﴿يَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة وكلا مِنْهَا رغدا حَيْثُ شئتما وَلَا تقربا هَذِه الشَّجَرَة فتكونا من الظَّالِمين فأزلهما الشَّيْطَان عَنْهَا فأخرجهما مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾
قَالَ الله تَعَالَى فِي سُورَة الْبَقَرَة ﴿يَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة﴾ أَي اتخذ الْجنَّة مأوى ومنزلا وَهُوَ مَحل السّكُون وَالزَّوْج هِيَ حَوَّاء بِالْمدِّ وَالزَّوْج فِي اللُّغَة الفصيحة بِغَيْر هَاء وَقد جَاءَ بهاء قَلِيلا كَمَا فِي صَحِيح مُسلم قَالَ يَا فلَان هَذِه زَوْجَتي فُلَانُهُ الحَدِيث وَكَانَ خلق حَوَّاء من ضلعه الْيُسْرَى فَلِذَا كَانَ كل إِنْسَان نَاقِصا ضلعا
[ ١٩ ]
من الْجَانِب الْأَيْسَر فجهة الْيَمين أضلاعها ثَمَانِي عشرَة وجهة الْيَسَار أضلاعها سبع عشرَة وقصة خلقهَا مبسوطة فِي كتب السّنة
وَاخْتلفُوا فِي الْجنَّة الَّتِي أَمر آدم وزوجه بسكناها فَقيل إِنَّهَا كَانَت فِي الأَرْض وَقيل هِيَ دَار الْجَزَاء وَالثَّوَاب وَقد استوعب الْعَلامَة ابْن الْقيم فِي كِتَابه حادي الْأَرْوَاح الى بِلَاد الأفراح أَدِلَّة الْفَرِيقَيْنِ وَلكُل وجهة هُوَ موليها وَصحح بَعضهم القَوْل الأول وَمِنْهُم من صحّح القَوْل الثَّانِي وَقيل كِلَاهُمَا مُمكن فَلَا وَجه للْقطع وَالْأولَى الْوَقْف وَالله تَعَالَى أعلم
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فأزلهما﴾ أَي استزل آدم وحواء الشَّيْطَان عَنْهَا أَي الْجنَّة ودعاهما إِلَى الزلة وَهِي الْخَطِيئَة وَقيل نحاهما قيل إِنَّه كَانَ ذَلِك بمشافهة مِنْهُ لَهما وَإِلَيْهِ ذهب الْجُمْهُور مستدلين بقوله تَعَالَى ﴿وقاسمهما إِنِّي لَكمَا لمن الناصحين﴾ والمقاسمة ظَاهرهَا المشافهة وَقيل لم يصدر مِنْهُ إِلَّا مُجَرّد الوسوسة والمفاعلة لَيست على بَابهَا بل للْمُبَالَغَة وَقيل غير ذَلِك ﴿فأخرجهما مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ أَي صرفهما عَمَّا كَانَا عَلَيْهِ من الطَّاعَة إِلَى الْمعْصِيَة وَقيل الضَّمِير إِلَى الْجنَّة وعَلى هَذَا فالفعل مضمن معنى أبعدهُمَا وَإِنَّمَا نسب ذَلِك إِلَى الشَّيْطَان لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي تولى إغواء آدم حَتَّى أكل من الشَّجَرَة
وَبِالْجُمْلَةِ فهبط آدم على سرنديب من أَرض الْهِنْد على جبل يُقَال لَهُ نود وأهبطت حَوَّاء على جدة وهما أصل هَذَا النَّوْع الانساني وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ مَا سكن آدم الْجنَّة إِلَّا مَا بَين صَلَاة الْعَصْر
[ ٢٠ ]
إِلَى غرُوب الشَّمْس أخرجه عبد بن حميد وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَعنهُ مَا غَابَتْ الشَّمْس من ذَلِك الْيَوْم حَتَّى أهبط من الْجنَّة وَعَن الْحسن قَالَ لبث آدم فِي الْجنَّة سَاعَة من نَهَار وَتلك السَّاعَة مائَة وَثَلَاثُونَ سنة من أَيَّام الدُّنْيَا
وَعَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَوْلَا لم تخن أُنْثَى زَوجهَا أخرجه البُخَارِيّ وَالْحَاكِم
وَقد روى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ حكايات فِي صفة هبوط آدم وزوجه من الْجنَّة وَمَا أهبط مَعَهُمَا وَمَا صنعا عِنْد وصولهما إِلَى الأَرْض فَلَا حَاجَة لنا ببسط جَمِيع ذَلِك فِي هَذَا الْكتاب وَذكر طرفا مِنْهَا ابْن الْقيم فِي الْحَادِي فَرَاجعه