﴿لَا جنَاح عَلَيْكُم إِن طلّقْتُم النِّسَاء مَا لم تمَسُّوهُنَّ أَو تفرضوا لَهُنَّ فَرِيضَة ومتعوهن على الموسع قدره وعَلى المقتر قدره مَتَاعا بِالْمَعْرُوفِ حَقًا على الْمُحْسِنِينَ وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ وَقد فرضتم لَهُنَّ فَرِيضَة فَنصف مَا فرضتم إِلَّا أَن يعفون أَو يعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح وَأَن تعفوا أقرب للتقوى وَلَا تنسوا الْفضل بَيْنكُم﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿لَا جنَاح عَلَيْكُم إِن طلّقْتُم النِّسَاء مَا لم تمَسُّوهُنَّ﴾ أَي مُدَّة عدم مسيسكم أَو غير ماسين لَهُنَّ أَو اللَّاتِي لم تمَسُّوهُنَّ أَي مَا لم تجامعوهن ﴿أَو تفرضوا لَهُنَّ فَرِيضَة﴾ أَي أَلا تفرضوا وَقيل حَتَّى تفرضوا وَقيل وتفرضوا وَلست أرى لهَذَا التَّطْوِيل وَجها وَمعنى الْآيَة أوضح من أَن يلتبس فَإِن الله سُبْحَانَهُ رفع الْجنَاح عَن المطلقين مَا لم يَقع أحد الْأَمريْنِ أَي مُدَّة انتقاء ذَلِك الْأَحَد وَلَا يَنْتَفِي الْأَحَد الْمُبْهم إِلَّا بِانْتِفَاء الْأَمريْنِ
[ ٥٠ ]
مَعًا فَإِن وجد الْمَسِيس وَجب الْمُسَمّى أَو مهر الْمثل وَإِن وجد الْفَرْض وَجب نصفه مَعَ عدم الْمَسِيس وكل وَاحِد مِنْهُمَا جنَاح أَي الْمُسَمّى أَو مهر الْمثل أَو نصفه
فَائِدَة اعْلَم أَن المطلقات أَربع مُطلقَة مَدْخُول بهَا مَفْرُوض لَهَا وَهِي الَّتِي تقدم ذكرهَا قبل هَذِه الْآيَة وفيهَا نهي الْأزْوَاج عَن أَن يَأْخُذُوا مِمَّا آتوهن شَيْئا وَأَن عدتهن ثَلَاثَة قُرُوء ومطلقة غير مَفْرُوض لَهَا وَلَا مَدْخُول بهَا وَهِي الْمَذْكُورَة هُنَا فَلَا مهر لَهَا بل الْمُتْعَة وَبَين فِي سُورَة الْأَحْزَاب أَن غير الْمَدْخُول بهَا إِذا طلقت فَلَا عدَّة عَلَيْهَا ومطلقة مَفْرُوض لَهَا غير مَدْخُول بهَا وَهِي الْمَذْكُورَة فِيمَا سَيَأْتِي بقوله سُبْحَانَهُ ﴿وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ﴾ الْآيَة ومطلقة مَدْخُول بهَا غير مَفْرُوض لَهَا وَهِي الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورهنَّ﴾
وفريضة فِيهَا وَجْهَان أَحدهمَا أَنَّهَا مفعول بِهِ وَالتَّقْدِير شَيْئا مَفْرُوضًا وَالثَّانِي أَن تكون مصدرا أَي تفرضوا لَهُنَّ فرضا واستجود أَبُو الْبَقَاء الْوَجْه الأول
﴿ومتعوهن﴾ أَي أعطوهن شَيْئا يكون مَتَاعا لَهُنَّ وَظَاهر الْأَمر الْوُجُوب وَبِه قَالَ جمَاعَة وَمن أَدِلَّة الْوُجُوب قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نكحتم الْمُؤْمِنَات ثمَّ طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ فَمَا لكم عَلَيْهِنَّ من عدَّة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا﴾ وَقَالَ مَالك وَغَيره إِنَّهَا مَنْدُوبَة لَا وَاجِبَة لقَوْله تَعَالَى ﴿حَقًا على الْمُحْسِنِينَ﴾ وَلَو كَانَت وَاجِبَة لأطلقها على الْخلق أَجْمَعِينَ وَيُجَاب عَنهُ بِأَن ذَلِك لَا يُنَافِي الْوُجُوب بل هُوَ تَأْكِيد لَهُ كَمَا فِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿حَقًا على الْمُتَّقِينَ﴾ وكل مُسلم يجب عَلَيْهِ أَن يحسن وَيَتَّقِي
ثمَّ اخْتلف فَقيل أَنَّهَا مَشْرُوعَة لكل مُطلقَة وَبِه قَالَ الشَّافِعِي وَأحمد وَاخْتلفُوا هَل هِيَ وَاجِبَة أم مَنْدُوبَة فَقَط ثمَّ قَالُوا إِنَّهَا مُخْتَصَّة بالمطلقة
[ ٥١ ]
قبل الْبناء وَالْفَرْض لِأَن الْمَدْخُول بهَا تسْتَحقّ جَمِيع الْمُسَمّى أَو مهر الْمثل وَغير الْمَدْخُول بهَا الَّتِي قد فرض لَهَا تسْتَحقّ نصف الْمُسَمّى
وَقد وَقع الْإِجْمَاع على أَن الْمُطلقَة قبل الدُّخُول وَالْفَرْض لَا تسْتَحقّ إِلَّا الْمُتْعَة إِذا كَانَت حرَّة وَأما إِذا كَانَت أمة فَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن لَهَا الْمُتْعَة وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري لَا مُتْعَة لَهَا وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ لَا حد لَهَا مَعْرُوف بل مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم الْمُتْعَة وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِذا تنَازع الزَّوْجَانِ فِي قدر الْمُتْعَة يجب لَهَا نصف مهر مثلهَا وَلَا ينقص من خَمْسَة دَرَاهِم وللسلف فِيهَا أَقْوَال (على الموسع قدره وعَلى المقتر قدره) هَذَا يدل على أَن الِاعْتِبَار فِي ذَلِك بِحَال الزَّوْج فالمتعة من الْغَنِيّ فَوق الْمُتْعَة من الْفَقِير والموسع من اتسعت حَاله والمقتر الْمقل قَالَ ابْن عَبَّاس الْمس النِّكَاح وَالْفَرِيضَة الصَدَاق وَأمر الله أَن يمتعها على قدر عسره ويسره فَإِن كَانَ مُوسِرًا مَتعهَا بخادم وَإِن كَانَ مُعسرا مَتعهَا بِثَلَاثَة أَثوَاب أَو نَحْو ذَلِك وَعنهُ قَالَ مُتْعَة الطَّلَاق أَعْلَاهَا الْخَادِم وَدون ذَلِك الْوَرق وَدون ذَلِك الْكسْوَة وَعَن ابْن عمر أدنى مَا يكون من الْمُتْعَة ثَلَاثُونَ درهما ومتع الْحسن بن عَليّ ﵄ بِعشْرين ألفا وزقاق من عسل وَعَن شُرَيْح أَنه متع بِخَمْسِمِائَة دِرْهَم وَعَن ابْن سِيرِين أَنه كَانَ يمتع بالخادم وَالنَّفقَة وَالْكِسْوَة
قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ وَقد فرضتم لَهُنَّ فَرِيضَة فَنصف مَا فرضتم﴾ فِيهِ دَلِيل على أَن الْمُتْعَة لَا تجب لهَذِهِ الْمُطلقَة لوقوعها فِي مُقَابلَة الْمُطلقَة قبل الْبناء وَالْفَرْض الَّتِي تسْتَحقّ الْمُتْعَة أَي فَالْوَاجِب عَلَيْكُم نصف مَا سميتم لَهُنَّ من الْمهْر وَهَذَا مجمع عَلَيْهِ وَقد وَقع الِاتِّفَاق أَيْضا على أَن الْمَرْأَة الَّتِي لم يدْخل بهَا زَوجهَا وَمَات وَقد فرض لَهَا مهْرا تستحقه كَامِلا بِالْمَوْتِ وَله الْمِيرَاث وَعَلَيْهَا الْعدة وَاخْتلفُوا فِي الْخلْوَة هَل تقوم مقَام الدُّخُول وتستحق بهَا الْمَرْأَة كَامِل الْمهْر كَمَا تستحقه بِالدُّخُولِ أم لَا
[ ٥٢ ]
فَذهب إِلَى الأول مَالك وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم وَأهل الْكُوفَة وَالْخُلَفَاء الراشدون وَجُمْهُور أهل الْعلم وَتجب أَيْضا عِنْدهم الْعدة
وَقَالَ الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد لَا يجب إِلَّا نصف الْمهْر وَهُوَ ظَاهر الْآيَة لما تقدم من أَن الْمَسِيس هُوَ الْجِمَاع وَلَا تجب عِنْده الْعدة وَإِلَيْهِ ذهب جمَاعَة من السّلف ﴿إِلَّا أَن يعفون﴾ أَي المطلقات ﴿أَو يعْفُو الَّذِي بِيَدِهِ عقدَة النِّكَاح﴾ قيل هُوَ الزَّوْج وَبِه قَالَ الشَّافِعِي فِي الْجَدِيد وَأَبُو حنيفَة وَجَمَاعَة من السّلف وَرجحه ابْن جرير وَفِيه قُوَّة وَضعف وَقيل هُوَ الْوَالِي وَبِه قَالَ مَالك وَفِيه أَيْضا ضعف وَقُوَّة وَالرَّاجِح هُوَ القَوْل الأول ﴿وَأَن تعفوا أقرب للتقوى﴾ قيل خطاب للرِّجَال وَالنِّسَاء تَغْلِيبًا ﴿وَلَا تنسوا الْفضل بَيْنكُم﴾ وَمن جملَة ذَلِك أَن تتفضل الْمَرْأَة بِالْعَفو عَن النّصْف ويتفضل الرجل عَلَيْهَا بإكمال الْمهْر