قَالَ الله تَعَالَى:
﴿وكل إِنْسَان ألزمناه طَائِره فِي عُنُقه وَنخرج لَهُ يَوْم الْقِيَامَة كتابا يلقاه منشورا اقْرَأ كتابك كفى بِنَفْسِك الْيَوْم عَلَيْك حسيبا﴾ .
وَقَالَ النَّبِي ﷺ رَاوِيا عَن ربه ﵎: " إِنَّمَا هِيَ أَعمالكُم أحصيها عَلَيْكُم، ثمَّ أوفيكم إِيَّاهَا، فَمن وجد خيرا فليحمد الله، وَمن وجد غير ذَلِك، فَلَا يَلُومن الا نَفسه " وَقَالَ ﷺ: " النَّفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذَلِك، ويكذبه ".
اعْلَم أَن الْأَعْمَال الَّتِي يقصدها الْإِنْسَان قصدا مؤكدا، والأخلاق الَّتِي هِيَ راسخة فِيهِ، تنبعث من أصل النَّفس الناطقة، ثمَّ تعود إِلَيْهَا، ثمَّ تتشبث بذيلها، وتحصي عَلَيْهَا إِمَّا الانبعاث مِنْهَا، فَلَمَّا عرفت أَن للملكية والبهيمية واجتماعهما أقساما وَلكُل قسم حكما، وَغَلَبَة المزاج الطبيعي والانصباغ من الْمَلَائِكَة وَالشَّيَاطِين وَنَحْو ذَلِك من الْأَسْبَاب لَا تكون إِلَّا حسب مَا تعطيه الجبلة، وَتحصل فِيهِ الْمُنَاسبَة، فَلذَلِك كَانَ الْمرجع إِلَى أصل النَّفس بوسط أَو بِغَيْر وسط. أَلَسْت ترى المخنث يخلق فِي أول مرّة على مزاج رَكِيك، فيستدل بِهِ الْعَارِف على أَنه أَن شب على مزاجه وَجب أَن يعْتَاد بعادات النِّسَاء، ويتزيا بزيهن، وينتحل رسومهن، وَكَذَلِكَ يدْرك الطَّبِيب أَن الطِّفْل إِن شب على مزاجه، وَلم يفجأه عَارض كَانَ قَوِيا فارها، أَو ضَعِيفا ضارعا، وَأما الْعود إِلَيْهَا فلَان الْإِنْسَان إِذا عمل عملا، فَأكْثر مِنْهُ
اعتادته النَّفس، وَسَهل صدوره مِنْهَا، وَلم يحْتَج إِلَى روية وتجشم دَاعِيَة، فَلَا جرم أَن النَّفس تأثرت مِنْهُ، وَقبلت لَونه، وَلَا جرم أَن لكل عمل من تِلْكَ الْأَعْمَال المتجانسة
[ ٦٧ ]
مدخلًا فِي ذَلِك التأثر، وَإِن دق، وخفي مَكَانَهُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة فِي قَوْله: ﷺ " تعرض الْفِتَن على الْقُلُوب كالحصير عودا عودا، فَأَي قلب أشر بهَا نكتت فِيهِ نُكْتَة سَوْدَاء، وَأي قلب، أنكرها نكتت فِيهِ نُكْتَة بَيْضَاء حَتَّى تصير على قلبين أَبيض مثل الصَّفَا، فَلَا تضره فتْنَة مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَالْآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لَا يعرف مَعْرُوفا، وَلَا يُنكر مُنْكرا إِلَّا مَا أشْرب من هَوَاهُ ".
وَأما التشبث بذيلها فلَان النَّفس فِي أول أمرهَا تخلق هيولانية فارغة عَن جَمِيع مَا تنصبغ بِهِ، ثمَّ لَا تزَال تخرج من الْقُوَّة إِلَى الْفِعْل يَوْمًا فيوما، وكل حَالَة مُتَأَخِّرَة لَهَا معد من قبلهَا، والمعدات كلهَا سلسلة مترتبة، لَا يتَقَدَّم متأخرها على مُتَقَدم مستصحب فِي هَيْئَة النَّفس الْمَوْجُودَة الْيَوْم حكم كل معد قبلهَا وَإِن خَفِي عَلَيْهَا بِسَبَب اشتغالها بِمَا هُوَ خَارج مِنْهَا اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يفنى حَامِل الْقُوَّة المنبعثة تِلْكَ الْأَعْمَال مِنْهَا كَمَا ذكرنَا فِي الشَّيْخ وَالْمَرِيض، أَو تهجم عَلَيْهَا هَيْئَة من فَوْقهَا نظامها كالتغير الْمَذْكُور كَمَا قَالَ الله تَعَالَى:
﴿أَن الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات﴾ .
وَقَالَ: ﴿لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك﴾
وَأما الإحصاء عَلَيْهَا، فسره على مَا وجدته بالذوق أَن فِي الحيز الشاهق تظهر صُورَة لكل إِنْسَان بِمَا يُعْطِيهِ النظام الفوقاني وَالَّتِي ظَهرت فِي قصَّة الْمِيثَاق شُعْبَة مِنْهَا، فَإِذا وجد هَذَا الشَّخْص انطبقت الصُّورَة عَلَيْهِ، واتحدت مَعَه، فَإِذا عمل عملا انشرحت هَذِه الصُّورَة بذلك الْعَمَل انشراحا طبيعيا بِلَا اخْتِيَار مِنْهُ، فَرُبمَا تظهر فِي الْمعَاد أَن أَعمالهَا محصاة عَلَيْهَا من فَوْقهَا، وَمِنْه قِرَاءَة الصُّحُف، وَرُبمَا تظهر أَن أَعمالهَا فِيهَا متشبثة بأعضائها، وَمِنْهَا نطق الْأَيْدِي والأرجل.
ثمَّ كل صُورَة عمل مفصحة عَن ثَمَرَته فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وَرُبمَا تتَوَقَّف الْمَلَائِكَة فِي تَصْوِيره، فَيَقُول الله تَعَالَى اكتبوا الْعَمَل كَمَا هُوَ، قَالَ الْغَزالِيّ: كل مَا قدرَة الله تَعَالَى من ابْتِدَاء خلق الْعَالم إِلَى آخِره مسطور ومثبت
[ ٦٨ ]
فِي خلق خلقه الله تَعَالَى، يعبر عَنهُ تَارَة باللوح، وَتارَة بِالْكتاب الْمُبين، وَتارَة بِإِمَام مُبين، كَمَا ورد فِي الْقُرْآن، فَجَمِيع مَا جرى فِي الْعَالم، وَمَا سيجري مَكْتُوب فِيهِ، ومنقوش عَلَيْهِ نقشا لَا يُشَاهد بِهَذِهِ الْعين. وَلَا تَظنن أَن ذَلِك اللَّوْح من خشب أَو حَدِيد أَو عظم، وَأَن الْكتاب من كاغد أَو ورق، بل يَنْبَغِي أَن تفهم قطعا أَن لوح الله لَا يشبه لوح الْخلق، وَكتاب الله لَا يشبه كتاب الْخلق، كَمَا أَن ذَاته وَصِفَاته لَا تشبه ذَات الْخلق وصفاتهم، بل أَن كنت تطلب لَهُ مِثَالا يقربهُ إِلَى فهمك، فَاعْلَم أَن ثُبُوت الْمَقَادِير فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ يضاهي ثُبُوت كَلِمَات الْقُرْآن وحروفه فِي دماغ حَافظ الْقُرْآن وَقَلبه، فَإِنَّهُ مسطور فِيهِ حَتَّى كَأَنَّهُ حَيْثُ يقْرَأ ينظر إِلَيْهِ، وَلَو فتشت دماغه جُزْءا جُزْءا لم تشاهد من ذَلِك الْخط حرفا، فَمن هَذَا النمط يَنْبَغِي أَن تفهم كَون اللَّوْح مَنْقُوشًا بِجَمِيعِ مَا قدره الله تَعَالَى وقضاه انْتهى، ثمَّ كثيرا مَا تتذكر النَّفس مَا عملته من خير أَو شَرّ، وتتوقع جزاءه، فَيكون ذَلِك وَجها آخر من وُجُوه اسْتِقْرَار عمله وَالله أعلم.