طوائف لا يحصيهم إلا الله من الناس كذبوا بعذاب القبر ونعيمه وهؤلاء يزعمون أنهم لا يصدقون ولا يؤمنون بغير المحسوس.
ولذلك أنكروا ما ثبت بنصوص الكتاب والسنة وما دلت عليه أيضًا مشاهدات الناس وسماعهم لذلك مما لا يحصيه إلا الله.
والذين ينكرون ذلك يلزمهم طردًا لهذا الأصل أن ينكروا أرواحهم وينكروا وجود الملائكة والجن بل وأعظم من ذلك أن ينكروا وجود الله.
وقد وضع بعض الزنادقة زئبقًا على كتف ميت عند دفنه ثم نبشوه بعد مدة فوجدوا الزئبق على حاله فصاروا يجادلون بذلك المؤمنين.
وإنك تجد هؤلاء الذين يُشككون فيما جاء به الرسول ﷺ عليه وسلم أردأ الخلق وأتعسهم وأضلهم وتجد أن نخوتهم الشيطانية تقودهم إلى ما يُضحك عليهم العقلاء كما قادت سيدهم إبليس نخوته عن شرف السجود لآدم طاعة وامتثالًا لأمر ربه إلى أسوء سوء وأقبح حال على الإطلاق.
ومثل واحد نضربه لسوء حال من رغب عن الانقياد للصادق المصدوق ﷺ فيه عبره وموعظه.
أهل القوانين الإبليسية، من قوانينهم منع تعدد الزوجات. وعقوبة من سولت له نفسه وتزوج بثانية السجن خمس سنوات.
[ ٩ ]
رأوا مرة إنسانًا يتردد على بيت ليس فيه إلا امرأة فشكوا أنه متزوج بها وهم يعلمون أن له زوجة غير هذه. فأمسكوه بتهمة الزواج بثانية ليطبقوا عليه قانون السجن فأثبت لهم أنه لم يتزوج بها وإنما هي عشيقته فأفلتوه.
فانظر تلاعب الشيطان بمن ضل عن الصراط المستقيم الذي دعا إليه محمد ﷺ.
والمراد هنا تقريب فهم عذاب القبر ونعيمه حيث قد يشكل على بعض الناس ولو لم يكذّب الرسول ﷺ.
ذكر ابن القيم ﵀ أن أحكام البرزخ على الأرواح وأن الأبدان تبع لها حيث تجري الأحكام على الأرواح فتسري إلى الأبدان نعيمًا أو عذابًا.
ثم ضرب لذلك مثلًا فقال: وقد أرانا الله سبحانه بلطفه ورحمته وهدايته من ذلك أنموذجًا في الدنيا من حال النائم فإن ما يتنعم به أو يعذب في نومه يجري على روحه أصلًا والبدن تبع له وقد يقوى حتى يؤثر في البدن تأثيرًا مشاهدًا فيرى النائم في نومه أنه ضُرب فيصبح وأثر الضرب في جسمه.
ويرى أنه قد أكل أو شرب فيستيقظ وهو يجد أثر الطعام والشراب في فيه ويذهب عنه الجوع والظمأ.
وأعجب من ذلك أنك ترى النائم يقوم من نومه ويضرب ويبطش ويدافع كأنه يقظان وهو نائم لا شعور له بشيء من ذلك.
[ ١٠ ]
وذلك أن الحكم لما جرى على الروح استعانت بالبدن من خارجه ولو دخلت فيه لاستيقظ وأحس.
فإذا كانت الروح تتألم وتتنعم ويصل ذلك إلى بدنها بطريق الإستتباع فهكذا في البرزخ بل أعظم فإن تجرد الروح هنالك أكمل وأقوى وهي متعلقة ببدنها لم تنقطع عنه كل الإنقطاع فإذا كان يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد ظاهرًا باديًا أصلا.
ثم قال ﵀: ومتى أعطيت هذا الموضع حقه تبين لك أن ما أخبر به الرسول من عذاب القبر ونعيمه وضيقه وسعته وضمه وكونه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة مطابق للعقل وأنه حق لا مرية فيه وأن من أشكل عليه ذلك فمن سوء فهمه وقلة علمه أُتي كما قيل:
وكم من عائب قولًا صحيحًا وآفته من الفهم السقيم
وأعجب من ذلك أنك تجد النائمين في فراش واحد وهذا روحه في النعيم ويستيقظ وأثر النعيم على بدنه وهذا روحه في العذاب ويستيقظ وأثر العذاب على بدنه.
وليس عند أحدهما خبر بما عند الآخر فأمر البرزخ أعجب من ذلك.
ثم ذكر ﵀ أن الله سبحانه جعل أمر الآخرة وما كان متصلًا بها غيبًا وحجبها عن إدراك المكلفين في هذه الدار وذلك من كمال حكمته وليتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم فأول ذلك أن
[ ١١ ]
الملائكة تنزل على المحتضر وتجلس قريبًا منه ويشاهدهم عيانًا ويتحدثون عنده ومعهم الأكفان والحنوط إما من الجنة وإما من النار ويؤمّنون على دعاء الحاضرين بالخير والشر وقد يسلمون على المحتضَر ويرد عليهم تارة بلفظه وتارة بإشارته وتارة بقلبه حيث لا يتمكن من نطق ولا إشارة (وقد سُمع) بعض المحتضرين يقول: أهلًا وسهلًا ومرحبًا بهذه الوجوه.
(وأخبرني) شيخنا عن بعض المحتضرين فلا أدري أشاهده أم أخبر عنه أنه سُمع وهو يقول: عليك السلام ها هنا فاجلس. وعليك السلام هاهنا فاجلس إلى آخر ما ذكر ﵀ (١).
_________________
(١) - انظر كتاب الروح ص٦٣.
[ ١٢ ]