قال ابن تيمية: وكذلك الذي يقلته الدجال ثم يحييه فيقول: أنت الأعور الكذاب الذي أخبرنا به رسول الله ﷺ والله ما ازددت فيك إلا بصيرة فيريد الدجال أن يقتله فلا يقدر على ذلك فهذا الرجل بعد أن قُتل وقام يقول للدجال: أنت الأعور الكذاب الذي أخبرنا به رسول الله ﷺ والله ما ازددت فيك بهذا القتل إلا بصيرة. ثم يريد الدجال أن يقتله فلا يقدر عليه.
فعجزه عن قتله ثانيًا مع تكذيب الرجل له بعد أن قتله وشهادته للرسول محمد بالرسالة هو من خوارق العادات التي لا توجد إلا لمن شهد للأنبياء بالرسالة وهذا الرجل هو من خيار أهل الأرض المسلمين. فهذا الخارق الذي جرى فيه هو من خصائص من شهد لمحمد بالنبوة فهو من أعلام النبوة ودلائلها. وكونه قُتل أولًا أبلغ في الدلالة فإن ذلك لم يزغه ولم يؤثر فيه وعلِمَ أنه لا يُسلط عليه مرة ثانية فكان هذا اليقين والإيمان مع عجزه عنه هو من خوارق الآيات.
ومعلوم أن قتله ممكن في العادة فعجزه على قتله ثانيًا هو الخارق للعادة ودل ذلك على أن إحياء الله له لم يكن معجزة للدجال ولا ليُبين به صدقه لكن أحياه ليكذّب الدجال وليُبين أن محمدًا رسول
[ ٥٨ ]
الله وأن الدجال كذاب وأنه هو الأعور الكذاب الذي أنذر به النبي ﷺ حيث قال: "ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الدجال وسأقوال لكم فيه قولًا لم يقله نبي لأمته: إنه أعور وإن الله ليس بأعور مكتوب بين عينيه كافر يقرأه كل مؤمن قارئ وغير قارئ" (١).
وقال أيضًا:
وأما إحياؤه مع تكذيبه له أولًا وعجزه ثانيًا عن قتله فليس بخارق فهذا إحياء معيّن معه دلائل معدودة تبين أنه من الآيات الدالة على صدق الرسول لا على صدق الدجال (٢).
_________________
(١) - أخرجه البخاري (٥/ ١٣١) ومسلم (٤/ ٢٢٤٨) وأبو داود (٢/ ٥١٩).
(٢) - النبوات ص٣٤٧.
[ ٥٩ ]