الإنسان مريد محب وهذه الإرادة والمحبة ليست ملكًا له حتى يعلقها بما يشاء مما يهوى.
بل ذلك مملوك كباقي صفاته وأعماله لإلهه الحق وهو مفطور على محبة معبوده فلما فسدت الفطرة تعلقت المحبة والإرادة بالمخلوقات.
فصار عمل القلب على خلاف ما فطر عليه فحلت به العقوبات المعجلة فهو متألم معذب بحصول محبوبه وبعدم حصوله كمن تعلق بمحبة الدنيا أو الرئاسة أو العشق ونحو ذلك فقد قال ابن تيمية: كذلك العاشق يضره اتصاله بالمعشوق مشاهدة وملامسة وسماعًا بل ويضره التفكر فيه والتخيل له وهو يشتهي ذلك فإن مُنِع من مشتهاه تألم وتعذب وإن أعطي مشتهاه قوي مرضه وكان سببًا لزيادة الألم (١)
هذا يبين عظم اضطرار الإنسان وفاقته وفقده الذاتي لمعرفة معبوده الحق ومحبته لينجو من هذا العذاب والألم العاجل في الدنيا حيث أن تعلق قلبه بغيره مُعذّب مؤلم في الوصل والهجر.
ولذلك قال: فكذلك إذا بُلي بحب من لا ينفعه العشق ونحوه سواء كان لصورة أو لرئاسة أو لمال ونحو ذلك فإن لم يحصل محبوبه
_________________
(١) - مجموع الفتاوى ١٠/ ١٣٠.
[ ٧ ]
ومطلوبه فهو متألم ومريض سقيم وإن حصل محبوبه فهو أشد مرضًا وألمًا وسقمًا (١).
قد لا نعجب من حصوص الألم والعذاب في القلب حال عدم حصول المحبوب المراد.
لكن العجب والله من حصول الألم مع حصوله والتمتع به والتلذذ والتنعم بقربه ووصله أيًا كان ذلك المحبوب رئاسة أو مالًا أو عشقًا أو غيره مما سوى الله فما هو السر يا ترى؟
يذكر أهل العلم أن اللذة الحاصلة بحصول المحبوب من جنس اللذة الحاصلة من أكل الطعام الشهي المسموم فتأمل فمعرفة ذلك توضح ذلك معنى "لا إله إلا الله".
_________________
(١) - مجموع الفتاوى ١٠/ ١٤٢.
[ ٨ ]