السائل: هل هذه الأفعال من النسك:
أولًا: النزول بنمرة ثم عُرَنة، وما حكم دخول عرفة قبل الزوال؟
الشيخ: الذي نراه، أن النزول في نمرة ثم في عُرَنة، إنما كان تهيؤًا للوقوف في عرفة، والوقوف في عرفة في اعتقادي فيه حكمان: الوجوب والركنية.
أما الوجوب: فهو من بعد صلاة الظهر إلى غروب الشمس.
أما الركنية فساعة من ليل أو نهار كما جاء في الحديث الصحيح، لما جاءه رجل ﵊ وهو في المزدلفة فقال له بعد أن فهم منه أنه قد قطع مسافات طويلة، وأنه أدرك النبي - ﷺ - في جمع في مزدلفة، قال له ﵊: «من صلى صلاتنا هذه معنا في جمع، ثم كان قد وقف على عرفة ساعةً من ليل أو من نهار، فقد قضى تفثه، وتَمَّ حَجُّه».
فالوقوف في عرفه ساعة من ليل أو نهار هو الركن، أما الوقوف من بعد صلاة الظهر في مسجد نمرة إلى غروب الشمس، فهذا هو الواجب الذي ينبغي على كل مسلم، أن يحرص عليه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ تجاوبًا منه مع قول النبي - ﷺ -:
[ ١١ / ٣٥٨ ]
«خذوا عني مناسككم؛ فإني لا ادري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، أو بعد عامكم هذا».
ولذلك فقوله ﵇ في هذا الحديث: «خذوا عني مناسككم». هو كقوله في الصلاة: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
فكل ما ثبت من أفعال النبي - ﷺ - في الحج، وفي الصلاة فالأصل فيه الوجوب إلا ما دلت القرينة على أنه ليس للوجوب وإنما هو للندب، وعلى ذلك فالوقوف في عرفة هو النسك، أما ما قبل ذلك فهو التَهَيّؤ، وفي اعتقادي قد تغيرت الوسائل والأسباب اليوم، وتذلل الكثير منها بما خلق الله ﷿ للمسلمين في هذا العصر من الأسباب، فلا نرى النزول في عُرَنة بخاصة، وإما أن يجتمع المسلمون لصلاة الظهر والعصر جمع تقديم في مسجد نمرة، فهذه عبادة وينبغي أن نقتدي فيها بالنبي - ﷺ -، هذا ما عندي جوابًا على هذه الفقرة. نعم.
السائل: أما الفقرة الثانية، فعن خطبة عرفة؟
الشيخ: هي تدخل في عموم ما ذكرت آنفًا، لا بد من الخطبة؛ لأنها عبادة وطاعة، وليس هناك ما يدل على أنها من الواجبات.
السائل: الثالثة: قصر الصلاة، والجمع بين الصلاتين في عرفة ومزدلفة؟
الشيخ: الأصل في قصر الصلاة بالنسبة للمسافرين أمر مختلف فيه بين علماء المسلمين، ما بين قائل أن القصر واجب، وهذا هو الذي ندين الله به.
وبين قائل بأن القصر يجوز والأفضل التمام، وإذا كان من الثابت في الأدلة العامة بالنسبة لكل مسافر، أنه يجب عليه القصر، فبالأولى أنه يجب عليه القصر في مناسك الحج كعرفة وكمزدلفة، والجمع يمكن أقول يمكن أقول يمكن، وأنا أعني ما أقول، يمكن أن يكون كذلك بالنسبة لكونه متعلقًا بمناسك الحج، ولكن ممكن لبعض الناس أن لا يروا ذلك بخلاف القصر؛ فإن الأدلة التي أشرنا إليها آنفًا تلزمنا بالقصر في كل سفر، فمن باب أولى أن تلزمنا بالقصر في مناسك الحج التي ثبت أن
[ ١١ / ٣٥٩ ]
النبي - ﷺ - قصر فيها، لقد جاء في صحيح مسلم أن رجلًا قال لعمر الخطاب ﵁: لو أدركت النبي - ﷺ - لسألته؟ قال: عما كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله ما بالنا نقصر وقد أمِنَّا، قال: قد سألت رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فقال - ﷺ -: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته».
يشير إلى أن قصر الصلاة فيما إذا ضرب المسلمون في الأرض كان مشروطًا بقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، من أجل هذا الشرط جاء السؤال من بعض الناس، منهم عمر الخطاب كما في صحيح مسلم: ما بالنا يا رسول الله نقصر وقد أمِنَّا؟ ربنا يقول: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ النساء: ١٠١]، فأجاب ﵊ بقوله: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته»، وإذا كان الكريم ﵎ تَصَدَّق على عبادة المؤمنين، فكيف يستنكف أحدهم عن أن يقبل صدقة رب العالمين، هذا فيما لو لم يكن هناك ما يلزم الأخذ بالقصر؛ لأنه هو الأصل جاء في حديث عائشة قالت ﵂: «فُرِضَت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت في السفر وزيدت في الحضر».
فإذًا: علينا أن نلتزم الأصل الذي لم يأت عن النبي - ﷺ - فعلًا، فضلًا عن أن يأتي قولًا يخرجنا عنه، وما يُرْوى عن النبي - ﷺ - أنه أتم وقصر، كما أنه افطر وصام في رمضان في السفر، فهذا لا يصح عنه - ﷺ -، بل قد جاء في صحيح مسلم وغيره من حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي - ﷺ - من ساعة خروجه من المدينة حتى رجع إليها ما زال يقصر، يصلي ركعتين، ركعتين حتى دخل المدينة، هذا هدية - ﷺ - بعامة القصر، ومن باب أولى أن نقصر في عرفة وفي مزدلفة، أما الجمع فالأصل فيه أنه رخصة لكن الأَوْلَى أن نتمسك بهما خشية أن يكون من مناسك الحج، هذا ما أدين الله به، والله أعلم، غيره.
السائل: الفقرة الرابعة: النزول بالمُحَصِّب يوم الثالث عشر بعد الزوال؟
[ ١١ / ٣٦٠ ]
الشيخ: هذا أمر اختلف السلف فيه، منهم من قال سنة، ومنهم من قال أنه لحاجة، وهذا هو الذي نطمئن إليه إن شاء الله، ولكل إنسان أن يفعل ما يراه صوابًا. نعم.
السائل: الفقرة الخامسة: الذهاب من طريق معين مثلًا دخوله مكة من كذا، والخروج من باب حَزَوَّرة وكذا؟
الشيخ: المخالفه بين الطريقين من هديه ﵇، فمن تيسر له ذلك فهو سنة، ومن لا فلا حرج.
(الهدى والنور / ٣٩٢/ ٥٣: ٣٣: ٠٠)
[ ١١ / ٣٦١ ]