[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
ثم ذكر المؤلف من النجاسات الدم سواء كان دما مسفوحا أم دم حيض ثم قال: «وقال الحسن: ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم. ذكره البخار ي ».
في هذا الفصل أمور لم يحقق المؤلف القول فيها لا من الناحية الحديثية ولا من الناحية الفقهية.
١ - أما الناحية الحديثية ففيها ما يأتي: الأول: قوله في أثر الحسن: ذكره البخاري فأوهم أنه موصول عنده، لأنه المقصود اصطلاحا عند إطلاق العزو إليه وهو إنما رواه معلقا بغير إسناد وقد وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح كما في «الفتح ١/ ٢٨١».
الثاني: قوله: «وكان أبو هريرة لا يرى بأسا بالقطرة والقطرتين في الصلاة». سكت عليه فأوهم أنه ثابت عنه وليس كذلك فقد رواه ابن أبي شيبة في «المصنف ١/ ١٣٧ - ١٣٨».
[ ١ / ٧٠ ]
حدثنا شريك عن عمران بن مسلم عن مجاهد عن أبي هريرة.
قلت: وهذا إسناد ضعيف لا يصح: شريك - وهو ابن عبد الله القاضي - ضعيف لسوء حفظه وشيخه عمران بن مسلم يحتمل أنه الفزاري الكوفي فقد ذكروا في الرواة عنه شريكا ولكنهم لم يذكروا في شيوخه مجاهدا والآخر: الأزدي الكوفي فقد ذكروا من شيوخه مجاهدا! ولكنهم لم يذكروا في الرواة عنه شريكا!
فإن يكن الأول فهو ثقة. وإن يكن الآخر فرافضي خبيث. والله أعلم.
ثم هو مع ضعفه مخالف لما صح عن أبي هريرة قال: لا وضوء إلا من حدث. رواه البخاري معلقًا ووصله إسماعيل القاضي بإسناد صحيح كما قال الحافظ وقد جاء مرفوعا بلفظ: «إلا من صوت أو ريح» وهو مخرج في «المشكاة ٣١٠ / التحقيق الثاني و«الإرواء ١/ ١٤٥ و١٥٣» و«صحيح أبي داود ١٩٦» ورواه مسلم بنحوه.
ومخالف أيضًا لحديث الأنصاري الذي قام يصلي في الليل فرماه المشرك بسهم فوضه فيه فنزعه حتى رماه بثلاثة أسهم ثم ركع وسجد ومضى في صلاته وهو يموج دما. كما علقه البخاري ووصله أحمد وغيره وهو مخرج في «صحيح أبي داود ١٩٣» وهو في حكم المرفوع لأنه يستبعد عادة أن لا يطلع النبي - ﷺ - على ذلك فلو كان الدم الكثير ناقضا لبينه - ﷺ - لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما هو معلوم من علم الأصول. وعلى فرض أن النبي - ﷺ - خفي ذلك عليه فما هو بخاف على الله الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء فلو كان ناقضًا أو نجسًا لأوحى بذلك إلى نبيه - ﷺ - كما هو ظاهر لا يخفى على أحد.
وإلى هذا ذهب البخاري كما دل عليه تعليقه بعض الآثار المتقدمة واستظهره في «الفتح» وهو مذهب ابن حزم ١/ ٢٥٥ - .
٢ - وأما من الناحية الفقهية ففيها:
أولا: التسوية بين دم الحيض وغيره من الدماء كدم الإنسان ودم مأكول اللحم من الحيوان وهذا خطأ بين وذلك لأمرين اثنين:
[ ١ / ٧١ ]
١ - أنه لا دليل على ذلك من السنة بله الكتاب والأصل براءة الذمة إلا نص.
٢ - أنه مخالف لما ثبت في السنة أما بخصوص دم الإنسان المسلم فلحديث الأنصاري الذي صلى وهو يموج دما وقد مضى قريبا.
وأما دم الحيوان فقد صح عن ابن مسعود ﵁ أنه نحر جزورا فتلطخ بدمها وفرثها ثم أقيمت الصلاة فصلى ولم يتوضأ.
أخرجه عبد الرزاق في «المصنف ١/ ١٢٥» وابن أبي شيبة ١/ ٣٩٢، والطبراني في «المعجم الكبير ٩/ ٤٢٨» بسند صحيح عنه ورواه البغوي في «الجعديات ٢/ ٨٨٧ / ٢٥٠٣».
وروى عقبه عن أبي موسى الأشعري: «ما أبالي لو نحرت جزورا فتلطخت بفرثها ودمها، ثم صليت ولم أمس ماء» وسنده ضعيف.
ثانيا: تفريقه بين الدم القليل والكثير وهذا وإن كان مسبوقا إليه من بعض الأئمة فإنه مما لا دليل عليه من السنة بل حديث الأنصاري يبطله كما هو ظاهر. ولم يستدل المؤلف على هذا التفريق بغير أثر أبي هريرة المتقدم وقد عرفت ضعفه وإن روي مرفوعا ففي إسناده متروك كما في «نيل الأوطار» وقد خرجته في «الضعيفة» ٤٣٨٦ وقد أجاد الرد على هذا التفريق ابن حزم ﵀ في آخر الجزء الأول من «المحلى» فليراجعه من شاء وكذا القرطبي وابن العربي في تفسيريهما فانظر إن شئت «الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٢٦٣».
ومن عجيب أمر المؤلف أنه سوى هنا في النجاسة بين الدماء ولم يستثن منها دماء الحيوانات المأكولة اللحم وفرق فيما يأتي بين بول الآدمي النجس وبول ما يؤكل لحمه من الحيوانات فحكم بطهارته تمسكا بالأصل واستصحابا للبراءة الأصلية فهلا تمسك بذلك هنا أيضا لأن الدليل واحد هنا وهناك؟ !
[تمام المنة ص (٥٠)].
[ ١ / ٧٢ ]