ذكر الطبري ﵀ في تاريخه (١) سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل ﵁ قال: ولما استقر الفتح أمّن رسول الله ﷺ الناس كلهم إلا تسعة نفر فإنه أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم عكرمة ﵁.
فكان عكرمة يُحدّث فيما يذكرون أن الذي رده إلى الإسلام بعد خروجه إلى اليمن أنه كان يقول:
أردت ركوب البحر لألحق بالحبشة فلما أتيت السفينة لأركبها قال صاحبها: يا عبد الله لا تركب سفينتي حتى توحد الله وتخلع ما دونه من الأنداد فإني أخشى إن لم تفعل أن نهلك فيها. فقلت: وما يركب أحد حتى يوحد الله ويخلع ما دونه؟ قال: نعم لا يركبه أحد إلا أخلص. قال: فقلت: ففيما أفارق محمدا فهذا الذي جاء نابه فوا الله إن إلهنا في البحر لإلهنا في البر فعرفت الإسلام عند ذلك ودخل قلبي. إنتهى.
إذا علمت هذا فسوف أذكر لك ما يبين صدق الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في قوله: إن مشركي زماننا أعظم شركًا من الأولين فأولئك يشركون في الرخاء ويخلصون لله في الشدة وقد أخبر الله عنهم في القرآن.
_________________
(١) - ٢/ ١٢٠.
[ ١٤ ]
فإنه جرى كلام بيني وبين أحد القادمين إلى هذه البلاد من بلاد مجاوره فقال: كنا سبعين رجلًا نريد أن نركب البحر لنقدم إلى هذه البلاد وعندما أردنا الركوب قالوا: تعالوا نصلي في مسجد الغريب حتى لا تغرق السفينة. فسألته عن مسجد الغريب. فقال: مسجد فيه قبر يتبركون فيه. يقول: فقلت لهم. ولماذا نذهب إلى الغريب حتى لا تغرق السفينة أهو ربنا؟. يقول: فذهبوا كلهم إلى مسجد الغريب وبقيت أنتظرهم لنسافر. وشاهد القصة الفرق بين الجاهلي الذي يقول لعكرمة: لا تركب البحر حتى تخلع الأنداد وتخلص وبين من يقولون. لا نركب البحر حتى نشرك.
(كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) (١) قال تعالى: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) (٢). فالعبد هو السائر والرب ﷻ هو المسيّر وقال تعالى: (قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ) (٣) يعني بدلًا من الرحمن ويكلؤكم يحفظكم.
وهؤلاء يجعلون الغريب والبدوي وأمثالهم هم الذين يسيّرون العباد في البر والبحر ويحفظونهم. تبًا لهذه العقول .. وانظر في القادمين وأحوالهم وما نحن فيه فإلى الله المشتكى.
_________________
(١) - الكهف، ٥.
(٢) - يونس، ٢٢.
(٣) - الأنبياء: ٤٢.
[ ١٥ ]