﴿إِذْ قَالَت امْرَأَة عمرَان رب إِنِّي نذرت لَك مَا فِي بَطْني محررا فَتقبل مني إِنَّك أَنْت السَّمِيع الْعَلِيم فَلَمَّا وَضَعتهَا قَالَت رب إِنِّي وَضَعتهَا أُنْثَى وَالله أعلم بِمَا وضعت وَلَيْسَ الذّكر كالأنثى وَإِنِّي سميتها مَرْيَم وَإِنِّي أُعِيذهَا بك وذريتها من الشَّيْطَان الرَّجِيم فتقبلها رَبهَا بِقبُول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زَكَرِيَّا كلما دخل عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَاب وجد عِنْدهَا رزقا قَالَ يَا مَرْيَم أَنى لَك هَذَا قَالَت هُوَ من عِنْد الله إِن الله يرْزق من يَشَاء بِغَيْر حِسَاب﴾
قَالَ تَعَالَى ﴿إِذْ قَالَت امْرَأَة عمرَان﴾ اسْمهَا حنة بنت فاقوذ أم مَرْيَم فَهِيَ جدة عِيسَى وَعمْرَان هُوَ ابْن باشم جد عِيسَى ﵇ وَلَيْسَ نَبيا ﴿رب إِنِّي نذرت لَك مَا فِي بَطْني محررا﴾ هَذَا النّذر كَانَ جَائِزا فِي شريعتهم وَالْمرَاد بِالْحُرِّيَّةِ هُنَا ضد الْعُبُودِيَّة وَقيل الْمُحَرر الْخَالِص لله لَا يشوبه شَيْء من أَمر الدُّنْيَا وَهلك عمرَان وَهِي حَامِل ﴿فَتقبل مني﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس نذرت أَن تَجْعَلهُ فِي الْكَنِيسَة يتعبد بهَا وَقَالَ مُجَاهِد خَادِمًا لِلْبيعَةِ ﴿إِنَّك أَنْت السَّمِيع الْعَلِيم﴾ فَلَمَّا وَضَعتهَا قَالَت ﴿رب إِنِّي وَضَعتهَا أُنْثَى وَالله أعلم بِمَا وضعت وَلَيْسَ الذّكر كالأنثى﴾ أَي أَمر هَذِه الْأُنْثَى عَظِيم وشأنها فخم فَهِيَ خير مِنْهُ وَإِن لم تصلح للسدانة فَإِن فِيهَا مزايا أخر لَا تُوجد فِي الذّكر وعَلى هَذَا فَالْكَلَام على ظَاهره وَلَا قلب وَقيل لَيْسَ الذّكر الَّذِي أردْت أَن يكون خَادِمًا وَيصْلح للنذر كالأنثى الَّتِي لَا تصلح لذَلِك بل هُوَ خير مِنْهَا وَكَأَنَّهَا اعتذرت إِلَى رَبهَا وعَلى هَذَا فَفِي الْكَلَام قلب وَكَانَت مَرْيَم من اجمل النِّسَاء وأفضلهن فِي وَقتهَا
[ ٥٧ ]
﴿وَإِنِّي سميتها مَرْيَم﴾ أَي العابدة ومقصودها من هَذَا الْإِخْبَار بِالتَّسْمِيَةِ التَّقَرُّب إِلَى الله فَإِن معنى مَرْيَم خَادِم الرب بلغتهم ﴿وَإِنِّي أُعِيذهَا بك وذريتها من الشَّيْطَان الرَّجِيم﴾ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا من بني آدم من مَوْلُود إِلَّا نخسه الشَّيْطَان حِين يُولد فَيَسْتَهِل صَارِخًا من نخسه إِيَّاه إِلَّا مَرْيَم وَابْنهَا مُتَّفق عَلَيْهِ وَلِلْحَدِيثِ أَلْفَاظ عَنهُ ﴿فتقبلها رَبهَا بِقبُول حسن﴾ أَي رَضِي بهَا فِي النّذر وسلك بهَا مَسْلَك السُّعَدَاء ﴿وأنبتها نباتا حسنا﴾ أَي سوى خلقهَا من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان ﴿وكفلها زَكَرِيَّا﴾ أَي ضمهَا إِلَيْهِ بِالْقُرْعَةِ لَا بِالْوَحْي وَكَانَ من ذُرِّيَّة سُلَيْمَان وَعَن ابْن عَبَّاس وناس من الصَّحَابَة أَن مَرْيَم كَانَت ابْنة سيدهم وإمامهم فتشاح عَلَيْهَا أَحْبَارهم فاقترعوا فِيهَا بسهامهم أَيهمْ يكفلها وَكَانَ زَكَرِيَّا زوج أُخْتهَا فكفلها وَجعلهَا مَعَه فِي محرابه وَكَانَت عِنْده وحضنها ﴿كلما دخل عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَاب وجد عِنْدهَا رزقا﴾ قيل فَاكِهَة الشتَاء فِي الصَّيف وَفَاكِهَة الصَّيف فِي الشتَاء وَقَالَ ابْن عَبَّاس عنبا فِي مكتل فِي غير حِينه (قَالَ يَا مَرْيَم أَنى لَك هَذَا قَالَت هُوَ من عِنْد الله إِن الله يرْزق م يَشَاء بِغَيْر حِسَاب) وَهَذَا يدل على جَوَاز الْكَرَامَة لأولياء الله تَعَالَى