﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا فَإِذا بلغن أَجلهنَّ فَلَا جنَاح عَلَيْكُم فِيمَا فعلن فِي أَنْفسهنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا﴾ أَي الَّذين يموتون ويتركون النِّسَاء ينتظرن بِأَنْفُسِهِنَّ قدر هَذِه الْمدَّة وَوجه الْحِكْمَة أَن الْجَنِين الذّكر يَتَحَرَّك فِي الْغَالِب لثَلَاثَة أشهر وَالْأُنْثَى لأربعة أشهر فَزَاد سُبْحَانَهُ عشرا لِأَن الْجَنِين رُبمَا يضعف عَن الْحَرَكَة فتتأخر حركته قَلِيلا وَلَا يتَأَخَّر عَن هَذَا الْأَجَل وَظَاهر هَذِه الْآيَة الْعُمُوم وَأَن كل من مَاتَ عَنْهَا زَوجهَا تكون عدتهَا هَذِه الْمدَّة وَلكنه قد خصص هَذَا الْعُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ وَإِلَى هَذَا ذهب الْجُمْهُور وَهُوَ الْحق وَقد صَحَّ عَنهُ ﷺ أَنه أذن لسبيعة الأسْلَمِيَّة أَن تتَزَوَّج بعد الْوَضع
وَظَاهر الْآيَة عدم الْفرق بَين الصَّغِيرَة والكبيرة والحرة وَالْأمة وَذَات الْحيض والايسة وَقيل عدَّة الْأمة نصف عدَّة الْحرَّة شَهْرَان وَخَمْسَة أَيَّام وَالْأول أولى وَفِي حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ لَا تلبسوا علينا سنة نَبينَا ﷺ عدَّة أم الْوَلَد إِذا توفّي عَنْهَا سَيِّدهَا أَرْبَعَة أشهر وَعشرا أخرجه أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَضَعفه أَحْمد وَأَبُو عبيد وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ الصَّوَاب أَنه مَوْقُوف قَالَ أَبُو حنيفَة تَعْتَد بِثَلَاث حيض وَقَالَ أَحْمد بِالْأولِ وَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ عدتهَا
[ ٤٧ ]
حَيْضَة وَقد أجمع الْعلمَاء على أَن هَذِه الْآيَة ناسخة لما بعد من الِاعْتِدَاد بالحول وَإِن كَانَت هَذِه الْآيَة مُتَقَدّمَة فِي التِّلَاوَة ﴿فَإِذا بلغن أَجلهنَّ﴾ أَي انْقِضَاء الْعدة ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْكُم﴾ الْخطاب للأولياء وَقيل جَمِيع الْمُسلمين ﴿فِيمَا فعلن فِي أَنْفسهنَّ﴾ من التزيين والتعرض للخطاب والنقلة من الْمسكن الَّذِي كَانَت مُعْتَدَّة فِيهِ (بِالْمَعْرُوفِ) الَّذِي لَا يُخَالف شرعا وَلَا عَادَة مستحسنة وَقد اسْتدلَّ بذلك على وجوب الْإِحْدَاد على الْمُعْتَدَّة عدَّة الْوَفَاة وَقد ثَبت ذَلِك فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من غير وَجه أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن تحد على ميت فَوق ثَلَاث إِلَّا على زوج أَرْبَعَة أشهر وَعشرا وَكَذَلِكَ ثَبت عَنهُ ﷺ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا النَّهْي عَن الْكحل فِي عدَّة الْوَفَاة
والإحداد ترك الزِّينَة من الطّيب وَترك لبس الثِّيَاب الجيدة والحلي وَغير ذَلِك وَلَا خلاف فِي وجوب ذَلِك فِي عدَّة الْوَفَاة وَلَا خلاف فِي عدَّة الرَّجْعِيَّة وَاخْتلفُوا فِي عدَّة البائنة على قَوْلَيْنِ وَمحل ذَلِك كتب علم الْفُرُوع
وَاحْتج أَصْحَاب أبي حنيفَة على جَوَاز النِّكَاح بِغَيْر ولي بِهَذِهِ الْآيَة لِأَن إِضَافَة الْفِعْل إِلَى الْفَاعِل مَحْمُول على الْمُبَاشرَة وَأجِيب بِأَنَّهُ خطاب للأولياء وَلَو صَحَّ العقد بِغَيْر ولي لما كَانَ مُخَاطبا وَالله أعلم
[ ٤٨ ]