اعْلَم أَن الْأَعْمَال مظَاهر الهيئات النفسانية، وشروح لَهَا، وشركات لاقتناصها، ومتحدة مَعهَا فِي الْعرف الطبيعي أَن يتَّفق جُمْهُور النَّاس على التَّعْبِير بهَا عَنْهَا بِسَبَب طبيعي تعطيه الصُّورَة النوعية، وَذَلِكَ لِأَن الداعية إِذا انبعثت إِلَى عمل، فطاوعت لَهُ نَفسه انبسطت، وانشرحت، وَإِن امْتنعت انقبضت، وتقلصت فَإِذا بَاشر الْعَمَل استبد منبعه من ملكية أَو بهيمية وقوى وانحرف مُقَابِله وَضعف، وَإِلَى هَذَا الْإِشَارَة فِي قَوْله ﷺ: " النَّفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذَلِك، ويكذبه ".
وَلنْ ترى خلقا إِلَّا وَله أَعمال وهيئات يشار بهَا إِلَيْهِ، ويعبر بهَا عَنهُ وتتمثل صورتهَا مكشافا لَهُ، فَلَو أَن إنْسَانا وصف إنْسَانا آخر بالشجاعة واستفسر، فَبين لم يبين إِلَّا معالجاته الشَّديد، أَو بالسخاوة لم يبين إِلَّا دَرَاهِم ودنانير يبذلها، وَلَو أَن إنْسَانا أَرَادَ أَن يستحضر صُورَة الشجَاعَة والسخاوة اضْطر إِلَى صور تِلْكَ الْأَعْمَال اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون قد غير فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا، وَلَو أَن وَاحِدًا أَرَادَ أَن يحصل خلقا لَيْسَ فِيهِ، فَلَا سَبِيل لَهُ إِلَى ذَلِك إِلَّا الْوُقُوع فِي مظانة، وتجشم الْأَعْمَال الْمُتَعَلّقَة بِهِ، وتذكر وقائع الأقوياء
[ ٦٩ ]
من أَهله، ثمَّ الْأَعْمَال هِيَ الْأُمُور المضبوطة الَّتِي تقصد بالتوقيت، وَترى، وتبصر، وتحكي، وتؤثر، وَتدْخل تَحت الْقُدْرَة وَالِاخْتِيَار، وَيُمكن أَن يُؤَاخذ بهَا وَعَلَيْهَا، ثمَّ النُّفُوس لَيست سَوَاء فِي إحصاء الْأَعْمَال والملكات عَلَيْهَا:
فَمِنْهَا نفوس قَوِيَّة تتمثل عِنْدهَا الملكات أَكثر من الْأَعْمَال، فَلَا يعد من كمالها بِالْأَصَالَةِ إِلَّا الْأَخْلَاق، وَلَكِن تتمثل الْأَعْمَال لَهَا لِأَنَّهَا قوالبها
وصورها، فيحصى عَلَيْهَا الْأَعْمَال إحصاء أَضْعَف من إحصاء الْأَخْلَاق بِمَنْزِلَة مَا يتَمَثَّل فِي الرُّؤْيَا من أشباح الْمَعْنى المُرَاد كالختم على الأفراه والفروج.
وَمِنْهَا نفوس ضَعِيفَة تحسب أَعمالهَا عين كمالها لعدم اسْتِقْلَال الهيئات النفسانية، فَلَا تتمثل إِلَّا مضمحلة فِي الْأَعْمَال، فيحصى عَلَيْهَا أنفس الْأَعْمَال وهم أَكثر النَّاس وهم المحتاجون جدا إِلَى التَّوْقِيت الْبَالِغ ولهذه الْمعَانِي عظم الاعتناء بِالْأَعْمَالِ فِي النواميس الإلهية، ثمَّ إِن كثيرا من الْأَعْمَال يسْتَقرّ فِي الْمَلأ الْأَعْلَى، وَيتَوَجَّهُ إِلَيْهِ استحسانهم أَو استهجانهم بِالْأَصَالَةِ مَعَ قطع النّظر عَن الهيئات النفسانية الَّتِي تصدر عَنْهَا، فَيكون أَدَاء الصَّالح مِنْهَا بِمَنْزِلَة قبُول إلهام من الْمَلأ الْأَعْلَى فِي التَّقَرُّب مِنْهُم والتشبه بهم واكتساب أنوارهم وَيكون اقتراف السَّيئَة مِنْهَا خلاف لذَلِك.
وَهَذَا الاستقراء يكون بِوُجُوه: مِنْهَا أَنهم يتلقون من بارئهم أَن نظام الْبشر لَا يصلح إِلَّا بأَدَاء أَعمال والكف عَن أَعمال، فتمثل تِلْكَ الْأَعْمَال عِنْدهم، ثمَّ تنزل فِي الشَّرَائِع من هُنَالك.
وَمِنْهَا أَن نفوس الْبشر الَّتِي مارست ولازمت الْأَعْمَال إِذا انْتَقَلت إِلَى الْمَلأ الْأَعْلَى، وَتوجه إِلَيْهَا استحسانهم واستهجانهم، وَمضى على ذَلِك الْقُرُون والدهور اسْتَقَرَّتْ صور الْأَعْمَال عِنْدهم، وَبِالْجُمْلَةِ فتؤثر الْأَعْمَال حِينَئِذٍ تَأْثِير العزائم والرقى المأثورة عَن السّلف بهيئتها وصفاتها وَالله أعلم.
[ ٧٠ ]