لأن الستر لا يتحقق إلا به وأما الشفاف فإنه يزيد المرأة فتنة وزينة وفي ذلك يقول -ﷺ:
"سيكون في آخر أمتي نساء كاسيات عاريات على رءوسهن كأسنمة البخت، العنوهن فإنهن ملعونات".
زاد في حديث آخر:
"لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا" ١.
قال ابن عبد البر:
"أراد -ﷺ- النساء اللواتي يلبسن من الثياب الشيء الخفيف الذي
_________________
(١) ١ أخرجه الطبراني في "المعجم الصغير" "ص٢٣٢" من حديث ابن عمرو بسند صحيح، والحديث الآخر أخرجه مسلم من رواية أبي هريرة، وقد تكلمت عليهما مفصلًا في "الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب"، ثم في "الأحاديث الصحيحة" "١٣٢٦"، و"تخرج أحاديث الحلال والحرام" "٨٥".
[ ١٢٥ ]
يصف ولا يستر فهن كاسيات بالاسم عاريات في الحقيقة"١.
وعن أم علقمة بن أبي علقمة قالت:
"رأيت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر دخلت على عائشة وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها فشقته عائشة عليها وقالت: أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور؟ ثم دعت بخمار فكستها"٢.
_________________
(١) ١ نقله السيوطي في "تنوير الحوالك" "٣/ ١٠٣". ٢ أخرجه ابن سعد "٨/ ٤٦": أخبرنا خالد بن مخلد: حدثنا سليمان بن بلال عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه. وهذا سند رجاله على شرط الشيخين، غير أم علقمة هذه، واسمها مرجانة، ذكرها ابن حبان في "الثقات" "٥/ ٤٦٦"، وقال الذهبي: "لا تعرف". قلت: فمثلها لا يحتج بها، وإنما يستشهد بروايتها، ورواية البخاري لها تعليقًا؛ لا يعني أنها ثقة عنده، خلافًا لما يوهمه كلام الأستاذ المودودي في تعقيبه "ص١٦"، وقد رواه مالك "٣/ ١٠٣" عن علقمة نحوه مختصرًا، وفيه: "وكستها خمارًا كثيفًا"، ومن طريقه أخرجه ابن سعد أيضًا، والبيهقي "٢/ ٢٣٥"، وسكت عليه الذهبي في "مختصره" "١/ ٤٠/ ١"، ولكنه قال في متن آخر بهذا السند "١/ ٦٣/ ٢": "إسناد قوي". وفيه نظر؛ لقوله في "الميزان": "أم علقمة لا تعرف". وفي قول عائشة -﵂: "أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور؟! "؛ إشارة إلى أن من تسترت بثوب شفاف؛ أنها لم تستتر، ولم تأتمر بقوله تعالى في السورة المشار إليها: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، وهذا بين لا يخفى. "تنبيه": مدار هذا الأثر على أم علقمة هذه عند مالك وابن سعد، وقد أخرجه سعيد بن منصور وابن مردويه مثل رواية ابن سعد، إلا أنه لم يقع عنده تسمية التي دخلت على عائشة، فتوهم الأستاذ المودودي أنها رواية أخرى غير رواية مالك عن أم علقمة، فجعلها شاهدة لرواية مالك! والطريق واحد!.
[ ١٢٦ ]
وعن هشام بن عروة:
"أن المنذر بن الزبير قدم من العراق فأرسل إلى أسماء بنت أبي بكر بكسوة من ثياب مروية وقوهية١ رقاق عتاق بعدما كف بصرها، قال: فلمستها بيدها ثم قالت: أف ردوا عليه كسوته قال: فشق ذلك عليه وقال: يا أمه إنه لا يشف. قالت إنها إن لم تشف فإنها تصف"٢.
وعن عبد الله بن أبي سلمة:
"أن عمر بن الخطاب -﵁- كسا الناس القباطي٣، ثم قال:
_________________
(١) ١ مروية: ثياب مشهورة بالعراق، منسوبة إلى "مرو" قرية بالكوفة. وقوهية: من نسيج "قوهستان" ناحية بخراسان كما في "الأنساب" للسمعاني. ٢ أخرجه ابن سعد "٨/ ١٨٤" بإسناد صحيح إلى المنذر، وهذا ذكره ابن حبان في "الثقات" "٥/ ٤٢٠"، وقال: "روى عنه محمد بن المنذر". قلت: وروى عنه ابن أخيه هشام بن عروة كما في هذا الأثر، وذكروا في ترجمته أنه يروي عن زوجته فاطمة بنت المنذر بن الزبير. وفي "التعجيل" أنه روى عن أبيه، وأنه روى عنه فليح بن محمد بن المنذر أيضًا، وأن حكيم بن حزام أثنى عليه خيرًا، فالإسناد جيد متصل. ٣ جمع "القبطية"، قال في "النهاية": "هي الثوب من ثياب مصر رقيقة بيضاء، وكأنه منسوب إلى القبط، وهم أهل مصر، وضم القاف من تغيير النسب، وهذا في الثياب، فأما في الناس فقبطي بالكسر".
[ ١٢٧ ]
لا تَدَّرِعها نساؤكم فقال رجل: يا أمير المؤمنين قد ألبستها امرأتي فأقبلت في البيت وأدبرت فلم أره يشف. فقال عمر: إن لم يكن يشف فإنه يصف"١.
وفي هذا الأثر والذي قبله إشارة إلى أن كون الثوب يشف أو يصف كان من المقرر عندهم أنه لا يجوز وأن الذي يشف شر من الذي يصف ولذلك قالت عائشة ﵂: "إنما الخمار ما وارى البشرة والشعر"٢.
"صحيح" وقالت شميسة: "دخلت على عائشة وعليها ثياب من هذه السيد٣ الصفاق٤ ودرع
_________________
(١) ١ أخرجه البيهقي "٢/ ٢٣٤-٢٣٥"، وقال: "إنه مرسل"، يعني منقطع بين عبد الله بن أبي سلمة وعمر، لكن رجاله ثقات. ويقويه قول البيهقي عقبه: "وقد رواه أيضًا مسلم البطين عن أبي صالح عن عمر". ٢ ذكره البيهقي "٢/ ٢٣٥" معلقًا، فقال: "روينا عن عائشة أنها سئلت عن الخمار، فقالت: فذكره". ٣ كذا في الأصل المنقول عنه بالسين المهملة والمثناة التحتية ثم دال مهملة، ولم يتبين لي معناها المناسب للسياق. ولعلها "السيراء"، وهي على وزن العنباء، نوع من البرود فيه خطوط صفر، أو يخالطه حرير. ٤ قال في "لسان العرب": "وثوب صفيق متين بَيِّن الصفاقة وثوب صفيق وسفيق: جيد النسيج". وفي "القاموس": "وثوب صفيق ضد السخيف". والسخيف هو القليل الغزْل.
[ ١٢٨ ]
وخمار ونقبة١ قد لونت بشيء من عصفر"٢.
من أجل ذلك كله قال العلماء:
ويجب ستر العورة بما لا يصف لون البشرة من ثوب صفيق أو جلد أو رق٣، فإن ستر بما يظهر فيه لون البشرة من ثوب رقيق لم يجز؛ لأن الستر لا يحصل بذلك٤.
وقد عقد ابن حجر الهيتمي في "الزواجر" "١/ ١٢٧" بابًا خاصًّا في لبس المرأة ثوبًا رقيقًا يصف بشرتها وأنه من الكبائر ثم ساق فيه الحديث المتقدم "ص ١٢٥" ثم قال:
"وذكر هذا من الكبائر ظاهر لما فيه من الوعيد الشديد ولم أر من صرح بذلك. إلا أنه معلوم بالأولى مما مر في تشبههن بالرجال".
قلت: وتأتي الأحاديث في لعن المتشبهات بالرجال عند الكلام على الشرط السادس.
_________________
(١) ١ ثوب كالإزار يشد كما تشد السراويل. كما في "المنجد"، وفي "القاموس" نحوه. ٢ أخرجه ابن سعد "٨/ ٧٠" بسند صحيح إلى شميسة، وهي بنت عزيز بن عامر العتكية البصرية. قال الحافظ. "مقبولة". ٣ بالفتح ويكسر: جلد رقيق يكتب فيه. ٤ ذكره في "المهذب" "٣/ ١٧٠ -بشرح المجموع".
[ ١٢٩ ]