فهو في قوله تعالى في [سورة النور: الآية ٣١]:
﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ .
وقوله تعالى في [سورة الأحزاب: الآية ٥٩]:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .
ففي الآية الأولى التصريح بوجوب ستر الزينة كلها، وعدم إظهار شيء منها أمام الأجانب إلا ما ظهر بغير قصد منهن، فلا يؤاخذن عليه إذا بادرن
[ ٣٩ ]
إلى ستره، قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره":
"أي: لا يظهرن شيئًا من الزينة للأجانب، إلا ما لا يمكن إخفاؤه، قال ابن مسعود: كالرداء والثياب؛ يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب، فلا حرج عليها فيه؛ لأن هذا لا يمكن إخفاؤه".
وقد روى البخاري "٧/ ٢٩٠"، ومسلم "٥/ ١٩٧" عن أنس -﵁- قال: "لما كان يوم أحد، انهزم الناس عن النبي -ﷺ- وأبو طلحة بين يدي النبي -ﷺ- مجوب عليه بحجفة١ له، ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر، وأم سليم، وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما "يعني الخلاخيل" تنقزان٢ القرب على متونهما، تفرغانه في أفواه القوم".
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني:
"وهذه كانت قبل الحجاب، ويحتمل أنها كانت عن غير قصد للنظر".
قلت: وهذا المعنى الذي ذكرنا في تفسير: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] هو المتبادر من سياق الآية، وقد اختلفت أقوال السلف في تفسيرها: فمن قائل: إنها الثياب الظاهرة.
_________________
(١) ١ أي: مترس عليه "بحجفة"، أي بترس من جلد. ٢ أي تثبان، و"القرب على متونهما"، أي تحملانها وتقفزان بها وثبًا.
[ ٤٠ ]
ومن قائل: إنها الكحل والخاتم والسوار والوجه وغيرها من الأقوال التي رواها ابن جرير في "تفسيره" "١٨/ ٨٤" عن بعض الصحابة والتابعين، ثم اختار هو أن المراد بهذا الاستثناء الوجه والكفان١، فقال:
"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عنى بذلك الوجه والكفين، يدخل في ذلك -إذا كان كذلك- الكحل والخاتم والسوار والخضاب، وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل، لإجماع الجميع على أن على كل مصلٍّ أن يستر عورته في صلاته، وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها، إلا ما روي٢ عن النبي -ﷺ- أنه أباح لها أن تبدي من ذراعها قدر النصف، فإذا كان ذلك من جميعهم إجماعًا؛ كان معلومًا بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة كما ذلك للرجال؛ لأن ما لم يكن عورة فغير حرام إظهاره، وإذا كان لها إظهار ذلك كان معلومًا أنه مما استثنى الله تعالى ذكره بقوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]؛ لأن كل ذلك ظاهر منها".
_________________
(١) ١ قلت: والكفان هما الراحتان إلى الرسغين. والوجه: من منبت شعر الرأس إلى أسفل الذقن، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن. هكذا قال أهل العلم؛ خلافًا لبعض المعاصرين، وسيأتي الرد عليه في خاتمة الكلام على هذا الشرط الأول إن شاء الله تعالى. ٢ كأن ابن جرير يشير بقوله: روي إلى ضعف الحديث، وهو حري بذلك. فإنه بهذا اللفظ غير صحيح، بل هو عندي منكر، رواه ابن جرير من طريق قتادة: بلغني أن النبي ﷺ قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تخرج يدها إلا إلى ها هنا؛ وقبض نصف الذراع". =
[ ٤١ ]
_________________
(١) = وهذا إسناد منقطع. ثم روى نحوه عن ابن جريج قال: قالت عائشة: خرجت لابن أخي عبد الله بن الطفيل مُزَيَّنة، فكرهه النبي -ﷺ، فقلت إنه ابن أخي يا رسول الله! فقال: "إذا عركت المرأة لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها، إلا ما دون هذا". وقبض على ذراع نفسه. والحديث منكر لضعفه من قبل إسناده، ومخالفته لما هو أقوى منه، ألا وهو حديث عائشة الآتي من رواية أبي داود، وكونه أقوى منه، لا يشك فيه من له معرفة بهذا العلم الشريف؛ وذلك لأن له شاهدًا من قوله ﷺ، وهو حديث أسماء الآتي ذكره في التعليق، وجريان عمل الصحابيات عليه كما سيأتي بيانه، بخلاف هذا، فإنه لا شاهد له يقويه، ولم يجر عليه عمل، فكان منكرًا. وفي حديث ابن جريج خاصة نكارة أخرى أشد مما سبق، وهي مخالفته للقرآن، فإنه صريح في إنكار خروج عائشة أمام ابن أخيها مزينة، والله ﷿ يقول: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية، وفيها: ﴿أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ﴾، فهي صريحة الدلالة على جواز إبداء المرأة زينتها لابن أخيها، فكان الحديث منكرًا من هذه الجهة أيضًا. وقد كنت بينت شيئًا من هذا في تعقيبي على الأستاذ المودودي الذي نشر في آخر كتابه "الحجاب" الطبعة الأولى – دمشق"، وقد ذكرت فيه أن حديث قتادة مرسل، وحديث ابن جريج معضل، بينه وبين عائشة مفاوز! وقد سلم بهذا الأستاذ المودودي، ولكنه ذهب إلى تقوية الحديث بمجموع الطريقين المرسلة والمعضلة، بدعوى أن أحدهما يوافق الآخر كل الموافقة! وقد فات فضيلته –ولا أقول أغمض عينه- عن أن في الطريق المعضلة ما ليس =
[ ٤٢ ]
_________________
(١) = في المرسلة، وهو ما ذكرناه مما فيه من المخالفة للقرآن. وإنما يتفقان فقط في لفظ الحديث المنسوب إلى النبي -ﷺ- ومما يظهر لك الفرق بينهما أن تعلم أن الأستاذ المودودي احتج بهما على أن المرأة عورة كلها إلا الوجه واليدين على جميع الناس، حتى على الأب والأخ وسائر المحارم! وهذا هو الذي جملنا على كتابة التعقيب عليه، وحمل القائمين على نشر كتابه على نشر التعقيب معه، فذكرت فيه أن دلالة المرسل على ما ذهب إلى المودودي إنما ذكرت جملة منها في التعقيب يمكن تخصيصه بالأدلة المخصصة، وهي معروفة، وقد ذكرت جملة منها في التعقيب المشار إليه، وأما دلالة المعضل، ففيها زيادة، فإنه صريح في كراهة الرسول خروج عائشة مزينة أمام ابن أخيها مما هو مخالف لنص القرآن، وهذا ما لا وجود له في الحديث المرسل، فافترقا. فإن قلت: فهل يقوي أحدهما الآخر فيما اتفقا عليه؟ فالجواب: لا. وإن خالفنا في ذلك فضيلة الأستاذ المودودي حين قال في تعقيبه علي "ص ١١": "فكأن كذا كل واحد منهما يعتضد بالآخر". فإن هذا التعضد من الأستاذ قائم على أصل أفصح عنه في تعقيبه بقوله ص ٤: "مما لا يخفى على أصحاب العلم، ولا أراه خافيًا على مثل الشيخ ناصر الدين الألباني طبعًا؛ أن حديثنا ضعيفًا إذا كان متفردًا في بيان موضوع، فإن حكم ذلك الموضوع يكون ضعيفًا لأجل الضعف في إسناد ذلك الحديث، ولكن إذا وجدت عدة أحاديث تؤيده في بيان الموضوع بعينه، فإن ذلك الموضوع المشترك بينهما يكون قويًّا صالِحًا للاحتجاج به، مهما يكن كل حديث من تلك الأحاديث ضعيفًا من جهة الإسناد بصفته الفردية". قلت: فهذا الأصل الذي بنى عليه فضيلته تقوية هذا الحديث، مما لا يخفى علينا فساده على هذا الإطلاق، بل هو المقرر عند أهل العلم، فإنهم اشترطوا أن لا =
[ ٤٣ ]
_________________
(١) = يكون الضعف شديدًا في أفراد تلك الأحاديث، فقال الإمام النووي في "التقريب" "ص٥٨ – بشرحه التدريب": "إذا روي الحديث من وجوه ضعيفة، لا يلزم أن يحصل من مجموعها أنه حسن، بل ما كان ضعفه لضعف حفظ رواية الصدوق الأمين؛ زال بمجيئه من وجه، وصار حسنًا، وكذا إذا كان ضعفها الإرسال؛ زال بمجيئه من وجه آخر". قلت: ويشترط في الوجه الآخر أن يكون مسندًا، أو يكون مرسلًا أيضًا لكنه صحيح السند إلى المرسل، وأن يكون مرسله قد تلقى الأحاديث عن غير شيوخ المرسل الأول، فإنه في هذه الحالة تطمئن النفس إلى أن الطريقين بمثابة إسنادين إلى صحابي أو صحابيين، يتقوى أحدهما بالآخر، أما إذا اختل أحد هذين الشرطين، كأن يكون سند المرسل الآخر ضعيفًا، أو كان صحيحًا، ولكن لم يعلم أن شيوخه غير شيوخ الأول؛ لم يتقوَ الحديث به، لاحتمال أن يرجع الطريقان المرسلان إلى راوٍ واحد هو شيخ المرسلين للحديث، فيكون حينئذ غريبًا! وهذا معنى قول النووي -﵀- في بحث المرسل بعد أن ذكر أن المرسل حديث ضعيف عند جماهير المحدثين والشافعي وكثير من الفقهاء، وأصحاب الأصول. قالت: وحكاه الحاكم عن ابن المسيب ومالك كما في "التدريب"، قال النووي "ص ٦٧": "فإن صح مخرج المرسل، بمجيئه من وجه آخر مسندًا أو مرسلًا أرسله من أخذ عن غير رجال الأول كان صحيحًا، ويتبين بذلك صحة المرسل، وأنهما صحيحان لو عارضهما صحيح من طريق رجحناهما عليه إذا تعذر الجمع". قلت: فهذا الشرط الذي أشار إليه النووي بقوله: "بمجيئه" ضروري؛ لأنه بدونه لا يتبين صحة المرسل، فإذا عرفنا ذلك يظهر بوضوح أن الأستاذ المودودي لم يراع =
[ ٤٤ ]
_________________
(١) = هذا الشرط حينما قوى مرسل قتادة بمرسل ابن جريج، بل بمعضله! وبيانه من وجهين: الأول: أن الشرط مفقود هنا، فإن من شيوخ المرسلين "قتادة وابن جريج"، عطاء ابن أبي رباح كما هو مذكور في ترجمتهما، فيحتمل حينئذ أن يعود الحديث إلى طريق واحدة مرسلة فلا يصح في هذه الحالة أن يدعم أحدهما بالآخر لما سبق. الآخر: أن حديث ابن جريج معضل، وليس هو بمرسل، فحينئذ لا يصلح شاهدًا للمرسل الأول أصلًا؛ لأن ابن جريج إنما يروي عن التابعين، فجائز أن يكون شيخه في هذا المرسل تابعيًّا ثقة أخذ الحديث عن شيوخ المرسل الأول، فلم يتحقق الشرط المذكور، بل من الجائز أن يكون شيخه غير ثقة، فحينئذ لا يستشهد بحديثه أصلًا لضعفه وإرساله. وهذا الذي جوزناه هو الأرجح عندي فيما جلالة قدره كان مدلسًا، كما اعترف بذلك الأستاذ المودودي في تعقيبه، ولكنه مر عليه مرًّا سريعًا، ولم يقف عنده لا قليلًا ولا كثيرًا فلم يبين نوع تدليسه، وإنما أفاض في نقل كلمات الأئمة في توثيقه، الأمر الذي لا فائدة كثيرة منه هنا، بل قد يتوهم منه من لا علم عنده أن مرسله حجة! وذكر من مصادره فيما نقله من التوثيق "ميزان الاعتدال"، وقد جاء فيه: "قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال أبي: بعض هذه الأحاديث التي كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة، كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذ؛ يعني قوله: أخبرتُ، وحدثتُ عن فلان"!. وفي "تهذيب التهذيب": "وقال الأثرم عن أحمد: إذا قال ابن جريج: قال فلان، وقال فلان، وأخبرت؛ جاء بمناكير، وإذا قال: أخبرني، و: سمعت؛ فحسبك به". وقال جعفر بن عبد الواحد عن يحيى بن سعيد: "كان ابن جريج صدوقًا، فإذا قال: حدثني؛ فهو سماع، وإذا قال: أخبرني =
[ ٤٥ ]
_________________
(١) = فهو قراءة، وإذا قال: "قال"، فهو شبه الريح". وقال الدارقطني: "تجنب تدليس ابن جريج فإنه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح، مثل إبراهيم بن أبي يحيى، وموسى بن عبيدة، وغيرهما". فتبين من كلمات هؤلاء الأئمة أن حديث ابن جريج المعنعن ضعيف، شديد الضعف، لا يستشهد به؛ لقبح تدليسه، حتى روى أحاديث موضوعة، بشهادة الإمام أحمد، وهذا إذا كان حديثه المعنعن مسندًا، فكيف إذا كان مرسلًا، بل معضلًا كهذا الحديث؟!. فقد اتضح كالشمس أن تقوية الأستاذ المودودي لحديث قتادة المرسل بحديث ابن جريج المعضل لا وجه له البتة على ما تقتضيه قواعد علم الحديث وأقوال العارفين برجاله. وهذا كله إذا صرفنا النظر عن مخالفة الحديث لحديث أسماء بنت عميس، وحديث قتادة الآخر بسنده عن عائشة، فكيف وهو مخالف لهما؟! وقد كنت في تعقيبي على الأستاذ المودودي قد أعللت الأحاديث المشار إليها -حاشا حديث أسماء- باختلاف الرواة في ضبط متنه أيضًا، علاوة على ضعف أسانيدها، فأجاب الأستاذ عن ذلك بأن هذا الاختلاف إنما يضر لو فرضنا متون هذه الأحاديث كلها متنًا واحدًا. قال: والأمر ليس كذلك، بل هي أربعة أحاديث كل واحد منها مستقل عن غيره كما يقتضيه ظاهر ألفاظها. ثم قال: "والاختلاف بينها ما هو باختلاف لا يمكن رفعه، إذ من الممكن أن نفهم بكل سهولة أن المراد بهذه الأحاديث أن المرأة لا يجوز لها أن تكشف من جسدها إلا الوجه واليدين عادة، بيد أنها إذا عرضت لها حاجة أو عذر فلها أن تكشف من جسدها إلا الوجه واليدين عادة، بيد أنها إذا عرضت لها حاجة أو عذر فلها أن تكشف إلى نصف ذراعها، كأن هذا الفرق إنما هو الفرق بين العورة المغلظة والعورة المخففة. ومما يدل على هذا =
[ ٤٦ ]
_________________
(١) = الفرق قوله -ﷺ: "لا يحل" لنصف الذراع في رواية قتادة الأولى ورواية ابن جريج، وقوله: "لم يصلح" للمِفصل والوجه والكفين في رواية قتادة الثانية، ورواية خالد بن دريك. وجوابنا من وجوه: أولًا: إن المتأمل في متون الأحاديث المشار إليها لا يبدو له بوجه من الوجوه أنها أربعة أحاديث، بل هي حديثان: الأول: حديث قتادة مرسلًا بلفظ: "إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلى وجهها ويداها إلى المفصل". رواه أبو داود في كتابه "المراسيل" "رقم ٤٣٧"، ورواه في "سننه" عن قتادة عن خالد بن دريك عن عائشة بلفظ: "إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه". فهذا بلا شك حديث واحد، مداره على راوٍ واحد، وهو قتادة، إلا أن بعضهم رواه عنهم مرسلًا بلفظ، وبعضهم رواه عنه مسندًا بلفظ آخر، والمعنى واحد، وما علمت أحدًا من أهل الحديث يجعل الحديث الذي رواه راوٍ واحد، تارة مرسلًا، وتارة مسندًا، يجعلهما حديثين بمتنين مختلفين! والحديث الآخر: حديث قتادة الذي رواه بلاغًا مرسلًا، وحديث ابن جريج المعضل، فإنهما اتفقا على ذكر لفظ: "لا يحل"، أو "لم يحل" وعلى استثناء نصف الذراع. فهذا أيضًا حديث واحد، رواه راويان، أحدهما أرسله، والآخر أعضله. فهذا هو الذي يدل عليه ظاهر ألفاظ تلك الروايات لا غير. =
[ ٤٧ ]
_________________
(١) = ثانيًا: إذا تبين لك ما ذكرناه آنفًا فلا شك حينئذ من اختلاف الحديث الأول مع الحديث الآخر كما هو ظاهر، والتوفيق الذي ذهب إليه الأستاذ المودودي لو كان مسلمًا؛ لا يصار إليه إلا لو كان الحديثان من قسم الحديث المقبول. فحينئذ لا مناص من التوفيق بينهما كما هو معروف في علم المصطلح، وخاصة في "شرح النخبة" للحافظ ابن حجر. وقد عرفت مما سبق ضعف الحديث الآخر، وأما الحديث الأول فهو من المقبول؛ لأن له شاهدًا موصولًا وهو حديث أسماء الآتي "ص٥٧"، وجرى عليه العمل كما يأتي بيانه في التعليق قريبًا. وحينئذ فلا وجه للتوفيق بينهما لما عرفت آنفًا. ثالثًا: إن التوفيق المذكور بين الحديثين غير مسلَّم عندي، بل هو لا يكاد يفهم ولو بصعوبة، إذ من أين جاء الأستاذ بقيد "عادة" في الحديث الأول، وقيد "حاجة أو عذر" في الحديث الثاني، وليت شعري إذا عرض للمرأة عذر في الكشف عن عضدها بل فخذها مثلًا، أفلا يجوز لها ذلك؟ الذي لا أشك فيه أن جواب الأستاذ على هذا السؤال إنما هو بالإيجاب، فإنه قد نص على معنى ذلك في كتابه "الحجاب" انظر "ص٣٩٩"، وحينئذ أليس هذا القيد الذي جاء به الأستاذ في صدد الرد على إنما هو تعطيل للاستثناء المنصوص عليه في الحديث، وما معنى الحديث حينئذ إذا كان المستثنى كله في حكم المستثنى منه بالقيد المذكور؟! إذا كان كذلك فهو دليل واضح على بطلان التوفيق المذكور، وأن الحديث مع ضعف سنده مخالف للحديث الأول المقبول، فكان منكرًا مردودًا. وإن مما يلفت النظر أن الأستاذ المودودي في تقييده للحديث الأول بذلك القيد "عادة" أفادنا أن الحديث يجيز للمرأة أن تكشف عن وجهها وأن تجعل ذلك من عادتها، بينما يرى في كتاب "الحجاب" أن الوجه عورة، بل يقول "ص٣٦٥-٣٦٦": "إن آية: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ نزلت خاصة في ستر الوجه"! =
[ ٤٨ ]
_________________
(١) = ثم أطال الكلام في تأييد ذلك. ثم ذكر "ص٣٧٧": "أن الإسلام يبيح للمرأة أن تكشف عن وجهها عند الحاجة والضرورة"! فهذا نص منه على أن الوجه لا يجوز الكشف عنه إلا لحاجة. فهو مناقض لتقييده الحديث بالعادة، ومناقض من جهة أخرى لتقييده ما نص عليه الحديث الآخر من إباحة الكشف عن نصف الذراع للحاجة والضرورة؛ لأنه تبين من كلامه الذي نقلته عنه آنفًا في "الحجاب" وكلامه في "التعقيب" أن كلًّا من الوجه ونصف الذراع عورة لا يجوز الكشف عن شيء من ذلك إلا للحاجة أو للضرورة، بينما هو في "التعقيب" فرق بين العضوين. وما ذلك إلا تشبثًا منه بالحديث الذي بينا ضعفه في تعقيبي عليه، ولو أنه أعرض عنه بعد تبينه عدم ثبوته لما خسر شيئًا البتة، ما دام أنه يحمله على الحاجة والضرورة، وما دام أنه بهذه العلة يجيز الكشف عن أكثر من ذلك كما سبق بيانه. وأما استدلال الأستاذ على الفرق الذي ادعاه بين نصف الذراع من جهة والكفين من جهة أخرى، باختلاف التعبير في حديثيهما، ففي الأول قال: "لا يحل"، وفي الآخر: "لم يصلح"؛ فاستدلال واهٍ جدًّا، لا أدري كيف ذهب الأستاذ إليه، وبيانه من وجوه: أولًا: أنه لو صح استدلاله لتناقض الحديثان تناقضًا بينًا في حكم المستثنى، وهو بدن المرأة، فإن الأول يدل صراحة على تحريم الكشف عنه إلا ما استثنى منه، وأما الآخر فإن فهمنا أن قوله فيه: "لم يصلح"، ليس بمعنى: "لم يحل"، أو بعبارة أخرى: ليس في قوته في الدلالة على التحريم، أثبتنا بذلك التناقض بين الحديثين كما ذكرنا وهذا مما لا يقوله أحد. ثانيًا: لا فرق عندنا بين قوله: "لا يحل"، وقوله: "لا يصلح"؛ فكلاهما يدل على التحريم؛ لأن الفساد ضد الصلاح، فما لا يصلح، فاسد، وفاعله مفسد، وقد ذم الله قومًا فقال: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، فدل على أن "لا يصلح" =
[ ٤٩ ]
وهذا الترجيح غير قوي عندي؛ لأنه غير متبادر من الآية على الأسلوب القرآني وإنما هو ترجيح بالإلزام الفقهي وهو غير لازم هنا؛ لأن للمخالف أن يقول: جواز كشف المرأة عن وجهها في الصلاة أمر خاص بالصلاة فلا يجوز أن يقاس عليه الكشف خارج الصلاة لوضوح الفرق بين الحالتين.
أقول هذا مع عدم مخالفتنا له في جواز كشفها وجهها وكفيها في الصلاة وخارجها لدليل بل لأدلة أخرى غير هذه كما يأتي بيانه وإنما المناقشة هنا في صحة هذا الدليل بخصوصه لا في صحة الدعوى فالحق في معنى هذا الاستثناء ما أسلفناه أول البحث وأيدناه بكلام ابن كثير. ويؤيده أيضًا ما في "تفسير القرطبي" "١٢/ ٢٢٩":
_________________
(١) = بمعنى "لا يحل" والأمثلة في السنة الصحيحة على ذلك كثيرة أجتزئ على ذكر ثلاثة منها: الأول: قوله -ﷺ: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" الحديث. رواه مسلم، وهو مخرج في "الإرواء" "٣٩٠"، و"صحيح أبي داود" "٨٦٢". الثاني: قوله -ﷺ- لبشير والد النعمان وقد وهبه غلامًا: "أفكلهم أعطيت مثل ما أعطيته؟ قال: لا، قال: فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد على جور". رواه مسلم، وهو مخرج في "الإرواء" "١٥٩٨". الثالث: قوله -ﷺ- لأبي بردة حين قال سائلًا: يا رسول الله! إن عندي داجنًا جذعة من المعز؟ قال: "اذبحها، ولن تصلح لغيرك". متفق عليه.
[ ٥٠ ]
"قال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بأن لا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه أو إصلاح شأن ونحو ذلك فـ ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ﴾ على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه".
قال القرطبي:
"قلت: هذا قول حسن إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة وذلك في الصلاة والحج فيصلح أن يكون الاستثناء راجعًا إليهما يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة ﵂: أن أسماء بنت أبي بكر ﵄ دخلت على رسول الله -ﷺ- وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله -ﷺ- وقال لها: "يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا"، وأشار إلى وجهه وكفيه، فهذا أقوى في جانب الاحتياط ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها والله الموفق لا رب سواه".
قلت: وفي هذا التعقيب نظر أيضًا؛ لأنه وإن كان الغالب على الوجه والكفين ظهورهما بحكم العادة فإنما ذلك بقصد من المكلف والآية حسب فهمنا إنما أفادت استثناء ما ظهر دون قصد فكيف يسوغ حينئذ جعله دليلًا شاملًا لما ظهر بالقصد؟ فتأمل.
ثم تأملت فبدا لي أن قول هؤلاء العلماء هو الصواب وأن ذلك من دقة نظرهم ﵏ وبيانه: أن السلف اتفقوا على أن قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يعود إلى فعل يصدر من المرأة المكلفة غاية ما في الأمر أنهم
[ ٥١ ]
اختلفوا فيما تظهره بقصد منها فابن مسعود يقول: هو ثيابها أي: جلبابها. وابن عباس ومن معه من الصحابة وغيرهم يقول: هو الوجه والكفان منها. فمعنى الآية حينئذ: إلا ما ظهر عادة بإذن الشارع وأمره. ألست ترى أن المرأة لو رفعت من جلبابها حتى ظهر من تحته شيء من ثيابها وزينتها -كما يفعل ذلك بعض المتجلببات السعوديات- أنها تكون قد خالفت الآية باتفاق العلماء فقد التقى فعلها هذا مع فعلها الأول وكلاهما بقصد منها لا يمكن إلا هذا فمناط الحكم إذن في الآية ليس هو ما ظهر دون قصد من المرأة -فهذا مما لا مؤاخذة عليه في غير موضع الخلاف أيضًا اتفاقًا- وإنما هو فيما ظهر دون إذن من الشارع الحكيم فإذا ثبت أن الشرع سمح للمرأة بإظهار شيء من زينتها سواء كان كفًّا أو وجهًا أو غيرهما فلا يعترض عليه بما كنا ذكرناه من القصد؛ لأنه مأذون فيه كإظهار الجلباب تمامًا كما بينت آنفًا.
فهذا هو توجيه تفسير الصحابة الذين قالوا: إن المراد بالاستثناء في الآية الوجه والكفان وجريان عمل كثير من النساء في عهد النبي -ﷺ- وبعده كما سترى في النصوص الآتية المتواترة معنا.
ويعود الفضل في التنبه لهذا التوجيه -بعد الله تعالى- إلى الحافظ أبي الحسن بن القطان الفاسي١ -رحمه الله تعالى- في كتابه القيم الفريد
_________________
(١) ١ وصفه الذهبي في "أعلام النبلاء" "٢٢/ ٣٠٦" بقوله: "الشيخ الإمام العلامة الحافظ الناقد المجود القاضي" ونحوه في "تذكرة الحفاظ".
[ ٥٢ ]
الذي أطلعني الله عليه وأنا أهيئ مقدمة هذه الطبعة الجديدة ألا وهو: "النظر في أحكام النظر" فقد تكلم فيها بعلم واسع ونظر ثاقب على كل مسائله ومنها ما نحن فيه فنبهني على ما أشرت إليه قوله فيه "ق ١٤/ ٢":
"وإنما نعني بالعادة هنا عادة من نزل عليهم القرآن وبلغوا عن النبي -ﷺ- الشرع وحضروا به خطاب المواجهة ومن لزم تلك العادة بعدهم إلى هلم جرا لا لعادة النسوان وغيرهم المبدين أجسادهم وعوراتهم".
قلت: فابن عباس ومن معه من الأصحاب والتابعين والمفسرين إنما يشيرون بتفسيرهم لآية ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ إلى هذه العادة التي كانت معروفة عند نزولها وأقروا عليها فلا يجوز إذن معارضة تفسيرهم بتفسير ابن مسعود الذي لم يتابعه عليه أحد من الصحابة لأمرين اثنين:
الأول: أنه أطلق الثياب ولا قائل بهذا الإطلاق؛ لأنه يشمل الثياب الداخلية التي هي في نفسها زينة كما تفعله بعض السعوديات كما تقدم فإذن هو يريد منها الجلباب فقط الذي تظهره المرأة من ثيابها إذا خرجت من دارها.
والآخر: أن هذا التفسير -وإن تحمس له بعض المتشددين- لا ينسجم مع بقية الآية وهي: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ ﴾ الآية؛ فالزينة الأولى هي عين الزينة الثانية كما هو معروف في الأسلوب العربي: أنهم إذا ذكروا اسْمًا معرّفًا ثم كرروه فهو هو فإذا كان الأمر كذلك فهل الآباء ومن ذكروا معهم في الآية لا يجوز لهم أن
[ ٥٣ ]
ينظروا إلا إلى ثيابهن الباطنة؟ ولذلك قال أبو بكر الجصاص -﵀- في "أحكام القرآن" "٣/ ٣١٦":
"وقول ابن مسعود في أن ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ هو الثياب لا معنى له؛ لأنه معلوم أنه ذكر الزينة والمراد العضو الذي عليه الزينة ألا ترى أن سائر ما تتزين به من الحلي والقلب والخلخال والقلادة يجوز أن تظهرها للرجال إذا لم تكن هي لابستها فعلمنا أن المراد مواضع الزينة كما قال في نسق الآية بعد هذا: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ والمراد موضع الزينة فتأويلها على الثياب لا معنى له إذ كان مما يرى الثياب عليها دون شيء من بدنها كما يراها إذا لم تكن لابستها".
وكأنه لهذا لم يعرِّج عليه الحافظ ابن القطان في كتابه الآنف الذكر وقد ذكره في جملة ما قيل في تفسير الآية كما ذكر أقوال العلماء والمذاهب حولها بتفصيل وتحرير وتحقيق فيها لا أعرف له مثيلًا ثم ساق بعض الأحاديث التي يمكن الاستدلال بها على جواز إبداء المرأة لوجهها وكفيها للأجانب ومع أنه فاته الكثير من الأحاديث التي ذكرت في كتابنا هذا فقد ناقشها مناقشة دقيقة وميز صحيحها وسقيمها وما يصح الاستدلال به وما لا يصح من الناحية الفقهية دون أن يتحيز لفئة.
ثم تكلَّم على الآية وفسرها تفسيرًا بديعًا يدل على أنه إمام في التفسير والفقه أيضًا كما هو في الحديث فأفاد -﵀- أن النهي فيها مطلق من وجوه ذكرها وهي أربعة، وفصل القول فيها تفصيلًا رائعًا ويهمنا هنا منها رابعها فقال "ق ١٥/ ١":
[ ٥٤ ]
"ومطلقة بالنسبة إلى كل ناظر ورد على إطلاقه منها استثناءان:
أحدهما: على مطلق الزينة وخصص به منها ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فيجوز إبداؤه لكل واحد.
والآخر: على مطلق الناظرين الذين يبدي لهم شيء من ذلك فخصص منهم البعولة ومن بعدهم".
وبعد أن ساق قول ابن مسعود وأقوال الصحابة والتابعين المخالفة وأقوال المذاهب والأحاديث المشار إليها آنفًا قال ملخصًا للموضوع وموضحًا رأيه فيه "ق ٢١/ ١":
"الأحاديث المذكورة في الباب إما أن تدل على إبدائها جميع ذلك "يعني: الوجه والكفين" أو بعضه دلالة يمكن الانصراف عنها بتحميل اللفظ أو القصة غير ذلك لكن الانصراف عما يدل عليه ظاهر اللفظ أو سياق القصة لا يكون جائزًا إلا بدليل عاضد يصير الانصراف تأويلًا، وإذا لم يكن هناك دليل كان الانصراف تحكمًا، فعلى هذا يجب القول بما تظاهرت هذه الظواهر وتعاضدت عليه من جواز إبداء المرأة وجهها وكفيها لكن يستثنى من ذلك ما لا بد من استثنائه قطعًا وهو ما إذا قصدت بإبداء ذلك التبرج وإظهار المحاسن فإن هذا يكون حرامًا ويكون الذي يجوز لها إنما هو إبداء ما هو في حكم العادة ظاهر حين التصرف والتبذل فلا يجب عليها أن تتعاهده بالستر بخلاف ما هو في العادة "أي الشرعية" مستور إلا أن يظهر بقصد كالصدر والبطن فإن هذا لا يجوز لها إبداؤه ولا يعفى لها عن بدوه ويجب عليها ستره في حين التصرف كما يجب من
[ ٥٥ ]
ستره في حين الطمأنينة ويعضد هذه الظواهر وهذا المنزع قوله تعالى:
﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾؛ فمعنى الآية: لا يبدين زينتهن في مواضعها لأحد من الخلق إلا ما كان عادة ظاهرة عند التصرف فما وقع من بدوِّه وإبدائه بغير قصد التبرج والتعرض للفتنة فلا حرج فيه".
ثم قال "ق ٢١/ ٢":
"ويتأيَّد المعنى الذي حملنا عليه الآية من أن الظاهر هو الوجه والكفان بقوله تعالى المتقدم متصلًا به: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فإنه يفهم منه أن القرطة قد يعفيهن عند بدو وجوههنَّ عن تعاهد سترها فتنكشف، فأمرن أن يضربن بالخمر على الجيوب حتى لا يظهر شيء من ذلك إلا الوجه الذي من شأنه أن يظهر حين التصرف؛ إلا أن يستر بقصد وتكلف مشقة، وكذلك الكفان وذكر أهل التفسير أن سبب نزول الآية هو أن النساء كن وقت نزولها إذا غطين رءوسهن بالخمر يسدلنها خلفهن كما تصنع النبط فتبقى النحور والأعناق بادية فأمر الله سبحانه بضرب الخمر على الجيوب ليستر جميع ما ذكر وبالغ في امتثال هذا الأمر نساء المهاجرين والأنصار فزدن فيه تكثيف الخمر".
ثم ذكر حديث عائشة الآتي "ص ٧٨" لكن من رواية أبي داود بلفظ: "شققن أكنَف -وقال ابن صالح: أكثف- مروطهن فاختمرن بها". وقال:
"هذا إسناد حسن"!.
[ ٥٦ ]
ثم قال الحافظ ابن القطان -رحمه الله تعالى:
"فإن قيل: هذا الذي ذهبت إليه من أن المرأة معفو لها عن بدو وجهها وكفيها -وإن كانت مأمورة بالستر جهدها- يظهر خلافه من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ الآية؟
فالجواب أن يقال:
يمكن أن يفسر هذا "الإدناء" تفسيرًا لا يناقض ما قلناه وذلك بأن يكون معناه: يدنين عليهنَّ من جلابيبهن ما لا يظهر معه القلائد والقرطة مثل قوله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فإن "الإدناء" المأمور به مطلق بالنسبة إلى كل ما يطلق عليه "إدناء" فإذا حملناه على واحد مما يقال عليه "إدناء" يقضي به عن عهدة الخطاب إذ لم يطلب به كل "إدناء" فإنه إيجاب بخلاف النهي والنفي".
ويلاحظ القراء الكرام أنَّ هذا البحث القيم الذي وقفت عليه بفضل الله من كلام هذا الحافظ ابن القطان يوافق تمام الموافقة ما كنت ذكرته اجتهادًا مني وتوفيقًا بين الأدلة: أن الآية مطلقة كما ستراه مصرحًا به "ص٨٧" فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
نعم حديث عائشة عند أبي داود دليل واضح على جواز إظهار المرأة الوجه والكفين لولا أن فيه ما بيناه في التعليق١، إلا أنه من الممكن أن
_________________
(١) ١ الحديث أخرجه أبو داود "٢/ ١٨١-١٨٣"، والبيهقي "٢/ ٢٢٦ و٧/ =
[ ٥٧ ]
يقال: إنه يقوى بكثرة طرقه وقد قواه البيهقي كما يأتي أدناه فيصلح حينئذ دليلًا على الجواز المذكور لا سيما وقد عمل به كثير من النساء في عهد النبي -ﷺ- حيث كن يكشفن عن وجوههن وأيديهن بحضرته -ﷺ- وهو لا ينكر ذلك عليهن وفي ذلك عدة أحاديث نسوق ما يحضرنا الآن منها:
_________________
(١) = ٨٦"، والطبراني في "مسند الشاميين" "ص٥١١-٥١٢"، وابن عدي في "الكامل" "٣/ ١٢٠٩" من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن خالد بن دريك عن عائشة "زاد ابن عدي: وقال مرة: "عن أم سلمة" بدل "عائشة"، قال أبو داود عقبه: "هذا مرسل، خالد بن دريك لم يدرك عائشة". قلت: وسعيد بن بشير ضعيف كما في "التقريب" للحافظ ابن حجر. لكن الحديث قد جاء من طرق أخرى يتقوى بها:
(٢) أخرج أبو داود في "مراسيله" "رقم ٤٣٧" -كما تقدم- بسند صحيح عن قتادة أن النبي -ﷺ- قال: "إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل". قلت: وهو مرسل صحيح يتقوى بما بعده، وليس فيه ابن دريك ولا ابن بشير.
(٣) أخرج الطبراني في "الكبير" "٢٤/ ١٤٣/ ٣٧٨"، و"الأوسط" "٢/ ٢٣٠/ ٨٩٥٩"، والبيهقي؛ من طريق ابن لَهيعة عن عياض بن عبد الله أنه سمع إبراهيم بن عبيد بن رفاعة الأنصاري يخبر عن أبيه أظنه عن أسماء ابنة عميس أنها قالت: دخل رسول الله -ﷺ- على عائشة بنت أبي بكر وعندها أختها أسماء بنت أبي بكر، وعليها ثياب شامية واسعة الأكمام، فلما نظر إليها رسول الله -ﷺ- قام فخرج، فقالت عائشة -﵂: تنحي، فقد رأي رسول الله -ﷺ- أمرًا كرهه، فتنحت، فدخل رسول الله -ﷺ، فسألته عائشة -﵂: لم قام؟ قال: "أولم تري إلى =
[ ٥٨ ]
_________________
(١) =هيئتها؟! إنه ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هذا وهذا"، وأخذ بكفيه، كذا في البيهقي، والصواب "بكميه" كما في مصادر التخريج، فغطى بهما ظهر كفيه حتى لم يبد من كفيه إلا أصابعه، ثم نصب كفيه على صدغيه حتى لك يبد إلا وجهه، وقال البيهقي: "إسناده ضعيف". قلت: وعلته ابن لهيعة هذا، واسمه عبد الله الحضرمي أبو عبد الرحمن المصري القاضي، وهو ثقة فاضل، لكنه كان يحدث من كتبه، فاحترقت، فحدث من حفظه فخلط، وبعض المتأخرين يحسن حديثه، وبعضهم يصححه، وقد أورد حديثه هذا الهيثمي في "مجمع الزوائد" "٥/ ١٣٧" برواية الطبراني في "الكبير" و"الأوسط". ثم قال: "وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح". والذي لا شك فيه أن حديثه في المتابعات والشواهد لا ينزل عن رتبة الحسن، وهذا منها. وقد قوى البيهقي الحديث من وجهة أخرى، فقال بعدما ساق حديث عائشة، وبعد أن روى عن ابن عباس وغيره في تفسيره: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾؛ أنه الوجه والكفان، قال: "مع هذا المرسل قول من مضى من الصحابة -﵃ في بيان ما أباح الله من الزينة الظاهرة، فصار القول بذلك قويًّا". ووافقه الذهبي في "تهذيب سنن البيهقي"، "١/ ٣٨/ ١". قلت: والصحابة الذين يشير إليهم: عائشة وابن عباس وابن عمر، قالوا: واللفظ للأخير: "الزينة الظاهرة: الوجه والكفان". قال: "وروينا معناه عن عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير، وهو قول الأوزاعي". وقد روى ابن أبي شيبة في "المصنف"، "٤/ ٢٨٣": حدثنا زياد بن الربيع عن صالح الدهان عن جابر بن زيد عن ابن عباس أنه قال: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ﴾، قال: الكف ورقعة الوجه. وكذا رواه إسماعيل القاضي كما في "نظر ابن =
[ ٥٩ ]
١ - عن جابر بن عبد الله قال:
"شهدت مع رسول الله -ﷺ- الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم قام متوكئًا على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال: "تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم"، فقامت امرأة من سِطَة١ النساء "أي: جالسة في وسطهن" سفعاء الخدين "أي: فيهما تغير وسواد" فقالت: لِمَ يا رسول الله؟ قال: "لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير"، قال: فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتمهن"٢.
_________________
(١) = القطان" "٢٠/ ١"، وهذا سند صحيح. ثم وصل ابن أبي شيبة الأثر المذكور عن ابن عمر، وسنده صحيح أيضًا. ويزيده قوة جريان العمل عليه؛ كما سترى في الأحاديث والآثار. الآتية.
(٢) أخرجه مسلم "٣/ ١٩"، والنسائي "١/ ٢٣٣"، والدارمي "١/ ٣٧٧"، وابن خزيمة في "صحيحه" "٢/ ٣٥٧/ ١٤٦٠"، والبيهقي "٣/ ٢٩٦ و٣٠٠"، وأحمد "٣/ ٣١٨". والحديث واضح الدلالة على ما من أجله أوردناه، وإلا لما استطاع الراوي أن يصف تلك المرأة بأنها: "سفعاء الخدين". ١ وهذه رواية مسلم، ولفظ رواية الآخرين: "سفلة النساء". قال ابن الأثير: "بفتح السين وكسر الفاء: السقاط من الناس". ٢ قد يظن بعض الناس أن في هذا الحديث ونحوه كحديث ابن عباس الآتي رقم "٦" ما يدل على جواز لبس النساء للأساور والخواتم من الذهب، ويتخذ ذلك دليلًا =
[ ٦٠ ]
٢- عن ابن عباس "عن الفضل بن عباس":
_________________
(١) = على نسخ الأحاديث الصحيحة المصرحة بتحريم ما ذكر على النساء، وجوابًا على ذلك أقوال: أولًا: ليس في الحديث التصريح بأن تلك الحلي كانت من الذهب، وعليه فلا تعارض بينها وبين الأحاديث المحرمة. ثانيًا: لإثبات نسخ التحريم بالأحاديث المبيحة لا بد من التحقق من تأخر هذه الأحاديث، ودون ذلك خرط القتاد، بل العكس هو الصواب، لما يأتي. ثالثًا: لو فرضنا أنه جاء في حديث أو أحاديث التصريح بذلك، فينبغي أن يحمل ذلك على الأصل الأول، وهو الإباحة، ثم طرأ عليها ما أخرجها من هذا الأصل إلى التحريم، بدليل أحاديث التحريم، فإن مثل هذه الأحاديث لاتصدر من الشارع في الغالب، إلا لرفع ذلك الأصل؛ وهو الإباحة في الأمور التي نص على تحريمها، ولذلك يقول علماء أصول الفقه: "إذا تعارض حاظر ومبيح، قدم الحاظر"، وفي هذه الحالة لا يلزمنا أن نثبت تأخر النص المحرم على النص المبيح؛ لأن النص المحرم يتضمن في الواقع الإشارة إلى رفع ما تضمنه النص المبيح كما هو ظاهر. وقد فصلت القول في مسألة الذهب للنساء وما يباح لهن منه وما يحرم، وأوردت الأدلة المحرمة والشبهات الواردة عليها، والجواب عنها في كتابي: "آداب الزفاف في السنة المطهرة"، فليرجع إليه من شاء، وبخاصة طبعة المكتبة الإسلامية؛ ففي مقدمتها ردّ ضاف على بعض المشاغبين وأهل الأهواء.
(٢) أخرجه البخاري "٣/ ٢٩٥ و٤/ ٥٤ و١١/ ٨"، ومسلم "٤/ ١٠١"، وأبو داود "١/ ٢٨٦"، والنسائي "٢/ ٥"، وعنه ابن حزم "٣/ ٢١٨"، وابن ماجه أيضًا "١/ ٢١٤"، ومالك "١/ ٣٢٩"، والبيهقي، والزيادة الأولى بين القوسين والتي قبلها عند البخاري والنسائي وابن ماجه وأحمد في رواية، والثانية للبخاري، وكذا الثالثة، والأخيرة عند البخاري ومسلم في رواية، وهي في "صحيح ابن خزيمة" "٤/ ٣٤٢".=
[ ٦١ ]
"أن امرأة من خثعم استفتت رسول الله -ﷺ- في حجة الوداع [يوم النحر] والفضل بن عباس رديف رسول الله -ﷺ-[وكان الفضل رجلًا وضيئًا فوقف النبي -ﷺ- للناس يفتيهم] "، الحديث وفيه:
"فأخذ الفضل بن عباس يلتفت إليها وكانت امرأة حسناء "وفي رواية: وضيئة" "وفي رواية: فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها" [وتنظر إليه] فأخذ رسول الله -ﷺ- بذقن الفضل فحول وجهه من الشق الآخر". وفي رواية لأحمد "١/ ٢١١" من حديث الفضل نفسه:
"فكنت أنظر إليها فنظر إلَيّ النبي -ﷺ- فقلب وجهي عن وجهها، ثم أعدت النظر فقلب وجهي عن وجهها، حتى فعل ذلك ثلاثًا وأنا لا أنتهي".
ورجاله ثقات لكنه منقطع إن كان الحكم بن عتيبة لم يسمعه من ابن عباس
وروى هذه القصة علي بن أبي طالب -﵁- وذكر أن الاستفتاء كان عند المنحر بعد ما رمى رسول الله -ﷺ- الجمرة وزاد:
"فقال له العباس: يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك؟ قال: "رأيت شابًّا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما".
_________________
(١) = وأما حديث علي بهذه القصة فأخرجه الترمذي "١/ ١٦٧-طبع بولاق"، وقال: حسن صحيح، وأحمد "رقم ٥٦٢ و١٣٤٧"، وابنه عبد الله في "زوائد المسند" "رقم ٥٦٤ و٦١٣"، والبزار في "مسنده" "٢/ ١٦٤/ ٥٣١ و٥٣٢-بيروت"، والضياء في "المختارة" "١/ ٢١٤"، وإسناده جيد. وبه استدل الحافظ في "الفتح" "٤/ ٦٧" على أن الاستفتاء وقع عند المنحر بعد الفراغ من الرمي. =
[ ٦٢ ]
_________________
(١) = قلت: ومعنى ذلك أن السؤال كان بعد التحلل من الإحرام؛ لما هو معلوم أن الحاج إذا رمى جمرة العقبة حل له كل شيء إلا النساء، وحينئذ فالمرأة الخثعمية لم تكن محرمة. والحديث يدل على ما دل عليه الذي قبله من أن الوجه ليس بعورة؛ لأنه كما قال ابن حزم: "ولو كان الوجه عورة يلزم ستره لما أقرها على كشفه بحضرة الناس، ولأمرها أن تسبل عليه من فوق، ولو كان وجهها مغطى ما عرف ابن عباس أحسناء هي أم شوهاء". وفي "الفتح" "١١/ ٨": "قال ابن بطال: في الحديث الأمر بغض البصر خشية الفتنة، ومقتضاه أنه إذا أمنت الفتنة لم يمتنع. قال: ويؤيده أنه -ﷺ- لم يحول وجه الفضل حتى أدمن النظر إليها لإعجابه بها، فخشي الفتنة عليه. وفيه مغالبة طباع البشر لابن آدم، وضعفه عما ركب فيه من الميل إلى النساء، والإعجاب بهن. وفيه دليل على أن نساء المؤمنين ليس عليهن من الحجاب ما يلزم أزواج النبي -ﷺ، إذ لو لزم ذلك جميع النساء لأمر النبي -ﷺ- الخثعمية بالاستتار، ولما صرف وجه الفضل. قال: وفيه دليل على أن ستر المرأة وجهها ليس فرضًا، لإجماعهم على أن للمرأة أن تبدي وجههًا في الصلاة، ولو رآه الغرباء". هذا كله كلام ابن بطال، وهو متين جيد. غير أن الحافظ تعقبه بقوله: "قلت: وفي استدلاله بقصة الخثعمية لما ادعاه نظر؛ لأنها كانت محرمة". قلت: كلا، فإنه لا دليل على أنها كانت محرمة، بل الظاهر خلافه، فقد قدمنا =
[ ٦٣ ]
٣- عن سهل بن سعد:
_________________
(١) = عن الحافظ نفسه أن سؤال الخثعمية للنبي -ﷺ- إنما كان بعد رمي جمرة العقبة، أي بعد التحلل، فكان الحافظ نسي ما كان حققه هو بنفسه -رحمه الله تعالى. ثم هب أنها كانت محرمة، فإن ذلك لا يخدج في استدلال ابن بطال المذكور البتة؛ ذلك لأن المحرمة في جواز ستر وجهها بالسدل عليه كما يدل على ذلك الحديث الرابع والخامس الآتيان "ص١٠٨"، وإنما يجب عليها أن لا تنتقب فقط، فلو أن كشف المرأة لوجهها أمام الأجانب لا يجوز؛ لأمرها -ﷺ- أن تسبل عليه من فوق كما قال ابن حزم، ولا سيما وهي من أحسن النساء وأجملهن، وقد كاد الفضل بن عباس أن يفتتن بها! ومع هذا كله لم يأمرها -ﷺ، بل صرف وجه الفضل عنها، ففي هذا دليل أيضًا على أن الستر المذكور لا يجب على المرأة ولو كانت جميلة، وإنما يستحب ذلك لها كما يستحب لغيرها. وأما قول بعض الفضلاء: ليس في الحديث التصريح بأنها كانت كاشفة عن وجهها؛ فمن أبعد الأقوال عن الصواب، إذ لو لم يكن الأمر كذلك، فمن أين للراوي أو الرائي أن يعرفها أنها امرأة حسناء وضيئة؟! ولو كان الأمر كما قال، فإلى ماذا كان ينظر الفضل ويكرر النظر؟! والحق أن هذا الحديث من أوضح الأدلة وأقواها على أن وجه المرأة ليس بعورة. لأن القصة وقعت في آخر حياته -ﷺ- وعلى مشهد منه -ﷺ؛ مما يجعل الحكم ثابتًا محكمًا، فهو نص مبين لمعنى ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾، وأنه لا يشمل الوجه، فمن حاول أن يفهم الآية دون الاستعانة بالسنة فقد أخطأ.
(٢) أخرجه البخاري "٩/ ١٠٧"، ومسلم "٤/ ١٤٣"، والنسائي "٢/ ٨٦"، وغيرهم كأحمد "٥/ ٣٣٠ و٣٣٤ و٣٣٦"، والحميدي "٢/ ٤١٤"، والروياني "٢/ ٦٩/ ١"، وأبو يعلى "١٣/ ٥١٤"، والبيهقي "٧/ ٨٤"، وترجم له "باب نظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوجها"، وقال الحافظ في "الفتح" "٩/ ٢١٠": =
[ ٦٤ ]
"أن امرأة جاءت إلى رسول الله -ﷺ-[وهو في المسجد] فقالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي [فصمت فلقد رأيتها قائمة مليًّا أو قال: هوينًا] فنظر إليها رسول الله -ﷺ- فصعد النظر إليها وصوبه ثم طأطأ رأسه فلما رأت المرأة أنه لم يقصد فيها شيئًا جلست"، الحديث.
٤ - عن عائشة -﵂- قالت:
"كن نساء المؤمنات يشهدن مع النبي -ﷺ- صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفن من الغلس".
ووجه الاستدلال بها هو قولها: "لا يعرفن من الغلس" فإن مفهومه أنه لولا الغلس لعرفن وإنما يعرفن عادة من وجوههن وهي مكشوفة فثبت المطلوب. وقد ذكر معنى هذا الشوكاني "٢/ ١٥" عن الباجي.
ثم وجدت رواية صريحة في ذلك بلفظ:
_________________
(١) = "وفيه جواز تأمل محاسن المرأة لإرادة تزويجها، وإن لم تتقدم الرغبة في تزويجها ولا وقعت خطبتها؛ لأنه -ﷺ- صعد فيها النظر وصوبه، وفي الصيغة ما يدل على المبالغة في ذلك، ولم يتقدم منه رغبة فيها ولا خطبة، ثم قال: "لا حاجة لي في النساء" "يعني: كما في بعض طرق القصة"، ولو لم يقصد أنه إذا رأى منها ما يعجبه أنه يقبلها ما كان للمبالغة في تأملها فائدة. ويمكن الانفصال عن ذلك بدعوى الخصوصية له لمحل العصمة، والذي تحرر عندنا أنه -ﷺ- كان لا يحرم عليه النظر إلى المؤمنات الأجنبيات بخلاف غيره. وسلك ابن العربي "قلت: وهو غير ابن عربي الصوفي النكرة المتوفى بدمشق سنة ٦٣٨هـ" في الجواب مسلكًا آخر، فقال: يحتمل أن ذلك قبل الحجاب، أو بعده، لكنها كانت متلفعة. وسياق الحديث يبعد ما قال".
(٢) أخرجه الشيخان وغيرهما من طرق خرجتها في "صحيح أبي داود" "٤٤٩".
[ ٦٥ ]
"وما يعرف بعضنا وجوه بعض"١.
٥ - عن فاطمة بنت قيس:
"أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة "وفي رواية: آخر ثلاث تطليقات" وهو غائب فجاءت رسول الله -ﷺ- فذكرت ذلك له فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال: "تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك [عنده] "، "وفي رواية: "انتقلي إلى أم شريك" -وأم شريك امرأة غنية من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله ينزل عليها الضيفان- فقلت: سأفعل فقال: "لا تفعلي إن أم شريك امرأة كثيرة الضيفان فإني أكره أن يسقط خمارك أو ينكشف الثوب "وما يعرف بعضنا وجوه بعض" ١.
٥ - عن فاطمة بنت قيس:
"أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة "وفي رواية: آخر ثلاث تطليقات" وهو غائب فجاءت رسول الله -ﷺ- فذكرت ذلك له فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال: "تلك امرأة يغشاها أصحابي اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك [عنده] "، "وفي رواية: "انتقلي إلى أم شريك" -وأم شريك امرأة غنية من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله ينزل عليها الضيفان- فقلت: سأفعل فقال: "لا تفعلي إن أم شريك امرأة كثيرة الضيفان فإني أكره أن يسقط خمارك أو ينكشف الثوب عن ساقيك فيرى القوم منك بعض ما تكرهين، ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد الله بن أم مكتوم [الأعمى] " -وهو من البطن الذي هي منه- " [فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك] "، فانتقلت إليه فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي ينادي: الصلاة جامعة فخرجت إلى المسجد.
_________________
(١) ١ رواه أبو يعلى في "مسنده" "ق٢١٤/ ٢" بسند صحيح عنها.
(٢) أخرجه مسلم في "صحيحه" "٤/ ١٩٥ و٩٦ و٨/ ٢٠٣"، ووجه دلالة الحديث على أن الوجه ليس بعورة ظاهر؛ وذلك لأن النبي -ﷺ- أقر ابنة قيس على أن يراها الرجال وعليها الخمار -وهو غطاء الرأس- فدل هذا على أن الوجه منها ليس بالواجب ستره كما يجب ستر رأسها، ولكنه -ﷺ- خشي عليها أن يسقط الخمار عنها فيظهر منها ما هو محرم بالنص، فأمرها عليه الصلاة السلام بما هو الأحوط لها، وهو الانتقال إلى دار ابن أم مكتوم الأعمى؛ فإنه لا يراها إذا وضعت خمارها، وحديث: "أفعمياوان أنتما؟! " ضعيف الإسناد، منكر المتن؛ كما حققته في "الضعيفة" "٥٩٥٨". ومعنى قوله -ﷺ: "إذا وضعت خمارك"؛ أي: إذا حطته؛ كما في كتب اللغة. عن ساقيك فيرى القوم منك بعض ما تكرهين، ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد الله بن أم مكتوم [الأعمى] " -وهو من البطن الذي هي منه- " [فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك] "، فانتقلت إليه فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادي ينادي: الصلاة جامعة فخرجت إلى المسجد. ١ رواه أبو يعلى في "مسنده" "ق٢١٤/ ٢" بسند صحيح عنها.
(٣) أخرجه مسلم في "صحيحه" "٤/ ١٩٥ و٩٦ و٨/ ٢٠٣"، ووجه دلالة الحديث على أن الوجه ليس بعورة ظاهر؛ وذلك لأن النبي -ﷺ- أقر ابنة قيس على أن يراها الرجال وعليها الخمار -وهو غطاء الرأس- فدل هذا على أن الوجه منها ليس بالواجب ستره كما يجب ستر رأسها، ولكنه -ﷺ- خشي عليها أن يسقط الخمار عنها فيظهر منها ما هو محرم بالنص، فأمرها عليه الصلاة السلام بما هو الأحوط لها، وهو الانتقال إلى دار ابن أم مكتوم الأعمى؛ فإنه لا يراها إذا وضعت خمارها، وحديث: "أفعمياوان أنتما؟! " ضعيف الإسناد، منكر المتن؛ كما حققته في "الضعيفة" "٥٩٥٨". ومعنى قوله -ﷺ: "إذا وضعت خمارك"؛ أي: إذا حطته؛ كما في كتب اللغة.
[ ٦٦ ]
فصليت مع رسول الله -ﷺ- فلما قضى صلاته جلس على المنبر فقال: "إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة ولكن جمعتكم لأن تميمًا الداري كان رجلًا نصرانيًّا، فجاء فبايع وأسلم، وحدثني حديثًا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال"، الحديث.
وينبغي أن يعلم أن هذه القصة وقعت في آخر حياته -ﷺ- لأن فاطمة بنت قيس ذكرت أنها بعد انقضاء عدتها سمعت النبي -ﷺ- يحدث بحديث تميم الداري وأنه جاء وأسلم.
وقد ثبت في ترجمة تميم أنه أسلم سنة تسع فدل ذلك على تأخر القصة عن آية الجلباب فالحديث إذن نص على أن الوجه ليس بعورة.
٦ - "صحيح" عن ابن عباس ﵄:
_________________
(١) أخرجه البخاري "٢/ ٢٧٣"، ومن طريقه ابن حزم "٣/ ٢١٧"، وأبو داود "١/ ١٧٤"، وعنه البيهقي "٣/ ٣٠٧"، والنسائي "١/ ٢٢٧"، وأحمد "١/ ٣٣١"، والزيادة مع الرواية الأخرى له. وكذا ابن الجارود في "المنتقى" "رقم ٢٦٣"، وابن خزيمة في "صحيحه" "٢/ ٣٥٦/ ١٤٥٨"؛ قال ابن حزم بعد أن استدل بآية الضرب بالخمار على أن الوجه ليس بعورة: "فهذا ابن عباس بحضرة رسول الله -ﷺ- رأى أيديهن، فصح أن اليد من المرأة والوجه ليسا بعورة، وما عداهما ففرض ستره". قلت: وفي مبايعته -ﷺ- النساء في هذه القصة، دليل على أنها وقعت بعد فرض الجلباب؛ لأنه إنما فرض في السنة الثالثة، وآية المبايعة نزلت في السنة السادسة كما يأتي تحقيقه صفحة "٧٤"، ويؤيده ما ذكر في "الفتح" "٢/ ٣٧٧" أن شهود ابن عباس القصة كان بعد فتح مكة، ويشهد له ما سيأتي.
[ ٦٧ ]
"قيل له: شهدت العيد مع النبي -ﷺ؟ قال: نعم، ولولا مكاني من الصغر ما شهدته حتى أتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت فصلى [قال: فنزل١ نبي الله -ﷺ- كأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده ثم أقبل يشقهم] ثم أتى النساء ومعه بلال [فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾، فتلا هذه الآية حتى فرغ منها ثم قال حين فرغ منها: "أنتن على ذلك؟ "، فقالت امرأة واحدة لم يجبه غيرها منهن: نعم يا نبي الله قال:] فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة [قال: فبسط بلال ثوبه ثم قال: هلم لكن فداكن أبي وأمي] فرأيتهن يهوين بأيديهن يقذفنه، "وفي رواية: فجعلن يلقين الفتخ والخواتم" في ثوب بلال ثم انطلق هو وبلال إلى بيته".
_________________
(١) ١ قلت: فيه إشارة إلى أنه خطب على شيء مرتفع، فلعله كان يومئذ على راحلته. وإنما لم نقل: "على المنبر"؛ لأن خطبته على المنبر في العيد غير معروف عند العلماء؛ كما جزم بذلك ابن القيم والحافظ وغيرهما، وإنما كان يخطب قائمًا على الأرض كما في حديث جابر الأول "ص٦٠": "ثم قام متوكئًا على بلال". قال ابن القيم في "زاد المعاد" "١/ ٤٤٥": "ولم يكن هنالك منبر يرقى عليه، ولم يكن يخرج منبر المدينة، وإنما كان يخطبهم قائمًا على الأرض". ثم ساق حديث جابر، ثم حديث ابن عباس هذا، وحديثًا آخر لجابر مثل حديث ابن عباس، ثم قال: "١/ ٤٤٧": "وهو يدل على أنه كان يخطب على منبر أو على راحلته، ولعله كان قد بني له =
[ ٦٨ ]
٧ - عن سُبَيْعَةَ بنت الحارث:
أنها كانت تحت سعد بن خولة فتوفي عنها في حجة الوداع وكان بدريًّا، فوضعت حملها قبل أن ينقضي أربعة أشهر وعشر من وفاته فلقيها أبو السنابل بن بعكك حين تعلَّت١، من نفاسها وقد اكتحلت [واختضبت وتهيأت] فقال لها: اربعي٢ على نفسك -أو نحو هذا- لعلك تريدين النكاح؟ إنها أربعة أشهر وعشر من وفاة زوجك قالت: فأتيت النبي -ﷺ- فذكرت له ما قال أبو السنابل بن بعكك فقال: "قد حللت حين وضعت".
_________________
(١) = منبر من لبن أو طين أو نحوه؟ قيل: لا ريب في صحة هذين الحديثين، ولا ريب أن المنبر لم يكن يخرج من المسجد، وأول من أخرجه مروان بن الحكم، فأنكر عليه، فأما منبر اللبن والطين؛ فأول من بناه كثير بن الصلت في إمارة مروان على المدينة، كما هو في "الصحيحين"، فلعله -ﷺ- كان يقوم في المصلى على مكان مرتفع، أو دكان، وهي التي تسمى مصطبة، ثم ينحدر منه إلى النساء فيقف عليهن، فيخطبهن، فيعظهن ويذكرهن. والله أعلم".
(٢) أخرجه الإمام أحمد "٦/ ٤٣٢" من طريقين عنها أحدهما صحيح، والآخر حسن، وأصله في الصحيحين وغيرهما، وفي روايتهما: "تجملت للخطاب". وفيها أن أبا السنابل كان خطبها، فأبت أن تنكحه، وفي رواية النسائي: "تشوَّفت للأزواج". والحديث صريح الدلالة على أن الكفين ليسا من العورة في عرف نساء الصحابة، وكذا الوجه أو العينين على الأقل، وإلا لما جاز لسبيعة -﵂- أن تظهر ذلك أمام أبي السنابل، ولا سيما وقد كان خطبها فلم ترضه. وراجع لهذا "النظر في أحكام النظر" للحافظ ابن القطان "ق٦٧/ ٢-٦٨/ ٢". ١ أي خرجت من نفاسها وسلمت. ٢ بهمزة وصل وبفتح الباء، أي: ارفقي.
[ ٦٩ ]
٨ - عن عائشة -﵂:
"أن امرأة أتت النبي -ﷺ- تبايعه ولم تكن مختضبة فلم يبايعها حتى اختضبت".
٩ - عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس:
ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي -ﷺ- قالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي. قال: "إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك"، فقالت: أصبر فقالت: إني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها.
١٠ - وعن ابن عباس أيضًا، قال:
"كانت امرأة تصلي خلف رسول الله -ﷺ- حسناء من أحسن الناس [قال ابن عباس: لا والله ما رأيت مثلها قط] فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطيه [وجافى يديه] فأنزل الله تعالى:
_________________
(١) حديث حسن أو صحيح، أخرجه أبو داود "٢/ ١٩٠"، وعنه البيهقي "ص/ ٨٦"، والطبراني في "الأوسط" "١/ ٢١٩/ ٢/ ٣٩١٨ -بترقيمي"، وله شواهد كثيرة أوردتها في "الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب".
(٢) أخرجه البخاري "١٠/ ٩٤"، ومسلم "٨/ ١٦"، وأحمد "رقم ٣٢٤٠".
(٣) رواه أصحاب "السنن" وغيرهم كالحاكم، وصححه، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وهو مخرج عندي في كتابي "الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب" "الصلاة"، وفي "الصحيحة" "٢٤٧٢"، وصححه الشيخ أحمد شاكر "٤/ ٢٧٨". =
[ ٧٠ ]
﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ ".
١١ - عن ابن مسعود قال:
رأى رسول الله -ﷺ- امرأة فأعجبته فأتى سودة وهي تصنع طيبًا وعندها نساء فأخلينه فقضى حاجته ثم قال:
"أيما رجل رأى امرأة تعجبه فليقم إلى أهله فإن معها مثل الذي معها".
١٢ - عن عبد الله بن محمد عن امرأة منهم قالت:
دخل علي رسول الله -ﷺ- وأنا آكل بشمالي وكنت امرأة عسرى فضرب يدي فسقطت اللقمة فقال:
"لا تأكلي بشمالك وقد جعل الله ﵎ لك يمينا"، أو قال: "وقد أطلق الله ﷿ لك يمينا".
_________________
(١) = قلت: وهذا قاطع في إبطال قول الشيخ التويجري "ص١٧٠": "من كانت بحضرة الرجال الأجانب؛ فعليها أن تستر وجهها عنهم، ولو في الصلاة"! ومثله ما نقله عن أحمد -﵀- أنه قال: "المرأة تصلي ولا يرى منها شيء ولا ظفرها"!! وهل هذا ممكن يا عباد الله؟! فإنه لا بد لها أن ترفع يديها مع التكبير، وأن تضعهما في الركوع والسجود والتشهد! وينقضه الإجماع الذي نقله ابن بطال فيما تقدم "٦٣".
(٢) أخرجه الدارمي عن ابن مسعود، واللفظ له، ومسلم، وابن حبان، وغيرهما؛ عن جابر، وصححه ابن القطان في "النظر" "ق١٨/ ١٢"، وأحمد عن أبي كبشة الأنماري، وهو مخرج في "الصحيحة" "٢٣٥".
(٣) أخرجه أحمد في "مسنده" "٤/ ٦٩ و٥/ ٣٨٠"، وقال الهيثمي في "المجمع" "٥/ ٢٦": =
[ ٧١ ]
١٣ - عن ثوبان -﵁- قال:
جاءت بنت هبيرة إلى النبي -ﷺ- وفي يدها فتخ من ذهب [أي: خواتيم كبار] فجعل النبي -ﷺ- يضرب يدها بعصية معه يقول:
"أيسرك أن يجعل الله في يدك خواتيم من نار؟ "، الحديث.
ففي هذه الأحاديث دلالة على جواز كشف المرأة عن وجهها وكفيها فهي تؤيد حديث عائشة المتقدم وتبين أن ذلك هو المراد بقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] كما سبق "ص٥١" على أن قوله تعالى فيما بعد: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] يدل على ما دلت عليه بعض الأحاديث السابقة من عدم وجوب ستر المرأة لوجهها؛ لأن "الخمر" جمع خمار وهو ما يغطى به الرأس١. و"الجيوب" جمع
_________________
(١) = "رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات". قلت: رجاله ثقات كما قال؛ رجال الشيخين؛ غير عبد الله بن محمد، وهو ابن عقيل المدني -فيما أظن- وهو حسن الحديث.
(٢) قلت: وإسناده صحيح، رغم أنف المكابرين من الجمهوريين والمتبعين لأهوائهم، وقد صححه ابن حزم والحاكم والذهبي والمنذري والعراقي؛ كما حققته في "آداب الزفاف" "ص١٧-٣٠-ط. عمان"، ثم رأيت ابن القطان في "الوهم والإيهام" "١/ ٢٧٨/ ٢" قد مال إلى تصحيحه أيضًا. ١ كذا في "النهاية" لابن الأثير، و"تفسير الحافظ ابن كثير"، و"فتح القدير" للشوكاني، وغيرهم من أهل العلم والمعرفة باللغة العربية وآدابها، وقال الحافظ في "الفتح" "٨/ ٤٩٠": "والخمار للمرأة كالعمامة للرجل". وهو أمر لا نعلم فيه خلافًا، ولا ينافيه ما جاء في ترجمة القاضي أبي علي =
[ ٧٢ ]
"الجيب"، وهو موضع القطع من الدرع والقميص وهو من الجوب وهو القطع فأمر تعالى بلَيِّ الخمار على العنق والصدر فدل على وجوب سترهما ولم يأمر بلبسه على الوجه فدل على أنه ليس بعورة ولذلك قال ابن حزم في "المحلى" "٣/ ٢١٦ - ٢١٧":
"فأمرهن الله تعالى بالضرب بالخمار على الجيوب وهذا نص على ستر العورة والعنق والصدر وفيه نص على إباحة كشف الوجه لا يمكن غير ذلك".
_________________
(١) = التنوخي أنه أنشد: قل للمليحة في الخمار المذهب أفسدت نسك أخي التقي المذهب نور الخمار ونور خدك تحته عجبًا لوجهك كيف لم يتلهب فقد وصفها بأن خمارها كان على وجهها أيضًا. فأقول: لا ينافي هذا ما ذكرنا من معنى الخمار؛ لأنه لا يلزم من تغطية الوجه به أحيانًا، أن ذلك من لوازمه عادة، كلا، ألا ترى أن النبي -ﷺ- لما حمل صفية وراءه جعل رداءه على ظهرها وجهها كما يأتي "ص٩٤". وأن عائشة قالت في قصة الإفك: "فخمرت وجهي بجلبابي" كما سيأتي "ص١٠٦"، فهل يمكن أن يؤخذ من ذلك أن الرداء والجلباب ثوبان يغطيان الوجه عادة؟! فكذلك وصف الشاعر للمليحة بما سبق لا يمكن أن يؤخذ منه تعريف الخمار وأنه ما يغطى به الرأس والوجه معًا! غاية ما يقال أنه قد يغطى به الوجه، كما قد يغطى بأي شيء آخر من الثياب كالرداء والجلباب والبردة وغيرها. وهذا كله يقال على افتراض أن وصف الشاعر للمليحة كان وصفًا حقيقيًّا. وغالب الظن أنه وصف شعري خيالي، فلا يمكن حينئذ أن يؤخذ منه معنى حقيقي يعتمد عليه.
[ ٧٣ ]
إبطال دعوى أن هذه الأدلة كلها كانت قبل فرضية الجلباب:
أقول: فإن قيل: إن ما ذكرته واضح جدًّا غير أنه يحتمل أن يكون ذلك وقع قبل فرض الجلباب فلا يصح الاستدلال حينئذ إلا بعد إثبات وقوعه بعد الجلباب. وجوابنا عليه من وجهين.
الأول: أن الظاهر من الأدلة أنه وقع بعد الجلباب وقد حضرنا في ذلك حديثان:
الأول: حديث أم عطية -﵂:
أن النبي -ﷺ- لما أمر النساء أن يخرجن لصلاة العيد قالت أم عطية: إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: "لتلبسها أختها من جلبابها". متفق عليه.
ففيه دليل على أن النساء إنما كن يخرجن إلى العيد في جلابيبهن وعليه فالمرأة السفعاء الخدين كانت متجلببة. ويؤيده الحديث الآتي وهو:
الحديث الثاني: حديثها أيضًا قالت:
لما قدم رسول الله -ﷺ- المدينة جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إليهن عمر بن الخطاب، فقام على الباب فسلم عليهن، فرددن السلام فقال: "أنا رسول رسول الله -ﷺ- إليكن"، فقلن: مرحبًا برسول الله -ﷺ- وبرسوله فقال: "تبايعن على أن لا تشركن بالله شيئًا ولا تسرقن ولا تزنين ولا تقتلن أولادكن ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن ولا تعصين في معروف؟ "، فقلن: نعم فمد عمر يده من خارج الباب، ومددن أيديهن من داخل، ثم قال: "اللهم اشهد"، وأمرنا "وفي رواية: فأمرنا" أن
[ ٧٤ ]
نخرج في العيدين العتق والحيض ونهينا عن اتباع الجنائز ولا جمعة علينا فسألته عن البهتان وعن قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾؟ قال: هي النياحة"١.
ووجه الاستشهاد به إنما يتبين إذا تذكرنا أن آية بيعة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] إنما نزلت يوم الفتح كما قال مقاتل "الدر" "٦/ ٢٠٩" ونزلت بعد آية الامتحان كما أخرجه ابن مردويه عن جابر "الدر" "٦/ ٢١١" وفي "البخاري" عن المسور أن آية الامتحان نزلت في يوم الحديبية وكان ذلك سنة ست على الصحيح كما قال ابن القيم في "الزاد" وآية الحجاب إنما نزلت سنة ثلاثة وقيل: خمس حين بنى -ﷺ- بزينب بنت جحش كما في ترجمتها من "الإصابة".
فثبت من ذلك أن أمر النساء بالخروج إلى العيد إنما كان بعد فرض
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في "التاريخ" "١/ ١/ ٣٦١"، وأحمد في "المسند" "٦/ ٤٠٨-٤٠٩"، والبيهقي "٣/ ١٨٤"، والضياء المقدسي في "المختارة" "١/ ١٠٤-١٠٥/ ١"؛ من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية عن جدته أم عطية، وقال: "رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما". قلت: وإسماعيل هذا أورده ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" "١/ ١/ ١٨٥"، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ووثقه ابن حبان "٤/ ١٨"، وفي "التقريب": "مقبول". فمثله يستشهد به، ولا سيما وقد حسن إسناده الذهبي في "مختصر البيهقي" "١٣٣/ ٢". وأصل قبض اليد ثابت في "صحيح البخاري" "٤٨٩٢"، وفي "كبير الطبراني" "٢٤/ ١٨٢ و٤٦٣٤٢" من طرق لا ينكره إلا مكابر.
[ ٧٥ ]
الجلباب، ويؤيده أن في حديث عمر أنه لم يدخل على النساء وإنما بايعهن من وراء الباب وفي هذه القصة أبلغهن أمر النبي -ﷺ- النساء بأن يخرجن للعيد وكان ذلك في السنة السادسة عقب رجوعه -ﷺ- من الحديبية بعد نزول آية الامتحان والبيعة كما تقدم وبهذا تعلم معنى قول أم عطية في أول حديثها الثاني: "لما قدم رسول الله -ﷺ- المدينة" أي: من الحديبية ولا تعني قدومه إليها من مكة مهاجرًا كما قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة. فتأمل.
الوجه الآخر: إذا فرضنا عجزنا عن إثبات ما ذكرنا فإن مما لا شك فيه عند العلماء أن إقراره -ﷺ- المرأة على كشف وجهها أمام الرجال دليل على الجواز وإذا كان الأمر كذلك فمن المعلوم أن الأصل بقاء كل حكم على ما كان عليه حتى يأتي ما يدل على نسخه ورفعه ونحن ندعي أنه لم يأت شيء من ذلك هنا بل جاء ما يؤيد بقاءه واستمراره كما سترى فمن ادعى خلاف ذلك فهو الذي عليه أن يأتي بالدليل الناسخ وهيهات هيهات.
على أننا قد أثبتنا فيما تقدم من حديث الخثعمية أن الحادثة كانت في حجة النبي -ﷺ- وهي كانت بعد فرض الجلباب يقينًا وما أجابوا عنها تقدم إبطاله بما لا يبقي شبهة.
ويؤيد ذلك قوله تعالى في صدر الآية المتقدمة:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ الآية [النور: ٣٠-٣١] فإنها تشعر بأن في المرأة شيئًا مكشوفًا يمكن النظر إليه فلذلك أمر تعالى بغض النظر عنهن وما ذلك غير
[ ٧٦ ]
الوجه والكفين.
ومثلها قوله -ﷺ:
"إياكم والجلوس بالطرقات، فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" ١. وقوله:
"يا علي! لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة" ٢.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري "١١/ ٩"، ومسلم "٧/ ٣"، وأبو داود "٢/ ٢٩١"، والبيهقي "٧/ ٨٩"، وأحمد "٣/ ٣٦"؛ من حديث أبي سعيد الخدري، ومسلم وأحمد "٤/ ٣٠"؛ من حديث أبي طلحة الأنصاري. ٢ أخرجه أبو داود "١/ ٣٣٥"، والترمذي "٤/ ١٤"، والطحاوي في "شرح الآثار" "٢/ ٨-٩"، وفي "المشكل" "٢/ ٣٥٢"، والحاكم "٣/ ١٩٤"، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، والبيهقي "٧/ ٩٠"، وأحمد "٥/ ٣٥٣ و٣٥٧" من طريق شريك عن أبي ربيعة عن ابن بريدة عن أبيه رفعه. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك". قلت: وهو ابن عبد الله لا نعرفه إلا من حديث شريك". قلت: وهو ابن عبد الله القاضي، وهو سيئ الحفظ، لكنه قد توبع، فقد أخرج الطحاوي في كتابيه، والحاكم "٣/ ١٢٣"، وأحمد "رقم ١٣٦٩ و١٣٧٣" من طريق حماد بن سلمة: حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن سلمة بن أبي الطفيل عن علي بن أبي طالب أن النبي -ﷺ- قال له: فذكر الحديث. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي. قلت: وفيه أن ابن إسحاق مدلس، وقد عنعنه، لكن الحديث حسن بهذين الطريقين، ويشهد له الحديث الذي بعده.
[ ٧٧ ]
وعن جرير بن عبد الله قال:
"سألت رسول الله -ﷺ- عن نظر الفجأة؟ فأمرني -ﷺ- أن أصرف بصري"١.
هذا؛ وقد ذكر القرطبي "١٢/ ٢٣٠" وغيره في سبب نزول هذه الآية: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] .
"أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رءوسهن بالأخمرة وهي المقانع سدلنها من وراء الظهر كما يصنع النبط فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلك. فأمر الله تعالى بلَيِّ الخمار على الجيوب".
وعن عائشة ﵂ قالت:
"يرحم الله نساء المهاجرين الأُوَل لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاختمرن بها "وفي رواية: أخذن أُزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها"٢.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم "٦/ ١٨٢"، وأبو داود "١/ ٣٣٥"، والترمذي "٤/ ١٤"، والدارمي "٢/ ٢٧٨"، والطحاوي في كتابيه السابقين، والبيهقي "٧/ ٨٩-٩٠"، وكذا الحاكم "٢/ ٣٩٦"، وأحمد "٤/ ٣٥٨، ٣٦١". ٢ أخرجه البخاري "٢/ ١٨٢ و٨/ ٣٩٧"، وأبو داود، واستدرك الحاكم "٤/ ١٩٤" الرواية الثانية على الشيخين، فوهم في استدراكه على البخاري، ورواه ابن أبي حاتم بلفظ أكمل بسنده عن صفية بنت شيبة، قال: بينا نحن عند عائشة قالت: فذكرن نساء قريش وفضلهن، فقالت عائشة -﵂: إن لنساء قريش لفضلًا، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار، وأشد =
[ ٧٨ ]
وعن الحارث بن الحارث الغامدي قال:
" [قلت لأبي ونحن بمنى:] ما هذه الجماعة؟ قال: هؤلاء القوم قد اجتمعوا على صابئ لهم قال: فنزلنا "وفي رواية: فتشرفنا" فإذا رسول الله -ﷺ- يدعو الناس إلى توحيد الله والإيمان به وهم يردون عليه [قوله] ويؤذونه حتى انتصف النهار وتصدع عنه الناس وأقبلت امرأة قد بدا نحرها [تبكي] تحمل قدحًا [فيه ماء] ومنديلًا فتناوله منها وشرب وتوضأ ثم رفع رأسه [إليها] فقال: "يا بنية خمري عليك نحرك ولا تخافي على أبيك [غلبة ولا ذلا] "، قلت: من هذه؟ قالوا: [هذه] زينب بنته"١.
_________________
(١) = تصديقًا لكتاب الله، ولا إيمانًا بالتنزيل، فقد أنزلت سورة النور ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابة، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل، فاعتجرت به تصديقًا وإيمانًا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله -ﷺ-[يصلين الصبح] معتجرات كأن على رءوسهن الغربان. وذكره ابن كثير، والحافظ في "الفتح" "٨/ ٤٩٠" والزيادة منه، وفي سنده الزنجي بن خالد، واسمه مسلم، وفيه ضعف، لكنه قد توبع عند ابن مردويه في "تفسيره" كما في "تخريج الكشاف" للزيلعي "ص٤٣٥ -مخطوط". والحديث كالنص على أنهن قمن وراءه -ﷺ- كاشفات الوجوه؛ لأن الاعتجار بمعنى الاختمار ففي "الصحاح": "والمعجر: ما تشده المرأة على رأسها، يقال: اعتجرت المرأة". ١ أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" "١/ ٢٤٥/ ٢"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" "٤/ ٤٦-١/ ٢٤٣-١"، والزيادات له، وقال: "رواه البخاري في: "التاريخ" مختصرًا، وأبو زرعة، وقال: هذا الحديث صحيح".
[ ٧٩ ]
ثم إن قوله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]؛ يدل على أن النساء يجب عليهن أن يسترن أرجلهن أيضًا. وإلا لاستطاعت إحداهن أن تبدي ما تخفي من الزينة "وهي الخلاخيل" ولاستغنت بذلك عن الضرب بالرجل ولكنها كانت لا تستطيع ذلك، لأنه مخالفة للشرع مكشوفة ومثل هذه المخالفة لم تكن معهودة في عصر الرسالة ولذلك كانت إحداهن تحتال بالضرب بالرجل لتعلم الرجال ما تخفي من الزينة فنهاهن الله تعالى عن ذلك وبناء على ما أوضحنا قال ابن حزم في "المحلى" "٣/ ٢١٦":
"هذا نص على أن الرجلين والساقين مما يخفى ولا يحل إبداؤه".
ويشهد لهذا من السنة حديث ابن عمر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ:
"من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة"، فقالت أم سلمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: "يرخين شبرًا" ١، فقالت: إذن تنكشف أقدامهن قال: "فيرخينه ذراعًا لا يزدن عليه".
أخرجه الترمذي "٣/ ٤٧" وقال: "هذا حديث حسن صحيح"٢.
_________________
(١) ١ أي: من نصف الساقين، وقيل: من الكعبين. ٢ وأخرجه غيره أيضًا، وقد تكلمنا عليه في كتابنا الذي لم يتم "الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب"، ثم في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" "١٨٦٤".
[ ٨٠ ]
وفي الحديث رخصة للنساء في جر الإزار؛ لأنه يكون أستر لهن وقال البيهقي:
"وفي هذا دليل على وجوب ستر قدميها"١.
وعلى هذا جرى العمل من النساء في عهده -ﷺ- وما بعده وترتب عليه بعض المسائل الشرعية فقد أخرج مالك وغيره عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنها سألت أم سلمة زوج النبي -ﷺ- فقالت: إني امرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر؟ قالت أم سلمة: قال رسول الله -ﷺ:
"يطهره ما بعده".
وعن امرأة من بني عبد الأشهل قالت:
"قلت: يا رسول الله إن لنا طريقًا إلى المسجد منتنة فكيف نفعل إذا مطرنا؟ قال: "أليس بعدها طريق هي أطيب منها؟ "، قالت: قلت: بلى، قال: "فهذه بهذه" ٢.
_________________
(١) ١ وذكر نحوه الشوكاني في "نيل الأوطار" "٢/ ٥٩". قلت: ومن خالف هذا فقال: إن القدمين ليسا من العورة كما فعل الأستاذ المودودي في تعقيبه على ص٢١، فليس معه دليل. ومن العجيب أنه ذكر قبل ذلك في كتاب "الحجاب" ما يخالفه ويوافق ما ذهبنا إليه، حيث قال "ص٣٣١" في حدود العورة للنساء: "فأمرن أن يخفين كل جسمهن غير الوجه واليدين"، فلم يستثن القدمين، وهذا هو الصواب. فما الذي حمل الأستاذ على العدول عنه؟! ٢ أخرج هذا والذي قبله أبو داود في "سننه"، وهذا إسناده صحيح، وصححه المنذري، وما قبله صحيح لغيره، وصححه ابن العربي، وحسنه ابن حجر الهيتمي، وقد بينت ذلك في "صحيح سنن أبي داود "رقم ٤٠٧ و٤٠٨".
[ ٨١ ]
ومن أجل ذلك كان من شروط المسلمين الأولين على أهل الذمة أن تكشف نساؤهم عن سوقهن وأرجلهن لكي لا يتشبهن بالمسلمات كما جاء في "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم" "ص ٥٩"١.
ثم إن الله تعالى بعد أن بين في الآية السابقة -آية النور- ما يجب على المرأة أن تخفي من زينتها أمام الأجانب ومن يجوز أن تظهرها أمامهم أمرها في الآية الأخرى إذا خرجت من دارها أن تلتحف فوق ثيابها وخمارها بالجلباب أو الملاءة؛ لأنه أستر لها وأشرف لسيرتها وهي قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ . [الأحزاب: ٥٩] .
ولما نزلت خرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان من
_________________
(١) ١ هو لشيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن تيمية الحراني ﵀، وهو كتاب نفيس في بابه لا نظير له في موضوعه، وسننقل عنه فوائد كثيرة عند الكلام على "الشرط السابع"، فانظر كيف تغير الحال، وانعكس الأمر، حتى صارت المسلمات يتباهين بالتشبه بمن كن يمنعن من التشبه بالمسلمات بالكشف عن سوقهن، وعما هو أكثر من ذلك، وهذا كله مصداق قوله ﵊: "لتركبن سنن من كان قبلكم سنة سنة". انظر الحديث رقم ٢ من الشرط المشار إليه آنفًا.
[ ٨٢ ]
الأكسية١.
والجلباب: هو الملاءة التي تلتحف به المرأة فوق ثيابها على أصح الأقوال٢، وهو يستعمل في الغالب إذا خرجت من دارها كما روى الشيخان وغيرهما عن أم عطية ﵂ قالت:
"أمرنا رسول الله -ﷺ- أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق٣، والحيَّض وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود "٢/ ١٨٢" بإسناد صحيح، وأورده في "الدر" "٥/ ٢٢١" برواية عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبي داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من حديث أم سلمة بلفظ: "من أكسية سود يلبسنها". "والغربان": جمع غراب شبهت الأكسية في سوادها بالغربان. ٢ وقد قيل في تفسيره سبعة أقوال أوردها الحافظ في "الفتح" "١/ ٣٣٦"؛ وهذا أحدها، وبه جزم البغوي في "تفسيره" "٣/ ٥٤٤"، فقال: "هو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار". وقال ابن حزم "٣/ ٢١٧": "والجلباب في لغة العرب التي خاطبنا بها رسول الله -ﷺ- هو ما غطى جميع الجسم لا بعضه". وصححه القرطبي في "تفسيره"، وقال ابن كثير "٣/ ٥١٨". "هو الرداء فوق الخمار، وهو بمنزلة الإزار اليوم". قلت: ولعله العباءة التي تستعملها اليوم نساء نجد والعراق ونحوهما. ٣ جمع العاتق، وهي الشابة أول ما تدرك.
[ ٨٣ ]
ودعوة المسلمين. قلت: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال: "لتلبسها أختها من جلبابها".
قال الشيخ أنور الكشميري في "فيض الباري" "١/ ٣٨٨" تعليقًا على هذا الحديث:
"وعلم منه أن الجلباب مطلوب عند الخروج، وأنها لا تخرج إن لم يكن لها جلباب".
والجلباب رداء ساتر من القرن إلى القدم. وقد مر مني أن الخمر في البيوت والجلابيب عند الخروج وبه شرحت الآيتين في الحجاب: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] والثانية: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] ".
وقال في المكان الذي أشار إليه "١/ ٢٥٦" بعد أن فسر الجلباب والخمار بنحو ما تقدم:
"فإن قلت: إن إدناء الجلباب يغني عن ضرب الخمر على جيوبهن قلت: بل إدناء الجلباب فيما إذا خرجت من بيتها لحاجة وضرب الخمر في عامة الأحوال فضرب الخمر محتاج إليه".
قلت: وتقييده الخمر بالبيوت فيه نظر؛ لأنه خلاف الظاهر من الآية الأولى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ﴾ ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فإن النهي عن الضرب بالأرجل قرينة واضحة على أن الأمر بضرب الخمر خارج الدار أيضًا وكذلك قوله في صدر الآية:
[ ٨٤ ]
﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ . .. الآية [النور: ٣١] فالحق الذي يقتضيه العمل بما في آيتي النور والأحزاب أن المرأة يجب عليها إذا خرجت من دارها أن تختمر وتلبس الجلباب على الخمار؛ لأنه كما قلنا سابقًا أستر لها وأبعد عن أن يصف حجم رأسها وأكتافها وهذا أمر يطلبه الشارع كما سيأتي بيانه عند الكلام على "الشرط الرابع" والذي ذكرته هو الذي فسر به بعض السلف آية الإدناء ففي "الدر" "٥/ ٢٢٢".
"وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ قال: يسدلن عليهن من جلابيبهن وهو القناع فوق الخمار ولا يحل لمسلمة أن يراها غريب إلا أن يكون عليها القناع فوق الخمار وقد شدت به رأسها ونحرها".
واعلم أن هذا الجمع بين الخمار والجلباب من المرأة إذا خرجت قد أخل به جماهير النساء المسلمات فإن الواقع منهن إما الجلباب وحده على رءوسهن أو الخمار وقد يكون غير سابغ في بعضهن كالذي يسمى اليوم بـ"الإشارب" بحيث ينكشف منهن بعض ما حرم الله عليهن أن يظهرن من زينتهن الباطنة كشعر الناصية أو الرقبة مثلًا.
وإن مما يؤكد وجوب هذا الجمع حديث ابن عباس: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الآية واستثنى من ذلك: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ الآية.
وتمام الآية: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠] .
[ ٨٥ ]
وفي رواية عن ابن عباس: أنه كان يقرأ: "أن يضعن من ثيابهن"؛ قال: الجلباب. وكذا قال ابن مسعود١.
قلت: فهذا نص في وجوب وضع الجلباب على الخمار على جميع النساء إلا القواعد منهن "وهن اللاتي لا يطمع فيهن لكبرهن" فيجوز لهن أن لا يضعن الحجاب على رءوسهن.
أفما آن للنساء الصالحات حيثما كن أن يتنبهن من غفلتهن ويتقين الله في أنفسهن ويضعن الجلابيب على خمرهن؟!
ومن الغريب حقًّا أن لا يتعرض لبيان هذا الحكم الصريح في الكتاب والسنة كل الذين كتبوا اليوم -فيما علمت- عن لباس المرأة مع توسع بعضهم على الأقل في الكلام على أن وجه المرأة عورة مع كون ذلك مما اختلف فيه والصواب خلافه كما تراه مفصلًا في هذا الكتاب والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
ثم إن قوله: "والجلابيب عند الخروج" لا مفهوم له إذ إن الجلباب لستر زينة المرأة عن الأجانب فسواء خرجت إليهم أو دخلوا عليها فلا بد على كل حال من أن تتجلبب ويؤيد هذا ما قاله قيس بن زيد:
"إن رسول الله -ﷺ- طلق حفصة بنت عمر فجاء رسول الله -ﷺ- فدخل عليها، فتجلببت، فقال رسول الله -ﷺ: "إن جبريل أتاني فقال لي:
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود "٤١١١" بسند جيد، وعنه البيهقي "٧/ ٩٣"، والرواية الأخرى له، وسندها صحيح، وكذا روايته عن ابن مسعود، وهي عند ابن جرير من طرق "١٨/ ١٢٧"، وتأكيدًا للوجوب راجع أثر عائشة وابن عمر "ص١٣٤-١٣٥".
[ ٨٦ ]
أرجع حفصة فإنها صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة" ١.
هذا ولا دلالة في الآية على أن وجه المرأة عورة يجب عليها ستره بل غاية ما فيها الأمر بإدناء الجلباب عليها وهذا كما ترى أمر مطلق فيحتمل أن يكون الإدناء على الزينة ومواضعها التي لا يجوز لها إظهارها حسبما صرحت به الآية الأولى وحينئذ تنتفي الدلالة المذكورة ويحتمل
_________________
(١) ١ أخرجه ابن سعد "٨/ ٥٨"، والطبراني في "الكبير" "١٨/ ٣٦٥/ ٩٣٤" عن حماد بن سلمة قال: أخبرنا أبو عمران الجوني عنه. وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير قيس بن زيد مختلف في صحبته، قال ابن عبد البر: "يقال: إن حديثه مرسل له صحبة". وقال الحافظ في الإصابة: "تابعي صغير أرسل حديثًا فذكره جماعة -منهم الحارث بن أبي أسامة- في الصحابة. وذكره ابن أبي حاتم وغيره في التابعين تبعًا للبخاري". فالحديث مرسل. وقال الهيثمي "٩/ ٢٤٥": "رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح". وأخرجه الحاكم "٤/ ١٥"، وذكر له شاهدًا من حديث أنس، فيتقوى به إن شاء الله، لكن ليس فيه ذكر "التجلبب"، ورواه ابن سعد مختصرًا بسند صحيح. وأخرج ابن سعد أيضًا "٨/ ٦٣" من طريق حبيب بن أبي ثابت قال: قالت أم سلمة: لما انقضت عدتي من أبي سلمة، أتاني رسول الله -ﷺ، فكلمني بيني وبينه حجاب، فخطب إلى نفسي. الحديث. لكن الظاهر أن الحجاب في هذه الرواية ليس هو الثوب الذي تتستر به المرأة، وإنما هو ما يحجب شخصها من جدار أو ستار أو غيرهما، وهو المراد من قوله تعالى في [الأحزاب: ٥٣]: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾، وقد صح عن عائشة أنها كانت إذا صلّت تجلببت كما يأتي "ص١٣٥"، فدل على أن الجلباب ليس خاصًّا بالخروج.
[ ٨٧ ]
أن يكون أعم من ذلك فعليه يشمل الوجه. وقد ذهب إلى كل من التأويلين جماعة من العلماء المتقدمين وساق أقوالهم قي ذلك ابن جرير في "تفسيره" والسيوطي في "الدر المنثور" ولا نرى فائدة كبرى بنقلها هنا فنكتفي بالإشارة إليها ومن شاء الوقوف عليهما فليرجع إليهما١.
ونحن نرى أن القول الأول أشبه بالصواب لأمور:
_________________
(١) ١ تنبيه: وأما قول الأستاذ الفاضل المودودي في "الحجاب" "ص٣٦٦" بعد أن ساق الآية: "نزلت خاصة في ستر الوجه"! فهو فيما علمت مما لم يسبقه أحد من أهل العلم إليه، ولا يوجد له مستند يصلح للاعتماد عليه، اللهم إلا أثر عن كعب القرظي، فإن فيه ما قد يمكن أن يؤخذ منه ما ذكر الأستاذ، ويمكن أن يكون تفسيرًا من القرظي للآية، ومع هذا فإن السند بذلك ضعيف جدًّا لا يجوز الاحتجاج به والاستناد إليه، ويأتي بيان ذلك في الكتاب قريبًا إن شاء الله تعالى. وكذلك لا يصح ما أورده الأستاذ أيضًا عن ابن عباس في تفسير الآية قال: "أمر الله تعالى نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من "فوق رءوسهن" بالجلابيب". وعزاه للطبري "٢٢/ ٣٣"، ولم يسقه بتمامه، وتمامه فيه: "ويبدين عينًا واحدة"!. أقول: لا يصح هذا عن ابن عباس؛ لأن الطبري رواه من طريق علي عنه. وعلي هذا هو ابن أبي طلحة كما علقه عنه ابن كثير، وهو مع أنه تكلم فيه بعض الأئمة، لم يسمع من ابن عباس، بل لم يره، وقد قيل: بينهما مجاهد، فإن صح هذا في هذا الأثر؛ فهو متصل، لكن في الطريق إليه أبو صالح، واسمه عبد الله بن صالح، وفيه ضعف، وقد روى ابن جرير عن ابن عباس خلاف هذا، ولكنه ضعيف الإسناد أيضًا. لكن وقفنا على إسناد آخر له صحيح استدركته فيما تقدم "ص٥٩"، والحمد لله.
[ ٨٨ ]
الأول: أن القرآن يفسر بعضه بعضًا. وقد تبين من آية النور المتقدمة أن الوجه لا يجب ستره فوجب تقييد الإدناء هنا بما عدا الوجه توفيقًا بين الآيتين.
الآخر: أن السنة تبين القرآن فتخصص عمومه وتقيد مطلقه وقد دلت النصوص الكثيرة منها١ على أن الوجه لا يجب ستره فوجب تفسير هذه الآية على ضوئها وتقييدها بها.
فثبت أن الوجه ليس بعورة يجب ستره، وهو مذهب أكثر العلماء كما قال ابن رشد في "البداية" "١/ ٨٩" ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن أحمد كما في "المجموع" "٣/ ١٦٩" وحكاه الطحاوي في "شرح المعاني" "٢/ ٩" عن صاحِبَي أبي حنيفة أيضًا، وجزم في "المهمات" من كتب الشافعية أنه الصواب كما ذكره الشيخ الشربيني في "الإقناع" "٢/ ١١٠".
لكن ينبغي تقييد هذا بما إذا لم يكن على الوجه وكذا الكفين شيء من الزينة لعموم قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] وإلا وجب ستر ذلك ولا سيما في هذا العصر الذي تفنن فيه النساء بتزيين وجوههن وأيديهن بأنواع من الزينة والأصبغة مما لا يشك مسلم -بل عاقل ذو غيرة- في تحريمه وليس من ذلك الكحل والخضاب لاستثنائهما في الآية كما تقدم. ويؤيد هذا ما أخرجه ابن سعد "٨/ ٢٣٨ - ٢٣٩" من طريق سفيان عن منصور عن ربعي بن خراش عن امرأة عن أخت حذيفة وكان له أخوات
_________________
(١) ١ انظر الأحاديث المتقدمة "رقم ١-١٣/ ص٦٠-٧٢".
[ ٨٩ ]
قد أدركن النبي -ﷺ- قالت:
خطبنا رسول الله -ﷺ- فقال: "يا معشر النساء أليس لكن في الفضة ما تحلين؟ أما إنه ليس منكن امرأة تحلى ذهبًا تظهره إلا عذبت به"، قال منصور: فذكرت ذلك لمجاهد فقال: قد أدركتهن وإن إحداهن لتتخذ لكمها زرًّا تواري خاتمها.
وليس استشهادي في هذه الرواية بالحديث المرفوع وإن كان صريحًا في ذلك؛ لأن في إسناده المرأة التي لم تسم- وإنما هو بقول مجاهد: "تواري خاتمها" فهو نص صريح فيما ذكرت والحمد لله على توفيقه. ثم رأيت قول مجاهد بسند آخر صحيح عنه في "مسند أبي يعلى" "٦٩٨٩".
هذا وقد أبان الله تعالى عن حكمة الأمر بإدناء الجلباب بقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] يعني أن المرأة إذا التحفت بالجلباب عرفت بأنها من العفائف المحصنات الطيبات فلا يؤذيهن الفساق بما لا يليق من الكلام بخلاف ما لو خرجت متبذلة غير مستترة فإن هذا مما يطمع الفساق فيها والتحرش بها، كما هو مشاهد في كل عصر ومصر. فأمر الله تعالى نساء المؤمنين جميعًا بالحجاب سدًّا للذريعة.
وأما ما أخرجه ابن سعد "٨/ ١٧٦": أخبرنا محمد بن عمر عن ابن أبي سبرة عن أبي صخر عن ابن كعب القرظي قال: "كان رجل من المنافقين يتعرض لنساء المؤمنين يؤذيهن فإذا قيل له؟ قال: كنت أحسبها أمة فأمرهن الله أن يخالفن زي الإماء ويدنين
[ ٩٠ ]
عليهن من جلابيبهن".
فلا يصح بل هو ضعيف جدًّا لأمور:
الأول: أن ابن كعب القرظي -واسمه محمد- تابعي لم يدرك عصر النبوة فهو مرسل.
الثاني: أن ابن أبي سبرة وهو أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة ضعيف جدًّا قال الحافظ في "التقريب":
"رموه بالوضع".
والثالث: ضعف محمد بن عمر وهو الواقدي وهو مشهور بذلك عند المحدثين بل هو متهم.
وفي معنى هذه الرواية روايات أخرى أوردها السيوطي في "الدر المنثور" وبعضها عند ابن جرير وغيره وكلها مرسلة لا تصح؛ لأن منتهاها إلى أبي مالك وأبي صالح والكلبي ومعاوية بن قرة والحسن البصري ولم يأت شيء منها مسندًا فلا يحتج بها ولا سيما أن ظاهرها مما لا تقبله الشريعة المطهرة ولا العقول النيرة؛ لأنها توهم أن الله تعالى أقر إماء المسلمين -وفيهن مسلمات قطعًا- على حالهن من ترك التستر ولم يأمرهن بالجلباب ليدفعن به إيذاء المنافقين لهن.
ومن العجائب أن يغتر بعض المفسرين بهذه الروايات الضعيفة فيذهبوا بسببها إلى تقييد قوله تعالى: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] بالحرائر دون الإماء وبنوا على ذلك أنه لا يجب على الأمة ما يجب على
[ ٩١ ]
الحرة من ستر الرأس والشعر بل بالغ بعض المذاهب فذكر أن عورتها مثل عورة الرجل: من السرة إلى الركبة وقالوا:
"فيجوز للأجنبي النظر إلى شعر الأمة وذراعها وساقها وصدرها وثديها"١.
وهذا -مع أنه لا دليل عليه من كتاب أو سنة- مخالف لعموم قوله تعالى: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] فإنه من حيث العموم كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية [النساء: ٤٣] ولهذا قال أبو حيان الأندلسي في تفسيره: "البحر المحيط" "٧/ ٢٥٠":
"والظاهر أن قوله: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يشمل الحرائر والإماء، والفتنة بالإماء أكثر؛ لكثرة تصرفهن، بخلاف الحرائر؛ فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح".
وسبقه إلى ذلك الحافظ ابن القطان في "أحكام النظر" "ق ٢٤/ ٢" وغيره. وما أحسن ما قال ابن حزم في "المحلى" "٣/ ٢١٨ - ٢١٩":
"وأما الفرق بين الحرة والأمة فدين الله واحد والخلقة والطبيعة واحدة كل ذلك في الحرائر والإماء سواء حتى يأتي نص في الفرق بينهما
_________________
(١) ١ أبو بكر الجصاص في "أحكام القرآن" "٣/ ٣٩٠".
[ ٩٢ ]
في شيء فيوقف عنده". قال:
"وقد ذهب بعض من وهل في قول الله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾؛ إلى أنه إنما أمر الله تعالى بذلك؛ لأن الفساق كانوا يتعرضون للنساء للفسق، فأمر الحرائر بأن يلبسن الجلابيب ليعرف الفساق أنهن حرائر فلا يتعرضوهن"١.
ونحن نبرأ من هذا التفسير الفاسد الذي هو إما زلة عالم أو وهلة فاضل عاقل أو افتراء كاذب فاسق؛ لأن فيه أن الله تعالى أطلق الفساق على أعراض إماء المسلمين وهذه مصيبة الأبد، وما اختلف اثنان من أهل الإسلام في أن تحريم الزنا بالحرة كتحريمه بالأمة، وأن الحد على الزاني بالحرة كالحد على الزاني بالأمة، ولا فرق وأن تعرض الحرة في التحريم
_________________
(١) ١ ومن نتائج هذا المذهب أن الجلباب لا يؤمر به أصلًا حين لا يتعرض الفساق، أو حين لا توجد إماء كما في هذا العصر، لانتفاء العلة! وإذا انتفت العلة انتفى المعلول، وقد صرح بهذا بعض من كتب في موضوع المرأة من المعاصرين، فقال في رسالة "القرآن والمرأة" "ص٥٩". "وننبه على أن الروايات قد ذكرت في شأن آية الأحزاب: أن زي الحرائر والإماء كان واحدًا، وأن الفساق كانوا يتعرضون للنساء بدون تفريق، فنزلت الآية بالتمييز في الزي بالنسبة للحرائر حتى يعرفن فلا يؤذين بتعرضهم، وبعبارة أخرى: إن الأمر كان لضرورة زمنية خاصة". فكأنه يريد أن يقول: إنه لا ضرورة الآن إلى الجلباب لزوال علته -بزعمه- بزوال الرق، وبقاء النساء كلهن حرائر! فانظر كيف يوصل الجهل بضعف بعض الروايات إلى تعطيل أمر قرآني وآخر نبوي كما تقدم "ص٧٤" في حديث أم عطية.
[ ٩٣ ]
كتعرض الأمة ولا فرق ولهذا وشبهه وجب أن لا يقبل قول أحد بعد رسول الله -ﷺ- إلا بأن يسنده إليه ﵇"١.
ولا يعارض ما تقدم حديث أنس:
"أن النبي -ﷺ- لما اصطفى لنفسه من سبي خيبر صفية بنت حيي قال الصحابة: ما ندري أتزوجها أم اتخذها أم ولد؟ فقالوا: إن يحجبها فهي امرأته وإن لم يحجبها فهي أم ولد. فلما أراد أن يركب حجبها حتى قعدت على عجز البعير فعرفوا أنه تزوجها "وفي رواية: وسترها رسول الله -ﷺ- وحملها وراءه وجعل رداءه على ظهرها ووجهها ثم شده من تحت رجلها وتحمل بها وجعلها بمنزلة نسائه"٢.
_________________
(١) ١ يشير إلى ما ورد عن عمر -﵁- من التفريق بين الحرة والأمة في التخمر، وقد ساقها الزيلعي في "نصب الراية" "١/ ٣٠٠"، وأخرجه ابن أبي شيبة "٢/ ٢٨/ ١-٢"، والبيهقي "٢/ ٢٢٦-٢٢٧" من بعض الطرق، ثم قال: "والآثار عن عمر بن الخطاب -﵁- في ذلك صحيحة". وقد صرح ابن حزم فيما بعد "٣/ ٢٢١" بأنه لم يخف عليه هذا، قال: "ولكن لا حجة في أحد دون رسول الله -ﷺ". ويشهد لما قال حديث عائشة: "أن النبي -ﷺ- دخل عليها، فاختبأت مولاة لهم، فقال النبي -ﷺ: حاضت؟ فقالوا: نعم، فشق لها من عمامته، فقال: "اختمري بهذا". أخرجه ابن أبي شيبة "٢/ ٢٧/ ٢" وابن ماجه بسند ضعيف. ٢ أخرجه البخاري "٧/ ٣٨٧ و٩/ ١٠٥"، ومسلم "٤/ ١٤٦-١٤٧"، وأحمد "٣/ ١٢٣ و٢٤٦ و٢٦٤"، وابن سعد "٨/ ٨٧" والرواية الأخرى هي رواية له "٨/ ٨٦"، واعتمد عليها ابن القيم في "زاد المعاد" "٢/ ١٩٢"، والحديث أخرجه البيهقي أيضًا "٧/ ٢٥٩".
[ ٩٤ ]
نقول: لا مخالفة بين هذا الحديث وبين ما اخترناه من تفسير الآية؛ لأنه ليس فيه نفي الجلباب وإنما فيه نفي "الحجاب" ولا يلزم منه نفي الجلباب مطلقًا إلا احتمالًا ويحتمل أن يكون المنفي الجلباب الذي يتضمن حجب الوجه أيضًا، كما هو صريح قوله في الحديث نفسه: "وجعل رداءه على ظهرها ووجهها"، ويقوي هذا الاحتمال أيضًا ما سيأتي بيانه، فهذه الخصوصية هي التي كان بها يعرف الصحابة حرائره ﵇ من إمائه، وهي المراد من قولهم المتقدم سلبًا وإيجابًا: "إن يحجبها فهي امرأته وإن لم يحجبها فهي أم ولد".
فيتضح من هذا أن معنى قولهم: "وإن لم يحجبها" أي: في وجهها فلا ينفي حجب سائر البدن من الأمة وفيه الرأس فضلًا عن الصدر والعنق فاتفق الحديث مع الآية والحمد لله على توفيقه١.
_________________
(١) ١ وأما قول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في "تفسير سورة النور" بعد أن ذكر حديث أنس المتقدم قال "ص٥٦": "والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبي -ﷺ- وخلفائه؛ أن الحرة تحتجب والأمة تبرز". فغريب؛ ووجه الغرابة عزو ذلك إلى سنة المؤمنين زمن النبي -ﷺ، أي: إقراره -ﷺ، ولو صح هذا في نص صريح لكان حجة كافية في صحة دعوى الاختصاص، ودليلًا واضحًا على تخصيص قوله تعالى: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالحرائر، ولرجعنا عما حررناه في الأعلى، ولكني لا أراه ورد فضلًا عن أن يصح، وغاية ما في الباب حديث أنس، ولم يورد ابن تيمية غيره، وقد علمت ما فيه. والله أعلم. وقد كنت أود أن لا أدخل في بحث حجاب الأمة بهذا التفصيل؛ لأنه غير ذي موضوع اليوم، لولا أن التحقيق العلمي اقتضى ذلك.
[ ٩٥ ]
والخلاصة أنه يجب على النساء جميعًا أن يتسترن إذا خرجن من بيوتهن بالجلابيب لا فرق في ذلك بين الحرائر والإماء ويجوز لهن الكشف عن الوجه والكفين فقط لجريان العمل بذلك في عهد النبي -ﷺ- مع إقراره إياهن على ذلك.
ومن المفيد هنا أن نستدرك ما فاتنا في الطبعات السابقة من الآثار السلفية التي تنص على جريان العمل بذلك أيضًا بعد النبي -ﷺ- فأقول:
١- عن قيس بن أبي حازم قال:
"دخلت أنا وأبي على أبي بكر -﵁- وإذا هو رجل أبيض خفيف الجسم عنده أسماء بنت عميس تذب عنه وهي [امرأة بيضاء] موشومة اليدين كانوا وشموها في الجاهلية نحو وشم البربر فعرض عليه فرسان فرضيهما فحملني على أحدهما وحمل أبي على الآخر".
_________________
(١) أخرجه ابن جرير الطبري في "تهذيب الآثار" "مسند عمر ١/ ١١٤/ ١٨٧"، والسياق له، وابن سعد في "الطبقات" "٨/ ٢٨٣"، والطبراني في "الكبير" "٢٤/ ١٣١/ ٣٥٩"، دون قوله: "كانوا وشموها ". وإسناده صحيح.
[ ٩٦ ]
٢- عن أبي السليل قال:
جاءت ابنة أبي ذر وعليها مِجْنَبَتا صوف سفعاء الخدين ومعها قفة لها، فمثلت بين يديه وعنده أصحابه فقالت: يا أبتاه! زعم الحراثون والزراعون أن أفلُسَك هذه بهرجة فقال: يا بنية ضعيها فإن أباك أصبح بحمد الله ما يملك من صفراء ولا بيضاء إلا أفلسه هذه.
٣ - عن عمران بن حصين قال:
كنت مع رسول الله -ﷺ- قاعدًا إذ أقبلت فاطمة -رحمها الله- فوقفت بين يديه فنظرت إليها وقد ذهب الدم من وجهها فقال: ادني يا فاطمة فدنت حتى قامت بين يديه فرفع يده فوضعها على صدرها موضع القلادة وفرج بين أصابعه ثم قال:
"اللهم مشبع الجاعة ورافع الوضيعة لا تجع فاطمة بنت محمد ﷺ".
قال عمران:
فنظرت إليها وقد غلب الدم على وجهها وذهبت الصفرة كما كانت الصفرة قد غلبت على الدم
_________________
(١) أخرجه ابن سعد "١/ ١٦٤"، وأبو نعيم في "الحلية" "١/ ١٦٤". قلت: إسناده جيد في الشواهد.
(٢) أخرجه ابن جرير في "التهذيب" "مسند ابن عباس ١/ ٢٨٦/ ٤٨١"، والدولابي في "الكنى" "٢/ ١٢٢" بسند لا بأس به في الشواهد.
[ ٩٧ ]
قال عمران:
فلقيتها بعد فسألتها؟ فقالت: ما جعت بعد يا عمران!
٤ - عن قبيصة بن جابر قال:
"كنا نشارك المرأة في السورة من القرآن نتعلمها فانطلقت مع عجوز من بني أسد إلى ابن مسعود [في بيته] في ثلاث نفر فرأى جبينها يبرق فقال: أتحلقينه؟ فغضبت وقالت: التي تحلق جبينها امرأتك قال: فادخلي عليها فإن كانت تفعله فهي مني بريئة فانطلقت ثم جاءت فقالت: لا والله ما رأيتها تفعله فقال عبد الله بن مسعود: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول:
"لعن الله الواشمات والمستوشمات" إلخ.
٥ - عن أبي أسماء الرحبي أنه دخل على أبي ذر [الغفاري ﵁] وهو بالربذة وعنده امرأة له سوداء مُسغِبة قال: فقال:
"ألا تنظرون إلى ما تأمرني به هذه السويداء ".
٦ - وفي "تاريخ ابن عساكر" "١٩/ ٧٣/ ٢" وفي قصة صلب ابن الزبير أن أمه "أسماء بنت أبي بكر" جاءت مسفرة الوجه متبسمة.
_________________
(١) سنده حسن، وهو مخرج في "آداب الزفاف" "ص١١٥".
(٢) أخرجه أحمد "٥/ ١٥٩"، وابن سعد "٤/ ٢٣٦ -طبع بيروت"، وأبو نعيم "١/ ١٦١" بسند صحيح، وله عنده طريق أخرى. و"مسغبة"؛ أي: جائعة.
[ ٩٨ ]
٧ - عن أنس قال:
دخلَتْ على عمر بن الخطاب أمة قد كان يعرفها لبعض المهاجرين أو الأنصار وعليها جلباب متقنعة به فسألها: عتقت؟ قالت: لا. قال: فما
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" "٢/ ٢٣١": حدثنا علي بن مسهر عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك.. قلت: وهذا إسناد جيد، وهو على شرط مسلم، وصححه الحافظ في "الدراية في تخريج أحاديث الهداية" "١/ ١٢٤". ثم أخرجه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق في "المصنف" أيضًا "٣/ ١٣٦" من طريق قتادة عن أنس قال: "رأى عمر أمة لنا متقنعة، فضربها، وقال: لا تشبَّهي بالحرائر". قال الحافظ: "وإسناده صحيح". قلت: وهو على شرط الشيخين. ثم رواه ابن أبي شيبة من طريق الزهري عن أنس به. وسنده صحيح أيضًا. ورواه الإمام محمد في "الآثار" "ص٣٩ -هندية" من طريق إبراهيم أن عمر بن الخطاب كان يضرب الإماء أن يتقنعن؛ يقول: "لا تشبهن بالحرائر". قلت: وهذا إسناد معضل، وفي الإسنادين الموصولين عن أنس كفاية. ثم وجدت له طريقًا رابعًا في "سنن سعيد بن منصور" "٣/ ٢/ ٧٤". ووجه الاستدلال بهذا الأثر أن عمر -﵁- عرف هذه الأمة مع أنها كانت متقنعة بالجلباب؛ أي: متغطية به، وذلك يعني بكل وضوح أن وجهها كان ظاهرًا، وإلا لم يعرفها. وإذ الأمر كذلك؛ فقوله -﵁: "إنما الجلباب على الحرائر"؛ دليل واضح جدًّا أن الجلباب ليس من شرطه عند عمر أن يعطي الوجه، فلو أن النساء -كل النساء- كن في العهد الأول يسترن وجوههن بالجلابيب ما قال عمر -﵁- ما قال. فليضم إذن هذا الأثر إلى الآثار المتقدمة عن ابنه عبد الله وابن عباس وعائشة -﵃- أن الوجه ليس بعورة.
[ ٩٩ ]
بال الجلباب؟ ضعيه عن رأسك إنما الجلباب على الحرائر من نساء المؤمنين فتلكأت فقام إليها بالدرة فضرب رأسها حتى ألقته عن رأسها.
٨- عن عمر بن محمد أن أباه حدثه عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: أن أروى خاصمته في بعض داره فقال: دعوها وأباها فإني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول:
"من أخذ شبرًا من الأرض بغير حقه طُوِّقه في سبع أرضين يوم القيامة".
اللهمَّ إن كانت كاذبة فأعمِ بصرها واجعل قبرها في دارها.
قال: فرأيتها عمياء تلتمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد ب
_________________
(١) رواه مسلم "٥/ ٥٨"، وأبو يعلى في "مسنده" "٢/ ٢٥٠/ ٩٥١". قلت: هذا الأثر يرد على القائلين بأن وجه المرأة عورة، ولا يجوز كشف شيء منها! إلا أن قالوا: إن أجمل ما في المرأة عيناها، وما دام أنها قد عميت؛ فقد ذهب جمالها، وبالتالي لم يبقَ مجال لافتتان الرجال بها! قلنا: وهذا مع كونه يخالف طريق استدلالهم بحديث: "أفعمياوان أنتما؟ " -وهو ضعيف عندنا- فلماذا إذن أبحتم لغير العميان أن تستر وجهها بالنقاب وهو يكشف عن أجمل ما فيها؟!.
[ ١٠٠ ]
زيد.
فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في الدار فوقعت فيها فكانت قبرها.
٩- عن عطاء بن أبي رباح قال: رأيت عائشة -﵂- تفتل القلائد للغنم تساق معها هديا.
١٠- عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال:
أرسلني علي بن الحسين إلى الرُّبَيِّع بنت معوذ أسألها عن وضوء رسول الله -ﷺ- وكان يتوضأ عندها فأتيتها فأخرجت إلَيَّ إناء يكون مدًّا فقالت: بهذا كنت أخرج لرسول الله -ﷺ- للوضوء الحديث.
_________________
(١) ذكره عبد الرزاق: حدثنا عمر بن ذر قال: سمعت عطاء بن أبي رباح كذا في "التمهيد" لابن عبد البر "١٧/ ٢٢١"، وإسناده صحيح. ولعل متنطعًا يرد دلالة الحديث على أن الكفين ليسا بعورة، فيقول: كانت تلبس القفازين!!
(٢) أخرجه الحميدي في "مسنده" "١/ ١٦٣/ ٣٤٢"، والطبراني في "المعجم الكبير" "٢٤/ ٢٦٧/ ٦٧٧"، وغيرهما. وسنده حسن للخلاف المعروف في ابن عقيل، وكذا قال ابن القطان "٢/ ٣٥/ ٢". وهو مخرج في "صحيح أبي داود" "١١٧" بنحوه، وفيه أنه -ﷺ- قال لها: "اسكبي لي وضوءًا". وفي رواية للطبراني: "اسكبي على وُضوئي". وفي أخرى: "وكنت أسكب على كفيه ثلاث مرات". فهو على هذا يمكن أن يذكر في الفصل الذي قبله.
[ ١٠١ ]
١١- عن عروة بن عبد الله بن قشير:
أنه دخل على فاطمة بنت علي بن أبي طالب قال: فرأيت في يديها مسكًا غلاظًا في كل يد اثنين اثنين. قال: ورأيت في يدها خاتمًا إلخ.
١٢- وعن عيسى بن عثمان قال:
كنت عند فاطمة بنت علي فجاء رجل يثني على أبيها عندها فأخذت رمادًا فسفت في وجهه.
١٣- وعن يحيى بن أبي سليم قال:
رأيت سمراء بنت نهيك وكانت قد أدركت النبي -ﷺ- عليها درع غليظ وخمار غليظ بيدها سوط تؤدب الناس وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
١٤- عن ميمون -هو ابن مهران- قال:
دخلت على أم الدرداء فرأيتها مختمرة بخمار صفيق قد ضربت
_________________
(١) ١١ و١٢- أخرجهما ابن سعد "٨/ ٤٦٦"، وعنه ابن عساكر "١٩/ ٥٠٣"، وإسناد الأول صحيح، والآخر جيد، وعيسى بن عثمان ذكره ابن حبان في "ثقاته" "٧/ ٢٣٣"، وروى عنه جمع.
(٢) أخرجه الطبراني في "الكبير" "٢٤/ ٣١١/ ٧٨٥" بسند جيد.
(٣) أخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" "١٩/ ٥٦٢" من طريق البغوي: نا عيسى بن سالم الشاشي: نا أبو المليح عن ميمون قلت: وهذا إسناد صحيح، أبو المليح هو الحسن بن عمر الرقي، وهو ثقة من رجال "التهذيب"، والشاشي وثقه ابن حبان "٨/ ٤٩٤"، وكذا الخطيب في "التاريخ" "١١/ ١٦١". وأم الدرداء زوج أبي الدرداء اسمها: هجيمة، وقيل: جهيمة، وهي ثقة فقيهة متعبدة، لها ترجمة واسعة في "التاريخ".
[ ١٠٢ ]
على حاجبها. قال: وكان فيه قصر فوصلته بسير. قال: وما دخلت في ساعة صلاة إلا وجدتها مصلية.
١٥- عن معاوية ﵁:
دخلت مع أبي على أبي بكر﵁- فرأيت أسماء قائمة على رأسه بيضاء ورأيت أبا بكر﵁- أبيض نحيفًا.
١٦- عن عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه قال:
"جاءت امرأة إلى سمرة بن جندب فذكرت أن زوجها لا يصل إليها فسأل الرجل فأنكر ذلك وكتب فيه إلى معاوية -﵁- قال: فكتب: أن زوجه امرأة من بيت المال لها حظ من جمال ودين قال: ففعل قال: وجاءت المرأة متقنعة "١.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في "الكبير" "١/ ١٠/ ٢٥" بسند جيد في الشواهد، ورجاله ثقات، غير شيخ الطبراني القاسم بن عباد الخطابي، وقد روى له في "الأوسط" "٢/ ٣/ ١" أربعة أحاديث، وقال الهيثمي "٩/ ٤٢": "ورجاله رجال الصحيح".
(٢) أخرجه البيهقي "٧/ ٢٢٨"، وسنده حسن. ١ كنت قد وهمت في إيراد هذا الأثر في جملة ما يدل على جريان العمل على ستر الوجه من النساء في العهد الأول، ثم تبين لي أن الأمر على العكس من ذلك؛ لأن التقنع هو ستر المرأة لرأسها دون وجهها؛ كما شرحته في مقدمة هذه الطبعة؛ فهو من الأدلة الكثيرة التي لا ترضي المتعصبين لمذاهبهم والمتشددين في أقوالهم، والله أعلم بسلوكهم مع نسائهم، ولذلك نقلت هذا الأثر إلى هنا.
[ ١٠٣ ]
مشروعية ستر الوجه:
هذا ثم إن كثيرًا من المشايخ اليوم يذهبون إلى أن وجه المرأة عورة لا يجوز لها كشفه بل يحرم وفيما تقدم في هذا البحث كفاية في الرد عليهم، ويقابل هؤلاء طائفة أخرى يرون أن ستره بدعة وتنطع في الدين، كما قد بلغنا عن بعض من يتمسك بما ثبت في السنة في بعض البلاد اللبنانية، فإلى هؤلاء الإخوان وغيرهم نسوق الكلمة التالية:
ليعلم أن ستر الوجه والكفين له أصل في السنة، وقد كان ذلك معهودًا في زمنه -ﷺ- كما يشير إليه -ﷺ- بقوله:
"لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين" ١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "تفسير سورة النور" "ص ٥٦".
"وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يحرمن وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن".
_________________
(١) ١ رواه البخاري "٤/ ٤٢"، والنسائي "٢/ ٩ و١٠"، والبيهقي "٥/ ٤٦-٤٧"، وأحمد "رقم ٦٠٠٣" عن ابن عمرو مرفوعًا. و"القفاز" ما تلبسه المرأة في يدها فيغطي أصابعها وكفيها والساعد أحيانًا من البرد، أو عند معاناة الشيء كغزل ونحوه، وهو لليد كالخف أو الجورب للرجل. و"النقاب" الخمار الذي يشد على الأنف أو تحت المحاجر.
[ ١٠٤ ]
والنصوص متضافرة عن أن نساء النبي -ﷺ- كن يحتجبن حتى في وجوههن وإليك بعض الأحاديث والآثار التي تؤيد ما نقول:
١- عن عائشة قالت:
خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب١ لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة! أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين قالت: فانكفأت راجعة ورسول الله -ﷺ- في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرق -هو العظم إذا أخذ منه معظم اللحم- فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر: كذا وكذا قالت: فأوحى الله إليه ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه فقال: "إنه أذن لَكُنَّ أن تخرجن لحاجتكن" ٢.
_________________
(١) أخرجه البخاري "٨/ ٤٣٠-٤٣١"، ومسلم "٧/ ٦-٧"، وابن سعد "٨/ ١٢٥-١٢٦"، وابن جرير "٢٢/ ٢٥"، والبيهقي "٧/ ٨٨"، وأحمد "٦/ ٥٦". ١ تعني حجاب أشخاص نسائه -ﷺ- في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾، وهذه الآية مما وافق تنزيلها قول عمر -﵁- كما روى البخاري "٨/ ٤٢٨" وغيره عن أنس قال: قال عمر -﵁: قلت: يا رسول الله! يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب. ٢ وفي الحديث دلالة على أن عمر -﵁- إنما عرف سودة من جسمها، فدل على أنها كانت مستورة الوجه، وقد ذكرت عائشة أنها كانت -﵂- تعرف بجسامتها، فلذلك رغب عمر -﵁- أن لا تعرف من شخصها، وذلك بأن لا تخرج من بيتها، ولكن الشارع الحكيم لم يوافقه هذه المرة لما في ذلك من الحرج، =
[ ١٠٥ ]
٢- وعنها أيضًا في حديث قصة الإفك قالت:
"فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان
_________________
(١) = قال الحافظ -﵀- في شرحه للحديث المذكور: "إن عمر -﵁- وقع في قلبه نفرة من اطلاع الأجانب على الحريم النبوي حتى صرح بقوله له ﵊: "احجب نساءك"، وأكد ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب، ثم قصد بعد ذلك أن لا يبدين أشخاصهن أصلًا ولو كن مستترات، فبالغ في ذلك، فمنع منه، وأذن لهن في الخروج لجاجتهن؛ دفعًا للمشقة ورفعًا للحرج". وقال القاضي عياض: "فرض الحجاب مما اختصصن به" أي: أمهات المؤمنين"، فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا غيرها، ولا إظهار شخوصهن، وإن كن مستترات؛ إلا ما دعت إليه ضرورة من براز". قال الحافظ "٨/ ٥٣٠": "ثم استدل بما في "الموطأ" أن حفصة لما توفي عمر سترها النساء عن أن يرى شخصها، وأن زينب بنت جحش جعلت لها القبة فوق نعشها ليستر شخصها، انتهى. وليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه من فرض ذلك عليهن، وقد كن بعد النبي -ﷺ- يحججن ويطفن، وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص، وقد تقدم في "الحج" قول ابن جريج لعطاء لما ذكر له طواف عائشة: "أقبل الحجاب أو بعده؟ " قال: قد أدركت ذلك بعد الحجاب".
(٢) أخرجه البخاري "٨/ ٣٦٥-٣٨٨ -بشرح فتح الباري"، ومسلم "٨/ ١١٣-١١٨"، وأحمد "٦/ ١٩٤-١٩٧"، وابن جرير "١٨/ ٦٢-٦٦"، وأبو القاسم الحنائي في "الفوائد" "٩/ ١٤٢/ ٢" وحسنه، والرواية الأخرى مع الزيادة له.
[ ١٠٦ ]
ابن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فأدلج١، فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرتُ -وفي رواية: فسترتُ- وجهي عنه بجلبابي"، الحديث.
٣- عن أنس في قصة غزوة خيبر واصطفائه -ﷺ- صفية لنفسه قال:
"فخرج رسول الله -ﷺ- من خيبر ولم يُعَرِّس بها٢، فلما قرب البعير لرسول الله ليخرج وضع رسول الله -ﷺ- رجله لصفية لتضع قدمها على فخذه فأبت، ووضعت ركبتها على فخذه وسترها رسول الله -ﷺ- وحملها وراءه، وجعل رداءه على ظهرها ووجهها ثم شده من تحت رجلها، وتحمل بها وجعلها بمنزلة نسائه".
٤- عن عائشة قالت:
_________________
(١) ١ من الدلجة بالضم؛ وهو السير من أول الليل.
(٢) أخرجه ابن سعد "٨/ ٨٦-٨٧" من طرق: من حديث أبي هريرة، وأبي غطفان بن طريف المري، وأنس بن مالك، وأم سنان الأسلمية؛ قال ابن سعد: "دخل حديث بعضهم في حديث بعض". قلت: وقد أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث أنس نحوه، وقد تقدم مع تخريجه "ص٩٤". ٢ أي: لم يدخل بها، يقال: عرس الرجل إذا دخل بامرأته عند بنائها.
(٣) أخرجه أحمد "٦/ ٣٠"، وأبو داود، وابن الجارود "رقم ٤١٨"، والبيهقي في "الحج"، وسنده حسن في الشواهد، ومن شواهد الحديث الذي بعده، وكلاهما مخرج في "الإرواء" "١٠٢٣ و١٠٢٤".
[ ١٠٧ ]
"كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله -ﷺ- محرمات فإذا حاذوا بنا أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه".
٥- عن أسماء بنت أبي بكر قالت:
"كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام".
٦ - عن صفية بنت شيبة قالت:
"رأيت عائشة طافت بالبيت وهي منتقبة".
٧- عن عبد الله بن عمر قال:
_________________
(١) أخرجه الحاكم "١/ ٤٥٤"، وقال: "حديث صحيح على شرط الشيخين". ووافقه الذهبي، وإنما هو على شرط مسلم وحده؛ لأن زكريا بن عدي في إسناده إنما روى له البخاري في غير "الجامع الصحيح" كما في "التهذيب"، ورواه مالك "١/ ٣٠٥" عن فاطمة بنت المنذر نحوه. والمراد بـ"نغطي"؛ أي: نسدل؛ كما في الحديث الذي قبله.
(٢) رواه ابن سعد "٨-٤٩"، وكذا عبد الرزاق في "المصنف" "٥/ ٢٤-٢٥" عن ابن جريج عن الحسن بن مسلم عن صفية. وهذا إسناد رجاله ثقات غير أن ابن جريج مدلس، وقد عنعنه.
(٣) أخرجه ابن سعد "٨/ ٩٠": أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال عنه. وهذا سند رجاله موثوقون، إلا أن فيه انقطاعًا بين ابن أبي الرجال وابن عمر، لكن له شاهدًا عن عطاء مرسلًا نحوه، أخرجه أبو منصور بن عساكر في "الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين" "ص٨٩"، وأخرجه ابن سعد من طريقين آخرين مدارهما على الواقدي، وهو ضعيف كما تقدم، وأخرج أيضًا "٨/ ١٨١" من طريقه بإسناده أن هند بنت عتبة كشفت عن نقابها لما بايعت النبي -ﷺ. ورواه ابن منده من طريق أخرى كما في ترجمتها من "الإصابة" "٤/ ٤٠٩".
[ ١٠٨ ]
"لما اجتلى النبي -ﷺ- صفية رأى عائشة منتقبة وسط الناس فعرفها".
٨- عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف:
"أن عمر بن الخطاب أذن لأزواج النبي -ﷺ- في الحج في آخر حجة
_________________
(١) أخرجه ابن سعد "٨/ ١٥٢": أخبرنا الوليد بن عطاء بن الأغر المكي: أخبرنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده أن عمر بن الخطاب وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير الوليد هذا، وقد أورده الذهبي في "الميزان"، وتبعه الحافظ في "اللسان"، فقالا: "ذكره ابن عدي، وما كان ينبغي له أن يورده، فإنه وثق، ثم ساق له حديثًا، فبرأ ابن عدي منه ساحته". وقد تابعه الواقدي عند ابن سعد أيضًا "٨/ ١٥١"، وفي هذا الأثر أن نساءه كن يحجبن أشخاصهن أيضًا، لكن ليس فيه ما يدل على فرضية ذلك عليهن؛ فلا ينافي ما نقلناه آنفًا عن الحافظ أنهن كن يظهرن أمام الصحابة مستترات الأبدان لا الأشخاص؛ لأن ذلك كان لحاجة أو لفائدة دينية، وفي كلام الحافظ نفسه ما يشعر بذلك. والله أعلم. وقد روى أحمد "٦/ ٢١٩" عن يزيد بن بابنوس قال: ذهبت أنا وصاحب لي إلى عائشة، فاستأذنا عليها، فألقت إلينا وسادة، وجذبت إليها الحجاب، فقال صاحبي: يا أم المؤمنين! ما تقولين في العرك وسنده حسن.
[ ١٠٩ ]
حجها وبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف قال: كان عثمان ينادي: ألا لا يدنو إليهن أحد ولا ينظر إليهن أحد وهن في الهوادج على الإبل فإذا نزلن أنزلهن بصدر الشعب وكان عثمان وعبد الرحمن بذنب الشعب فلم يصعد إليهن أحد".
ففي هذه الأحاديث دلالة ظاهرة على أن حجاب الوجه قد كان معروفًا في عهده -ﷺ- وأن نساءه كن يفعلن ذلك وقد استن بهن فضليات النساء بعدهن وإليك مثالين على ذلك:
١- عن عاصم الأحول قال:
"كنا ندخل على حفصة بنت سيرين١ وقد جعلت الجلباب هكذا: وتنقبت به فنقول لها: رحمك الله قال الله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ٢ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾
_________________
(١) أخرجه البيهقي "٧/ ٩٣" من طريق سعدان بن نصر حدثنا سفيان بن عيينة عن عاصم الأحول وهذا إسناد صحيح، وسعدان اسمه سعيد، والغالب عليه سعدان؛ كما قال الخطيب في "تاريخه"، وقد حكى توثيقه عن الدارقطني وغيره. ١ هي أم هذيل الأنصارية البصرية، وهي تابعة فاضلة، قرأت القرآن وهي ابنة اثنتي عشرة سنة، وماتت وهي ابنة سبعين. قال إياس بن معاوية: "ما أدركت أحدًا أفضِّله على حفصة". ماتت سنة "١٠١هـ". ٢ اختلفت أقوال المفسرين في المراد من هذه الكلمة. فالأكثرون على أنه =
[ ١١٠ ]
-هو الجلباب- قال: فتقول لنا: أي شيء بعد ذلك؟ فنقول: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ فتقول: هو إثبات الحجاب"١.
_________________
(١) = "الجلباب"؛ كما قالت حفصة هذه. ورواه ابن جرير "١٨/ ١١٤" عن ابن مسعود وابن عباس وغير واحد من التابعين، وصححه القرطبي. وقال جابر بن زيد "وهو ثقة مات سنة ٩٣هـ": إنه "الخمار". رواه ابن جرير، وأبو بكر الجصاص "٣/ ٤١١"، ولعل مستنده ما في "القرطبي": "والعرب تقول: امرأة واضع؛ للتي كبرت، فوضعت خمارها". ويؤيده أن هذه الآية ذكرها الله في سورة النور بعد آية أمر النساء بالخمر المتقدمة، وهي مطلقة، فكأن الله تعالى أراد تقييدها، فأورد هذه في السورة ذاتها. والله أعلم. ثم رأيت ابن عباس -﵄- قد صرح بهذا المعنى، وأن آية "القواعد" مستثناة من آية "الخمر". رواه أبو داود "٤١١١"، والبيهقي "٧/ ٩٣" بسند حسن عنه. فالظاهر أن جابر بن زيد تلقى ذلك عن ابن عباس؛ فإنه -﵀- من المكثرين عنه، ولعل هذا هو الأليق بلفظ: "ثيابهن"؛ فإنه جمع، وقد رأيت الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -﵀- قد تنبه لهذا، فقال في "تفسيره" "٥/ ٤٤٥"، فقال: "أي الثياب الظاهرة كالخمار ونحوه الذي قال الله فيه للنساء: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ ". وسبقه إلى هذا الحافظ أبو الحسن بن القطان في "النظر إلى أحكام النظر". ١ وقد احتج لما ذكرنا بعض المتأخرين بما أخرجه أبو داود "١/ ٣٨٩" من طريق فرج بن فضالة عن عبد الخبير بن ثابت بن قيس بن شماس عن أبيه عن جده قال: "جاءت امرأة إلى النبي -ﷺيقال لها: أم خلاد- وهي منتقبة، تسأل عن ابنها =
[ ١١١ ]
_________________
(١) = وهو مقتول، فقال لها بعض أصحاب النبي -ﷺ: جئت تسألين عن ابنك وأنت منتقبة؟! فقالت: إن أرزأ ابني؛ فلن أرزأ حيائي، فقال رسول الله -ﷺ: "ابنك له أجر شهيدين". قالت: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: "لأنه قتله أهل الكتاب". فهذا نص صريح في فضيلة النقاب؛ لأنها عدته من الحياء، وأقرها رسول الله -ﷺ، لكن ما كان لنا أن نحتج بمثل هذا الإسناد، فقد قال البخاري: "عبد الخبير هذا؛ روى عنه فرج بن فضالة، حديثه ليس بالقائم، فرج عنده مناكير". وقال أبو حاتم الرازي: "عبد الخبير حديثه ليس بالقائم، منكر الحديث"؛ كما في "مختصر المنذري" "٣/ ٣٥٩". ومن هذا القبيل ما في ترجمة عبيد بن عمر المكي من "ثقات العجلي" "ص٣٢٢ -بيروت"؛ قال: "كانت امرأة جميلة بمكة كان لها زوج، فنظرت يومًا إلى وجهها في المرآة، فقالت لزوجها: أترى أحدًا يرى هذا الوجه ولا يفتن به؟! قال: نعم. قالت: من؟ قال: عبيد بن عمير. قال: فأذن لي فلأفتنه! قال: قد أذنت لك، فأتته، فاستفتته، فخلا معها في ناحية من المسجد الحرام، قالت: فأسفرت عن مثل فلقة القمر، فقال لها: يا أمة الله! اتقي الله ". تنبيه: مما لا شك فيه أن المراد بالوجه ما تقدم بيانه "ص٤١"، وكما هو معروف في كتب الفقه أن حده من منبت شعر الرأس إلى أسفل الذقن، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن. =
[ ١١٢ ]
٢- عن أبي عبد الله محمد بن أحمد بن موسى القاضي قال:
حضرت مجلس موسى بن إسحاق القاضي بالري، سنة ست وثمانين ومائتين، وتقدمت امرأة فادعى وليها على زوجها خمسمائة دينار مهرًا فأنكر فقال القاضي:
شهودك. قال:
قد أحضرتهم. فاستدعى بعض الشهود أن ينظر إلى المرأة ليشير إليها في شهادته فقام الشاهد وقال للمرأة:
قومي. فقال الزوج:
_________________
(١) = وهذا هو الذي يمكن أن يفهم مما ذكره أهل اللغة في أصل معنى الوجه، فقال الأصبهاني في "مفرداته": "أصل الوجه الجارحة، ولما كان الوجه أول ما يستقبلك، وأشرف ما في ظاهر البدن، استعمل في مستقبل كل شيء وفي أشرفه ومبدئه". إذا تبين هذا، فقول الأستاذ المودودي في "تعقيبه" "ص٢١": "أما الوجه، فلا يراد به قرص الوجه فقط، بل هو شامل للأذنين أيضًا بموجب العرف العام". كذا قال، ولا أعرف له وجهًا، بل هو مخالف لما عليه أهل العلم في تحديد الوجه بما سبق، ومباين لظاهر قوله -ﷺ: $"الأذنان من الرأس". أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس بسند صحيح، وله شواهد كثيرة ذكرتها في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" رقم "٤٠".
(٢) أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد" "١٣/ ٥٣".
[ ١١٣ ]
تفعلون ماذا؟ قال الوكيل:
ينظرون إلى امرأتك وهي مسفرة لتصح عندهم معرفتها. فقال الزوج:
وإني أشهد القاضي أن لها عليَّ هذا المهر الذي تدعيه ولا تسفر عن وجهها. فردت المرأة -وأخبرت بما كان من زوجها- فقالت:
فإني أشهد القاضي: أن قد وهبت له هذا المهر وأبرأته منه في الدنيا والآخرة.
فقال القاضي:
يكتب هذا في مكارم الأخلاق.
فيستفاد مما ذكرنا أن ستر المرأة لوجهها ببرقع أو نحوه مما هو معروف اليوم عند النساء المحصنات أمر مشروع محمود وإن كان لا يجب ذلك عليها بل من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج.
ومما تقدم بيانه يتضح ثبوت الشرط الأول في لباس المرأة إذا خرجت ألا وهو أن يستر جميع بدنها إلا وجهها وكفيها.
"فائدة مهمة":
قوله تعالى في آية النور المتقدمة في أول هذا الشرط: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [٣١] يعني: المؤمنات كما قال مجاهد وغيره من السلف خلافًا لبعض المعاصرين فإنه زعم أن المعنى: الصالحات من النساء سواء كنَّ مسلمات أو كافرات!
[ ١١٤ ]
قال الشوكاني في "فتح القدير" "٤/ ٢٢":
"وإضافة النساء إليهن تدل على اختصاص ذلك بالمؤمنات".
وقال البيهقي في كتاب "الآداب" "ص ٤٠٧ - لبنان":
"وأما قوله: ﴿نِسَائِهِنَّ﴾ فقد رُوِّينا عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح: أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات ومعهن نساء من أهل الكتاب فامنع ذلك".
وفي رواية أخرى:
"فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها".
قلت: الرواية الأولى عند البيهقي في "السنن" "٧/ ٩٥" من طريق عيسى بن يونس: ثنا هشام بن الغاز بن ربيعة الجرشي عن عبادة بن نُسَيّ الكندي قال: كتب عمر إلخ.
ورواه ابن جرير أيضًا "١٨/ ٩٥".
قلت: ورجاله ثقات لكنه منقطع فإن عبادة لم يدرك عمر -﵁- بينهما نُسَي والد عبادة.
هكذا رواه سعيد بن منصور في "سننه" كما في "تفسير ابن كثير" "٣/ ٢٨٤" ومن طريقه البيهقي: ثنا إسماعيل بن عياش عن هشام بن الغاز عن عبادة بن نُسي عن أبيه عن الحارث بن قيس قال: كتب عمر إلخ. الرواية الأخرى.
[ ١١٥ ]
ورجاله ثقات غير نُسي فإنه لم يوثقه غير ابن حبان "٥/ ٤٨٢".
وقال الحافظ في "التقريب":
"مجهول".
قلت: لكن المعنى المذكور متفق عليه بين المفسرين المحققين كابن جرير وابن كثير والشوكاني وغيرهم ممن لا يخرج عن التفسير المأثور ولا يعتد بآراء الخلف.
إذا تبين ذلك فاعلم أن من الخطورة بمكان ما ابتلي به كثير من أغنياء المسلمين اليوم من استخدامهم النساء الكافرات في بيوتهم؛ لأنه لا يخلو الأمر من أن يقع الزوجان أو أحدهما في الفتنة والمخالفة للشريعة!
أما الزوج فواضح؛ لأنه يخشى أن يزني بها وبخاصة أنه لا عفة عندهن بحكم كونهن كافرات لا يحرمن ولا يحللن كما صرح بذلك القرآن الكريم بحق أهل الكتاب، فكيف يكون حال الوثنيات "كالسيريلانكيات" اللاتي لا كتاب لهن؟!
وأما بالنسبة للزوجة فمن الصعب جدًّا على أكثر مسلمات هذا الزمان، زوجات وبنات بالغات أن يحتجبن من تلك الخادمات كما تحتجب من الرجال إلا من عصم الله وقليل ما هن.
ولو أننا فرضنا سلامة الزوجين من الفتنة فلن يسلم أولادهما من التأثر بأخلاقهن وعاداتهن المخالفة لشريعتنا هذا إذا لم يقصدن إفساد تربيتهم وتشكيكهم في دينهم كما سمعنا بذلك عن بعضهن.
[ ١١٦ ]
هذا ولقد بلغني عن أحد المفتين -والعهدة على الراوي- أنه سئل عن استخدامهن، فأجاب بالجواز؛ لأنهن عنده بمنزلة السبايا والجواري اللاتي استحلت شرعًا بملك اليمين، فأخشى ما أخشاه أن يصل الأمر بمثل هذا المفتي أن يستحل أيضًا وطأهن قياسًا على ملك اليمين وبخاصة أن هناك من أسقط الحد عمن زنى بخادمته -ولو كانت مسلمة- بشبهة استئجاره إياها!! قال ذلك بعض الآرائيين القدامى، فالله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
هذا ما أردت بيانه للناس حول هذه المسألة لعل الله ينفع بها من قد يكون غافلًا عنها وينفع من كان معرضًا عن العمل بها وهو سبحانه ولي التوفيق والهادي إلى أقوم طريق.
[ ١١٧ ]