العامل بالسنة في آخر الزمان المتمسك بدينه له أجر خمسين من الصحابة ﵃.
هل يعني هذا أن يكون أفضل منهم؟ قد يُشكل هذا وقد يفتح لبعض الناس دعوى عريضة، فاعرف المراد: قال شيخ الإسلام (١) ابن تيمية ﵀: لكن تضعيف الأجر لهم في أمور لم يضعف للصحابة لا يلزم أن يكونوا أفضل من الصحابة.
ولا يكون فاضلهم كفاضل الصحابة فإن الذي سبق إليه الصحابة من الإيمان والجهاد ومعاداة أهل الأرض في موالاة الرسول وتصديقه وطاعته فيما يخبر به ويُوجبه قبل أن تنتشر دعوته وتظهر كلمته وتكثر أعوانه وأنصاره وتنتشر دلائل نبوته.
بل مع قلة المؤمنين وكثرة الكافرين والمنافقين وإنفاق المؤمنين أموالهم في سبيل الله ابتغاء وجهه في مثل تلك الحال أمر ما بقي يحصل مثله لأحد كما في الصحيحين عنه ﷺ: "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" (٢).
قول ابن تيمية: "ما بقي يحصل مثله لأحد" يوضحه ما قاله ابن عباس: "لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ فلمقام
_________________
(١) - أنظر مجموع الفتاوى ١٣/ ٦٥.
(٢) - أخرجه البخاري (٢/ ٢٣٦) ومسلم (٤/ ١٩٦٧).
[ ٤ ]
أحدهم ساعة (يعني مع النبي ﷺ) خير من عبادة أحدكم عمره" (١).
وقال ابن تيمية أيضًا في ذلك: وأما قوله: "لهم أجر خمسين منكم لأنكم تجدون على الخير أعوانًا ولا يجدون على الخير أعوانا".
فهذا صحيح إذا عمل الواحد من المتأخرين مثل عمل عمله بعض المتقدمين كان له أجر خمسين.
لكن لا يُتصور أن بعض المتأخرين يعمل مثل عمل بعض أكابر السابقين كأبي بكر وعمر فإنه بقي يبعث نبي محمد بعمل معه مثلما عملوا مع محمد ﷺ.
وأما قوله: "أمتى كالغيث لا يُدرى أوله خير أم آخره" (٢) مع أن فيه لينًا فمعناه: في المتأخرين من يشبه المتقدمين ويقاربهم حتى يبقى لقوة المشابهة والمقارنة لا يدري الذي ينظر إليه أهذا خير أم هذا؟
وإن كان أحدهما في نفس الأمر خيرًا فهذا فيه بشرى للمتأخرين بأن فيهم من يقارب السابقين كما جاء في الحديث الآخر: "خير أمتي أولها وآخرها وبين ذلك ثبج أو عوج. وودت أني رأيت إخواني قالوا: أولسنا إخوانك؟ قال: أنتم أصحابي" (٣) هو تفضيل للصحابة فإنه لهم خصوصية الصحبة التي هي أكمل من مجرد الأخوّة (٤).
_________________
(١) - أنظر شرح الطحاوية ص٥٣٢.
(٢) - أخرجه الترمذي في الجامع رقم (٣٨٧٨) وقال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وأحمد (٣/ ١٣٠ - ١٤٣).
(٣) - أخرجه ابن الجوزي في غريب الحديث (١/ ١١٧).
(٤) - مجموع الفتاوى ١١/ ٣٧١.
[ ٥ ]