﴿ويسألونك عَن الْمَحِيض قل هُوَ أَذَى فاعتزلوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض وَلَا تقربوهن حَتَّى يطهرن فَإِذا تطهرن فأتوهن من حَيْثُ أَمركُم الله إِن الله يحب التوابين وَيُحب المتطهرين﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿ويسألونك عَن الْمَحِيض﴾ وَهُوَ اسْم الْحيض أَي الْحَدث وأصل الْكَلِمَة من السيلان والانفجار ﴿قل هُوَ أَذَى﴾ أَي شَيْء يتَأَذَّى بِهِ أَي برائحته والأذى كِنَايَة عَن القذر أَو مَحَله ﴿فاعتزلوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض﴾ أَي اجتنبوهن واتركوا وطأهن فِي زمَان الْمَحِيض إِن حمل الْمَحِيض على الْمصدر أَو فِي مَحل الْحيض إِن حمل على الِاسْم وَالْمرَاد مِنْهُ ترك المجامعة لَا ترك المجالسة أَو الملابسة فَإِن ذَلِك جَائِز بل يجوز الِاسْتِمْتَاع بِهن مَا عدا الْفرج أَو مَا دون الْإِزَار على خلاف فِي ذَلِك وَلَا خلاف بَين أهل الْعلم فِي تَحْرِيم وَطْء الْحَائِض وَهُوَ مَعْلُوم من ضَرُورَة الدَّين ﴿وَلَا تقربوهن حَتَّى يطهرن﴾ قريء بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف وَالطُّهْر انْقِطَاع الْحيض والتطهر الِاغْتِسَال وبسبب اخْتِلَاف الْقُرَّاء اخْتلف أهل الْعلم فَذهب الْجُمْهُور إِلَى منع الْجِمَاع حَتَّى تتطهر بِالْمَاءِ وَقَالَ
[ ٢٨ ]
آخَرُونَ حلت لزَوجهَا وَإِن لم تَغْتَسِل وَرجح الطَّبَرِيّ قِرَاءَة التَّشْدِيد وَالْأولَى أَن يُقَال إِن الله تَعَالَى جعل للْحلّ غايتين كَمَا تَقْتَضِيه القراءتان إِحْدَاهمَا انْقِطَاع الدَّم وَالْأُخْرَى التطهر مِنْهُ والغاية الْأُخْرَى مُشْتَمِلَة على زِيَادَة على الْغَايَة الأولى فَيجب الْمصير إِلَيْهَا وَقد دلّ على أَن الْغَايَة الْأُخْرَى هِيَ الْمُعْتَبرَة وَقَوله سُبْحَانَهُ بعد ذَلِك ﴿فَإِذا تطهرن﴾ فَإِن ذَلِك يُفِيد أَن الْمُعْتَبر التطهر لَا مُجَرّد انْقِطَاع الدَّم وَقد تقرر أَن الْقِرَاءَتَيْن بِمَنْزِلَة الْآيَتَيْنِ فَكَمَا أَنه يجب الْجمع بَين الْآيَتَيْنِ الْمُشْتَملَة إِحْدَاهمَا على زِيَادَة بِالْعَمَلِ بِتِلْكَ الزِّيَادَة كَذَلِك يجب الْجمع بَين الْقِرَاءَتَيْن ﴿فأتوهن من حَيْثُ أَمركُم الله﴾ أَي فجامعوهن وكنى عَنهُ بالإتيان وَالْمرَاد أَنهم يجامعونهن فِي المأتى الَّذِي أَبَاحَهُ الله وَهُوَ الْقبل وَقيل من قبل الْحَلَال لَا من قبل الزِّنَى ﴿إِن الله يحب التوابين﴾ من إتْيَان النِّسَاء فِي أدبارهن أَو فِي الْمَحِيض ﴿وَيُحب المتطهرين﴾ من الْجَنَابَة والأحداث والعموم أولى