قَالَ الله تَعَالَى:
﴿شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى أَن أقِيمُوا الدّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ﴾
قَالَ مُجَاهِد: أوصيناك يَا مُحَمَّد وإياهم دينا وَاحِدًا، وَقَالَ تَعَالَى:
﴿وَإِن هَذِه أمتكُم أمة وَاحِدَة وَأَنا ربكُم فاتقون فتقطعوا أَمرهم بَينهم زبرا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ﴾
يَعْنِي مِلَّة الْإِسْلَام ملتكم، / فتقطعوا يَعْنِي الْمُشْركين وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَقَالَ تَعَالَى:
﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا﴾
قَالَ ابْن عَبَّاس: سَبِيلا وَسنة وَقَالَ الله تَعَالَى:
﴿لكل أمة جعلنَا منسكا هم ناسكوه﴾
يَعْنِي شَرِيعَة هم عاملون بهَا.
اعْلَم أَن أصل الدّين وَاحِد اتّفق عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاء ﵈، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِي الشَّرَائِع والمناهج.
تَفْصِيل ذَلِك أَنه أجمع الْأَنْبِيَاء ﵈ على تَوْحِيد الله تَعَالَى عبَادَة واستعانة،
[ ١٥٩ ]
وتنزيهه عَمَّا لَا يَلِيق بجنابه، وَتَحْرِيم الْإِلْحَاد فِي أَسْمَائِهِ، وَأَن حق الله على عباده أَن يعظموه تَعْظِيمًا لَا يشوبه تَفْرِيط، وَأَن يسلمُوا وُجُوههم وَقُلُوبهمْ إِلَيْهِ، وَأَن يتقربوا بشعائر الله إِلَى الله، وَأَنه قدر جَمِيع الْحَوَادِث، قبل أَن يخلقها، وَأَن لله مَلَائِكَة لَا يعصونه فِيمَا أَمر، ويفعلون مَا يأمرون، وَأَنه ينزل الْكتاب على من يَشَاء من عباده، ويفرض طَاعَته على النَّاس، وَأَن الْقِيَامَة حق، والبعث بعد الْمَوْت حق، وَالْجنَّة، وَالنَّار حق، وَكَذَلِكَ أَجمعُوا على أَنْوَاع الْبر من الطَّهَارَة وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج والتقرب إِلَى الله بنوافل الطَّاعَات من الدُّعَاء وَالذكر وتلاوة الْكتاب الْمنزل من الله، وَكَذَلِكَ أَجمعُوا على النِّكَاح وَتَحْرِيم السفاح وَإِقَامَة الْعدْل بَين النَّاس وَتَحْرِيم الْمَظَالِم وَإِقَامَة الْحُدُود على أهل الْمعاصِي وَالْجهَاد مَعَ أَعدَاء الله وَالِاجْتِهَاد فِي إِشَاعَة أَمر الله وَدينه، فَهَذَا أصل الدّين، وَلذَلِك لم يبْحَث الْقُرْآن الْعَظِيم عَن لمية هَذِه الْأَشْيَاء إِلَّا مَا شَاءَ الله، فَإِنَّهَا كَانَت مسلمة فِيمَن نزل الْقُرْآن على ألسنتهم، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَاف فِي صور هَذِه الْأُمُور وأشباحها، فَكَانَ من شَرِيعَة مُوسَى ﵇ الِاسْتِقْبَال فِي الصَّلَاة إِلَى بَيت الْمُقَدّس، وَفِي شَرِيعَة نَبينَا ﷺ إِلَى الْكَعْبَة، وَكَانَ من شَرِيعَة مُوسَى ﵇ الرَّجْم فَقَط، وَجَاءَت فِي شريعتنا بِالرَّجمِ للمحصن وَالْجَلد لغيره، وَكَانَ فِي شَرِيعَة مُوسَى ﵇ الْقصاص فَقَط، وَجَاءَت شريعتنا بِالْقصاصِ وَالدية جَمِيعًا، وعَلى ذَلِك اخْتلَافهمْ فِي أَوْقَات الطَّاعَات وآدابها وأركانها.
وَبِالْجُمْلَةِ فالأوضاع الْخَاصَّة الَّتِي مهدت، وبنيت بهَا أَنْوَاع الْبر والارتفاقات هِيَ الشرعة والمنهاج
وَاعْلَم أَن الطَّاعَات الَّتِي امْر الله تَعَالَى بهَا فِي جَمِيع الْأَدْيَان إِنَّمَا هِيَ أَعمال تنبعث من الهيئات النفسانية الَّتِي هِيَ فِي الْمعَاد للنفوس أَو عَلَيْهَا، وتمد فِيهَا
وتشرحها، وَهِي أشباحها وتماثيلها، وَلَا جرم أَن ميزانها وملاك أمرهَا تِلْكَ الهيئات، فَمن لم يعرفهَا لم يكن من الْأَعْمَال على بَصِيرَة، فَرُبمَا اكْتفى بِمَا لَا يَكْفِي، وَرُبمَا صلى بِلَا قِرَاءَة وَلَا دُعَاء، يُفِيد فَلَا بُد من سياسة عَارِف حق الْمعرفَة يضْبط الخفى المشتبه بأمارات وَاضِحَة، ويجعلها أمرا محسوسا يميزه الأداني والأقاصي، وَلَا يشْتَبه عَلَيْهِم ليطالبوا بِهِ ويؤاخذوا عَلَيْهِ على حجَّة من الله واستطاعة مِنْهُم
والآثام رُبمَا تشتبه بِمَا لَيْسَ باثم كَقَوْل الْمُشْركين:
﴿إِنَّمَا البيع مثل الرِّبَا﴾
[ ١٦٠ ]
إِمَّا لقُصُور الْعلم، أَو لغَرَض دُنْيَوِيّ يفْسد بصيرته، فمست الْحَاجة إِلَى أَمَارَات يتَمَيَّز بهَا الاثم من غَيره، وَلَو لم يؤقت الْأَوْقَات لاستكثر بَعضهم الْقَلِيل من الصَّلَاة وَالصَّوْم، فَلم يغن ذَلِك عَنْهُم شَيْئا، وَلم تمكن المعاقبة على تسللهم واحتيالهم، وَلَو لم يعين لَهُم الْأَركان والشروط لخبطوا خبط عشواء وَلَوْلَا الْحُدُود لم ينزجر أهل الطغيان.
وَبِالْجُمْلَةِ فجمهور النَّاس لَا يتم تكليفهم إِلَّا بأوقات وأركان وشروط وعقوبات وَأَحْكَام كُلية، وَنَحْو ذَلِك، وَإِذا شِئْت أَن تعرف للتشريع ميزانا، فَتَأمل حَال الطَّبِيب الحاذق عِنْدَمَا يجْتَهد فِي سياسة المرضى، ويخبرهم بِمَا لَا يعْرفُونَ، ويكلفهم بِمَا لَا يحيطون بدقائقه علما كَيفَ يعمد إِلَى مظنات محسوسة، فيقيمها مقَام الْأُمُور الْخفية كَمَا يُقيم حمرَة الْبشرَة وَخُرُوج الدَّم من اللثة مقَام غَلَبَة الدَّم، وَكَيف ينظر إِلَى قُوَّة الْمَرَض وَسن الْمَرِيض وبلده وفصله وَإِلَى قُوَّة الدَّوَاء وَجَمِيع مَا هُنَاكَ، فيحدس بِمِقْدَار خَاص من الدَّوَاء يلائم الْحَال، فيكلفه بِهِ، وَرُبمَا اتخذ قَاعِدَة كُلية من قبل إِقَامَة المظنة
مقَام سَبَب الْمَرَض وَإِقَامَة هَذَا الْقدر الَّذِي تفطن بِهِ من الدَّوَاء مقَام إِزَالَة الْمَادَّة المؤذية أَو تَغْيِير هيئتها الْفَاسِدَة، فَيَقُول مثلا: من احْمَرَّتْ بَشرته ودميت لثته وَجب عَلَيْهِ بِحكم الطِّبّ أَن يحتسي على الرِّيق شراب الْعنَّاب أَو مَاء الْعَسَل، وَمن لم يفعل ذَلِك فَإِنَّهُ على شرف الْهَلَاك، وَيَقُول: من تنَاول من معجون كَذَا وَكَذَا وزن مِثْقَال زَالَ عَنهُ مرض كَذَا، وَأمن من مرض كَذَا، فيؤثر عَنهُ تِلْكَ الْكُلية، وَيعْمل بهَا، فَيجْعَل الله فِي ذَلِك نفعا كثيرا، وَتَأمل حَال الْملك الْحَكِيم النَّاظر فِي إصْلَاح الْمَدِينَة وسياسة الجيوش كَيفَ ينظر إِلَى الْأَرَاضِي وريعها، وَإِلَى الزراع ومؤنتهم، وَإِلَى الحراس وكفايتهم، فَيضْرب الْعشْر وَالْخَرَاج حسب ذَلِك، وَكَيف يُقيم هيئات محسوسة وقرائن مقَام الْأَخْلَاق والملكات الَّتِي يجب وجودهَا فِي الأعوان، فيتخذهم على ذَلِك القانون وَكَيف ينظر إِلَى الْحَاجَات الَّتِي لَا بُد من كفايتها، وَإِلَى الأعوان وكثرتهم، فيوزعهم توزيعا يَكْفِي الْمَقْصُود، وَلَا يضيق عَلَيْهِم، وَتَأمل حَال معلم الصّبيان بِالنِّسْبَةِ إِلَى صبيانه، وَالسَّيِّد بِالنِّسْبَةِ إِلَى غلمانه يُرِيد هَذَا تعليمهم، وَذَلِكَ كِفَايَة الْحَاجة الْمَقْصُودَة بِأَيْدِيهِم، وهم لَا يعْرفُونَ حَقِيقَة الْمصلحَة، وَلَا يرغبون فِي إِقَامَتهَا، ويتسللون، ويعتذرون، يَعْتَذِرُونَ، ويحتالون كَيفَ يعرفان مَظَنَّة الثلمة قبل وُقُوعهَا، فيسدان الْخلَل، وَلَا يخاطبانهم إِلَّا بطريقة لَيْلهَا نَهَارهَا، ونهارها لَيْلهَا، لَا يَجدونَ مِنْهَا حِيلَة، وَلَا يتمكنون من التسلل وَهِي تقضي إِلَى الْمَقْصُود من حَيْثُ يعلمُونَ أَو لَا يعلمُونَ.
[ ١٦١ ]
وَبِالْجُمْلَةِ فَكل من تولى لإِصْلَاح جم غفير مُخْتَلفَة استعدادهم، وَلَيْسوا من الْأَمر على بَصِيرَة وَلَا فِيهِ على رَغْبَة يضْطَر إِلَى تَقْدِير وتوقيت وَتَعْيِين أوضاع وهيئات يَجْعَلهَا الْعُمْدَة فِي الْمُطَالبَة والمؤاخذة.
وَأعلم أَن الله تَعَالَى لما اراد ببعثة الرُّسُل أَن يخرج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النُّور، فَأوحى إِلَيْهِم أمره لذَلِك، وَألقى عَلَيْهِم نوره، وَنَفث فيهم الرَّغْبَة
فِي إصْلَاح الْعَالم، وَكَانَ اهتداء الْقَوْم يَوْمئِذٍ لَا يتَحَقَّق إِلَّا بِأُمُور ومقدمات وَجب فِي حِكْمَة الله أَن يلتوى جَمِيع ذَلِك فِي إِرَادَة بعثتهم، وَأَن يكون افتراض طَاعَة الرُّسُل وانقيادهم منفسحا إِلَى افتراض مُقَدمَات الْإِصْلَاح، وكل مَا لَا يتم فِي الْعقل أَو الْعَادة إِلَّا بِهِ فَإِنَّهُ جملَة بجر بَعْضهَا بَعْضًا، وَالله لَا يخفى عَلَيْهِ خافية، وَلَيْسَ فِي دين الله جزاف، فَلَا يعين شَيْء دون نَظَائِره إِلَّا بِحكم وَأَسْبَاب يعلمهَا الراسخون فِي الْعلم، وَنحن نُرِيد ان ننبه على جملَة صَالِحَة من تِلْكَ الحكم والأسباب، وَالله أعلم.