مداخلة: أنا كنت أريد أن أسألك يا سيدنا الشيخ عن أمور تتعلق بالإفرازات التي تخرج من بني آدم، هناك منها -مثلًا- أعزكم الله البول.
الشيخ: نعم.
السؤال: لماذا البول نجس، مع أنه الإنسان لما يتبول .. يبقى عنده جزء من البول في المثانة، والمثانة جزء من الجسم، تمام؟
الشيخ: نعم.
السؤال: فهل هي تعتبر نجسة؟
الجواب: كل شيء داخل جوف الإنسان ولو كان من القاذورات لا يأخذ حكم
[ ١ / ٩١ ]
النجاسة حتى يخرج خارج البدن.
السؤال: السبب؟
الجواب: السبب حكم الشارع الحكيم؛ لأنه من القواعد الشرعية قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] تفسير هذه الآية في قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فلو كان حَكَم علينا بأنه الذي في كرشنا ومثانتنا من النجاسات يجب إزالتها، هذا تكليف ما لا يُطاق، وربُّنا ﷿ أكرم وأرحم بعباده من أن يُكَلِّفهم بما لا يُطيقون ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
لكن حينما يصبح هذا الشيء القذر النجس في متناول الإنسان أن يزيله أصبح مكلفًا بإزالته، وبخاصة أن في ذلك إضرارًا لصحته، أيضًا بما أعتقد من الناحية الطبية تأمر بالنظافة، ولكن الشرع سبق الأطباء بأحكامه، ولذلك فنحن تبع للشرع، والأطباء المسلمون تبعًا أيضًا للشرع.
مداخلة: الطبيب أو العالم يحب أن يكون المعلومة التي درسها علميًا صحيحة، ودينيًا أيضًا صحيحة.
الشيخ: ولذلك أنا جمعت لك بين الشرع والطب في معرفة تحريم الدخان.
مداخلة: صح، لكن ما هو الفرق بين البول والدموع مثلًا؟ لماذا الدموع .. لأنه تقريبًا يعني مكونات الأملاح الموجودة هنا موجودة هنا.
الشيخ: لكن ليسوا سواءً، ليسوا سواءً بالمشاهدة، يعني كون الشيء قد يكون من ناحية طبية أو من الناحية التي نسميها الكيمياوية قد يكون واحدًا، ولا أعتقد هذا بطبيعة الحال، لكن الواقع يشهد أن الدمع غير البول، فأحيانًا الإنسان يبكي وتتقاطر بعض الدمعات إلى فمه، هل تظن أن الطعم الذي يجده من الدمع هو كما يجده من الدم ومن البول، لا يستويان مثلًا؛ فهذا الفارق وحده كاف من الناحية المنطقية، وإلا نحن ليس لنا أن نتحكم على الشارع الحكيم الذي هو رب العالمين، فنقول -مثلًا- لماذا فرض صلاة الفجر ركعتين، والمغرب ثلاث ركعات، وبقية
[ ١ / ٩٢ ]
الصلوات أربعًا أربعًا أربعًا، ولماذا جعل بعضها سرًا وبعضها جهرًا وبعضها جمع فيها بين الجهر والسر.
السائل: نقول: رَبُّ العالمين يُكلِّف عباده بما يشاء، وليس من المفروض في الإنسان كل الإنسان أنه يستطيع أن يحيط بكل شيء علمًا، صح أو لا؟
مداخلة: صح.
الشيخ: وأظنك معي في من يقول من الأوروبيين أنفسهم: ما ازددنا يومًا علمًا إلا ازددنا معرفة بجهلنا.
مداخلة: صحيح
الشيخ: حقيقة علمية هذه، فإذًا؛ من هنا قال الإمام الزمخشري -﵀-:
ما للتراب وللعلوم وإنما يسعى ليعلم أنه لا يعلم
مداخلة: نعم.
الشيخ: جميل؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: هاه، إذا كان الأمر كذلك فرَبُّ العالمين الذي أحاط بكل شيء علمًا، إذا أخبرنا على لسان نبينا محمد ﵇ المعصوم أن هذا طاهر وهذا نجس، ليس لنا أن نتطاول على رب العالمين وأن نقول: لماذا هذا طاهر؟ ولماذا هذا ميت؟ بل يجب علينا فورًا أن نُسَلِّم تسليمًا أن هناك فرقًا بين هذا الذي هو طاهر شرعًا، وبين هذا الذي هو نجس شرعًا، سواء عرفنا هذا الفرق أو ما عرفنا هذا الفرق.
يعني: الشأن في الإنسان المسلم مع ربه شأن أي إنسان مع طبيبه، طبيبه إذا حكم على إنسان ما أن هذه الإصبع يجب بَتْرُها، ليس له أن يقول له: لِمَ؛ لأنه جاهل بالنسبة إليه، صحيح أو لا؟
مداخلة: بس بيفهمه
[ ١ / ٩٣ ]
الشيخ: بيفهمه؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: بس أنا أسألك: هل أنت تستطيع أن تُفَهِّم كُلّ إنسان عن كل علة يسألك عنها، من ناحية طبية؟
مداخلة: لا، لكن سوف أعطيه الفكرة التي يقدر هو يفهمها.
الشيخ: إيه لكن ما تقدر تُفَهِّمه كُلّ شيء.
مداخلة: طبعًا على مستوى استيعابه سوف أُفَهِّمُه شيء الذي يريده.
الشيخ: فهمت، لكن ما تستطيع أن تُفَهِّمه كل شيء.
مداخلة: طبعًا.
الشيخ: مثلما حكينا نحن هَلَّا، الدخان نقدر نفهمك لماذا أن الدخان حرام؛ لأنه مضر، لكن قد يكون هناك شيء آخر ما نعرف لماذا، ما عندنا جواب إلا: هكذا رب العالمين حَكَم، فحينئذ يجب على المسلم أن يُثَبِّت في نفسه أنه مؤمن حقًا؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] اليوم أي قانون يُوضَع على وجه الأرض، بل وأي دستور يوضَع لا بد أنه تكون القضية نسبية، الدستور عند زيد من الناس معقول، عند بكر من الناس مش معقول؛ لأن العقول متفاوتة، صح أو لا؟ لكن حكم رب العالمين لا يُوزَن بهذا الميزان أبدًا.
ولذلك بالنسبة إلى موضوع: لماذا البول نجس، وليش الدمع ليس بنجس؟
الجواب: أولًا: لأن الشرع قال: هذا نجس وهذا طاهر.
ثانيًا: أمر واقع ملموس، الطعم يختلف، اللون يختلف، الرائحة تختلف، الإنسان لما تدمع عيونه ما مثل إذا أصابه البول، أو -مثلًا- الغائط قد أصاب ثيابه، تطلع ريحته المنتنة .. إلى غير ذلك، فهذا الفرق واضح ملموس لمس اليد، فهنا لا يَرِد
[ ١ / ٩٤ ]
أن يقال: لماذا حكم بنجاسة هذا وطهارة هذا؟
أما المثال السابق الذي ذكرته -آنفًا-: أن الصبح ركعتين لماذا؟ ما نعرف، هكذا رَبُّنا حَبّ يتعبدنا فنحن لازم نرضى.
أما قضية البول نجس والدمع طاهر، هذه الحقيقة كالشمس في رابعة النهار، في فرق بينهما، وجودًا يجوز أنت كيميائيًا تقول لي مثل بعضهم أنا في عقلي بقول لك لا ما هم مثل بعضهم؛ لأنه نسب الأجزاء الموجودة.
مداخلة: بعدين في شغلة ثانية طريقة الإفراز التي تحصل من الدمع غُدَّة صماء مالها قنوات.
الشيخ: ما عليك، بس هذه أشياء خفية دكتور، الله يكلف عباده بما يعرفون وبما هو مستطاع أن يأخذوه ويفهموه، لذلك من الآثار المنقولة عن بعض السلف وهو الخليفة الراشد علي بن أبي طالب -﵁- قال: كَلِّموا الناسَ على قدر عقولهم، أتُرِيدون أن يُكَذَّب اللهُ ورسولُه؟ ! فَرَبُّنا ﷿ جعل الدين يُسْرًا، من شان الناس أصحاب الفطر السليمة تتقبل هذا الدين بقبول حسن.
لكن أحيانًا تصدر من بعض العلماء بعض الأحكام باجتهادات منهم، هذه الاجتهادات غير مقبولة على الأقل عند بعض الناس، وقد تكون غير مقبولة -أيضًا- في حكم الشرع الصحيح، لكن هذا يحتاج إلى من يَعْرف أحكام الشريعة المنصوص عليها في كتاب الله وفي حديث رسول الله - ﷺ -.
أنا أضرب لك مثال توضيحي لهذا الذي أقوله: إذا كان عندنا وعاء من ماء، ويقع فيه قطرة من بول، فهل تنجس هذا الماء، أم لم يتنجس؟
وقبل الإجابة عن هذا السؤال وبيان آراء العلماء في ذلك، ثم الوصول إلى المقصد من ضرب المثال به، أريد أن ألفت نظر الدكتور والحاضرين إلى أنه كون الشيء نجسًا هو غير كونه قَذرًا، وأظنك تُفَرِّق معي.
مداخلة: نعم، نعم.
[ ١ / ٩٥ ]
الشيخ: هذه جملة يعني معترضة حتى نمشي في الموضوع على بَيِّنة، فهذا الماء الذي وقع فيه قطرة من البول تَنَجَّس أم لا؟
في أقوال كثيرة، قول يقول لك: انظر إلى هذا الماء، وهذا القول الصحيح الذي تدل عليه الأدلة الشرعية، انظر إلى هذا الماء إذا تَغَيَّر أحد أوصافه الثلاثة فقد تَنَجَّس: لونه طعمه أو ريحه.
مذهب ثاني يقول: إذا كان الماء بلغ قلتين، يعني: جَرَّتين كبار، فهو طاهر، وإذا كان أقل من ذلك بقليل فهو نجس.
القول الثالث والأخير قول من يقول: إذا كان الماء عشرة في عشرة أذرع فهو متحمل النجاسة هذا كلام فلسفي، وكلام غير فطري، ولا يمكن أن تُكَلّف به الناس جميعًا؛ لأنه يتطلب أن يكون المبتلى أمام ماء فيه نجاسة أن يكون مهندس؛ لأنه ما كل إنسان يستطيع أن يحكم أنه هذه البحيرة مثلًا، خاصة إذا كانت مربعة مُثَمَّنة، أو إذا كانت مُدَوَّرة، من يحكم هذا أنه بلغت عشرة في عشرة أو لا؟ نريد مهندس حسيب أيضًا، ربنا ما يكلف عباده بمثل هذه القضية التي هي في منتهى الدقة، لكن قابِل هذا الرأي بالرأي الأول، انظر إلى الماء تَغَيَّر أحد أوصافه الثلاثة، فهو نجس وإلا فهو طاهر، هكذا الشريعة تأتي، لم تأت بأمور فوق طاقة العباد فوق عقولهم.
ونحن الآن أمام قضية واضحة جدًا: البول بَيِّن نجس قذر تَمُجُّه النفوس أليس كذلك؟ فشتان ما بينهما، فكان أمرًا طبيعيًا جدًا أن تأتي الشريعة مطابقة للفطرة السليمة، الفطرة ما تنجس الدمع، ولا تنجس الدم الذي يخرج من بدن الإنسان أيضًا، وإلا كثير من الناس يقولون بأن هذا الدم نجس أيضًا، وأنه إذا خرج من إنسان انتقض وضوؤه، هذا أيضًا غير صحيح بالنسبة للشريعة، وهكذا، فالإسلام كما قال رب العالمين: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] لكن هذا ليس معناه أن الإنسان يجعل الشريعة على كيفه، فالذي يعجبه وفيه يُسْر يأخذ فيه، سواء جاء به الشرع أو ما جاء، لا، القضية ليست هكذا، الشرع
[ ١ / ٩٦ ]
منصوص، وكفى الله المؤمنين القتال.
(الهدى والنور / ٢٠٦/ ١٣: ٠١: ٠١)
(الهدى والنور / ٢٠٧/ ٣٤: ٠٠: ٠٠)
[ ١ / ٩٧ ]