وَاعْلَم أَن الصِّيغَة الدَّالَّة على الرِّضَا والسخط هِيَ الْحبّ والبغض، وَالرَّحْمَة واللعنة، والقرب والبعد وَنسبَة الْفِعْل إِلَى المرضيين أَو المسخوطين كالمؤمنين وَالْمُنَافِقِينَ، وَالْمَلَائِكَة وَالشَّيَاطِين، وَأهل الْجنَّة وَالنَّار والطلب وَالْمَنْع، وَبَيَان الْجَزَاء الْمُتَرَتب على الْفِعْل، والتشبيه بمحمود فِي الْعرف أَو مَذْمُوم، واهتمام النَّبِي ﷺ بِفِعْلِهِ أَو اجتنابه عَنهُ مَعَ حُضُور دواعيه.
وَأما التَّمْيِيز بَين دَرَجَات الرِّضَا والسخط من الْوُجُوب وَالنَّدْب وَالْحُرْمَة والكراهية، فأصرحه مَا بَين حَال مخالفه مثل " من لم يؤد زَكَاة مَاله مثل لَهُ " الحَدِيث وَقَوله ﷺ " وَمن لَا فَلَا حرج "، ثمَّ اللَّفْظ مثل يجب، وَلَا يحل، وَجعل الشَّيْء ركن الْإِسْلَام أَو الْكفْر، وَالتَّشْدِيد الْبَالِغ على فعله، أَو تَركه، وَمثل - لَيْسَ من الْمُرُوءَة، وَلَا يَنْبَغِي -، ثمَّ حكم الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي ذَلِك كَقَوْل عمر ﵁: إِن سَجْدَة التِّلَاوَة لَيست بواجبة، وَقَول عَليّ ﵁: إِن الْوتر لَيْسَ بِوَاجِب، ثمَّ حَال الْمَقْصد من كَونه تكميلا لطاعة أَو سدا لذريعة إِثْم أَو من بَاب الْوَقار وَحسن الْأَدَب.
وَأما معرفَة الْعلَّة والركن وَالشّرط فأصرحها مَا يكون بِالنَّصِّ مثل " كل مُسكر حرَام " " لَا صَلَاة لمن لم يقْرَأ بِأم الْكتاب " " لَا تقبل صَلَاة أحدكُم حَتَّى يتَوَضَّأ "، ثمَّ بِالْإِشَارَةِ والإيماء مثل قَول الرجل: " واقعت أَهلِي فِي رَمَضَان قَالَ: " أعتق رَقَبَة "، وَتَسْمِيَة الصَّلَاة قيَاما وركوعا وسجودا يفهم أَنَّهَا أَرْكَانهَا.
قَوْله ﷺ: " دعهما فَإِنِّي أدخلتهما طاهرتين " يفهم اشْتِرَاط الطَّهَارَة عِنْد لبس الْخُفَّيْنِ،
[ ٢٣٦ ]
ثمَّ أَن يكثر الحكم بِوُجُود الشَّيْء عِنْد وجوده أَو عَدمه عِنْد عَدمه حَتَّى يَتَقَرَّر فِي الذِّهْن عَلَيْهِ الشَّيْء أَو ركنيته أَو شرطيته بِمَنْزِلَة مَا يدب فِي ذهن الْفَارِسِي من معرفَة مَوْضُوعَات اللُّغَة الْعَرَبيَّة عِنْد ممارسة الْعَرَب واستعمالهم إِيَّاهَا فِي الْمَوَاضِع المقرونة بالقرائن من حَيْثُ لَا يدْرِي، وَإِنَّمَا مِيزَانه نفس تِلْكَ الْمعرفَة فَإِذا رَأينَا الشَّارِع كلما صلى ركع، وَسجد، وَدفع عَنهُ الزّجر، وتكرر ذَلِك جزمنا بِالْمَقْصُودِ، وَإِن شِئْت الْحق فَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد فِي معرفَة الْأَوْصَاف النفسية مُطلقًا، فَإِذا رَأينَا النَّاس يجمعُونَ الْخشب، ويصنعون مِنْهُ شَيْئا يجلس عَلَيْهِ، ويسمونه السرير نَزَعْنَا من ذَلِك أَوْصَافه النفسية، ثمَّ تَخْرِيج لمناط اعْتِمَادًا على وجدان مُنَاسبَة أَو على السبر والحذف.
وَأما معرفَة الْمَقَاصِد الَّتِي بني عَلَيْهَا الْأَحْكَام فَعلم دَقِيق لَا يَخُوض فِيهِ إِلَّا من لطف ذهنه، واستقام فهمه، وَكَانَ فُقَهَاء الصَّحَابَة تلقت أصُول الطَّاعَات والآثام من المشهورات الَّتِي أجمع عَلَيْهَا الْأُمَم الْمَوْجُودَة يَوْمئِذٍ كمشركي الْعَرَب كاليهود وَالنَّصَارَى، فَلم تكن لَهُم حَاجَة إِلَى معرفَة لمياتها، وَلَا الْبَحْث عَمَّا يتَعَلَّق بذلك.
أما قوانين التشريع والتيسير وَأَحْكَام الدّين فتلقوها من مُشَاهدَة مواقع الْأَمر وَالنَّهْي، كَمَا أَن جلساء الطَّبِيب يعْرفُونَ مَقَاصِد الْأَدْوِيَة الَّتِي يَأْمر بهَا بطول المخالطة والممارسة، وَكَانُوا فِي الدرجَة الْعليا من مَعْرفَتهَا، وَمِنْه قَول عمر ﵁ لمن أَرَادَ أَن يصل النَّافِلَة بالفريضة: بِهَذَا هلك من قبلكُمْ، فَقَالَ النَّبِي ﷺ: " أصَاب الله بك يَا ابْن الْخطاب " وَقَول ابْن عَبَّاس ﵄ فِي بَيَان سَبَب الْأَمر بِغسْل يَوْم الْجُمُعَة، وَقَول عمر ﵁: وَافَقت رَبِّي فِي ثَلَاث: وَقَول زيد ﵁ فِي الْبيُوع
الْمنْهِي عَنْهَا: إِنَّه كَانَ يُصِيب الثِّمَار مراض قشام دمان الخ، وَقَول عَائِشَة ﵂: " لَو أردك النَّبِي ﷺ مَا أحدثه النِّسَاء لمنعهن من الْمَسَاجِد كَمَا منعت نسَاء بني إِسْرَائِيل ".
وأصرح طرقها مَا بَين فِي نَص الْكتاب وَالسّنة مثل. ﴿
[ ٢٣٧ ]
وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة يَا أولي الْأَلْبَاب﴾ .
وَقَوله تَعَالَى: ﴿علم الله أَنكُمْ كُنْتُم تختانون أَنفسكُم فَتَابَ عَلَيْكُم وَعَفا عَنْكُم﴾ .
وَقَوله تَعَالَى: ﴿الْآن خفف الله عَنْكُم وَعلم أَن فِيكُم ضعفا﴾ .
وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِلَّا تفعلوه تكن فتْنَة فِي الأَرْض وَفَسَاد كَبِير﴾ .
وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَن تضل إِحْدَاهمَا فَتذكر إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى﴾ .
وَقَوله ﷺ: " لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده " وَقَوله ﷺ: " إِن الشَّيْطَان يبيت على خيشومه " ثمَّ مَا أُشير إِلَيْهِ أَو أومئ مثل قَوْله ﷺ: " اتَّقوا اللاعنين " وَقَوله ﷺ: " وكاء السه العينان " ثمَّ مَا ذكره الصَّحَابِيّ الْفَقِيه، ثمَّ تَخْرِيج المناط بِوَجْه يرجع إِلَى مقصد ظهر اعْتِبَاره أَو اعْتِبَار نَظِيره فِي نَظِير الْمَسْأَلَة، وَلَيْسَ فِي الْأَمر جزاف فَيجب أَن يبْحَث عَن الْمَقَادِير لم عينت دون نظائرها، وَعَن مخصصات الْعُمُوم لم استثنيت لفقد الْمَقْصد أَو لقِيَام مَانع يرجح عِنْد التَّعَارُض وَالله أعلم.