأمراء والعامة وغيرهم.
ولهذا عظّمت الشريعة النكير على من أحدث البدع وحذّرت منها لأن البدع لو خرج الرجل منها كفافًا لا عليه ولا له لكان الأمر خفيفًا بل لا بد أن توجب له فسادًا في قلبه ودينه ينشأ من نقص منفعة الشريعة في حقه إذ القلب لا يتسع للعوض والمعوض عنه (١).
_________________
(١) - الاختيارات الفقهية ص٢١٧.
[ ٤٢ ]