كثير من الناس يفهم من الدين فهمًا يناسب هواه ومراده فبهواه الغالب يصرف الأحكام الدينية ليس يُصرفها على مراد الله ورسوله فتجده يستدل على ما يريد بما ليس بدليل، مثل الإستدلال بتحريم الغيبة إذا ذكرت له خطأ عالم يعظمه أو لا يعظمه ولكن يهون هذا الخطأ ويعمل على مقتضاه فيوهم من سمعه أنه ينكر الغيبة وهو على الصحيح ينكر الحق المخالف لهواه.
فلا ينبغي أن نغتر بهذا الصنف من الناس. ثم هل معنى ما أقول تهوين أمر الغيبة؟ أعوذ بالله وإنما المراد هنا ذكر الفرقان الذي يطمئن إليه المؤمن ولا ينزعج ويقلق إذا ابتلي بمن ينكر الحق ويرده بدعوى إنكار الغيبة قال الحسن البصري ﵀: أترغبون عن ذكر الفاجر أذكروه بما فيه ليحذره الناس.
وقال ابن القيم ﵀: والفرق بين النصيحة والغيبة أن النصيحة يكون القصد فيها تحذير المسلم من مبتدع أو فتان أو غاش أو مفسد فتذكر ما فيه إذا استشارك وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: فما زال الصحابة ومن بعدهم ينكرون على من خالف وأخطأ كائنًا من كان ولو كان أعلم الناس وأتقاهم. وإذا كان الله بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق وأمرنا باتباعه وترك ما خالفه فمن تمام ذلك أن من خالفه من العلماء مخطئ ينبه على خطئه وينكر عليه. إنتهى. وكُتُب العلماء في الجرح والتعديل
[ ٥٢ ]
شاهدة بذلك وقد كان بعض السلف يطوف حول الكعبة ويقول: فلان كذاب. فلان ضعيف. ولولا ذلك لضاع الدين.
وقد قال قائل للإمام أحمد: أنا أكره أن أذكر أحدًا (يعني من العلماء) فقال أحمد: إذا سكت أنت وسكت أنا متى يميز الجاهل بين الصحيح والسقيم.
وذكر ابن القيم كلامًا معناه أن الغيبة إذا ظهرت على وجه النصيحة أنها من أقرب القربات وأعظم الحسنات. وكُتُب الجرح تقرب لك فهم هذا.
وبعض العلماء إذا حذّر من الغيبة وشناعتها ذكر المواضع التي لا يكون فيها ذكر الشخص بما يكره من الغيبة المذمومة بخلاف من يذم الغيبة مطلقًا ولا يفصل.
والمراد هنا أن لا نغتر بمن يرد الحق المخالف لهواه بدعوى الغيبة ولو سبرت حال هذا الصنف رأيت العجب من تمزيق الأعراض إذا خولفت الأهواء والأغراض.
وقال الإمام أحمد: إذا لم يُشار بأهل البدع على المنابر متى يُحذرون.
[ ٥٣ ]