﴿فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء مثنى وَثَلَاث وَربَاع فَإِن خِفْتُمْ أَلا تعدلوا فَوَاحِدَة أَو مَا ملكت أَيْمَانكُم ذَلِك أدنى أَلا تعولُوا وَآتوا النِّسَاء صدقاتهن نحلة فَإِن طبن لكم عَن شَيْء مِنْهُ نفسا فكلوه هَنِيئًا مريئا﴾ قَالَ تَعَالَى ﴿فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء﴾ من بَيَانِيَّة أَو تبعيضية ﴿مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ أَي اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثًا ثَلَاثًا وأربعا وأربعا وَقد اسْتدلَّ بِالْآيَةِ على تَحْرِيم مَا زَاد على الْأَرْبَع وَالْآيَة على خلاف مَا استدلوا بِهِ فَالْأولى أَن يسْتَدلّ على تَحْرِيم الزِّيَادَة على الْأَرْبَع بِالسنةِ لَا بِالْقُرْآنِ كَمَا فِي حَدِيث ابْن عمر فِي قصَّة غيلَان الثَّقَفِيّ عِنْد أَحْمد وَغَيره وَكَانَت تَحْتَهُ عشر نسْوَة فَقَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ اختر مِنْهُنَّ وَفِي لفظ أمسك مِنْهُنَّ أَرْبعا وَفَارق سائرهن وَله أَلْفَاظ وطرق
وَفِي الْبَاب حَدِيث نَوْفَل الديلمي وَكَانَت عِنْده خمس نسْوَة فَقَالَ لَهُ ﷺ أمسك أَرْبعا وَفَارق الْأُخْرَى أخرجه الشَّافِعِي وَحَدِيث
[ ٦٤ ]
قيس الْأَسدي وَكَانَت تَحْتَهُ ثَمَان نسْوَة فَقَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ اختر مِنْهُنَّ أَرْبعا وخل سائرهن أخرجه إِبْنِ مَاجَه لَوْلَا أَن فِي هَذِه السّنَن مقَالا ﴿فَإِن خِفْتُمْ أَلا تعدلوا﴾ بَين الزَّوْجَات فِي الْقسم وَالنَّفقَة وَنَحْوهمَا ﴿فَوَاحِدَة﴾ أَي فانكحوا وَاحِدَة وَفِيه الْمَنْع من الزِّيَادَة على الْوَاحِدَة لمن خَافَ ذَلِك ﴿أَو مَا ملكت أَيْمَانكُم﴾ أَي اقتصروا على السراري وَإِن كثر عددهن كَمَا يفِيدهُ الْمَوْصُول إِذْ لَيْسَ لَهُنَّ من الْحُقُوق مَا لِلزَّوْجَاتِ وَالْمرَاد نِكَاحهنَّ بطرِيق الْملك لَا بطرِيق النِّكَاح وَفِيه دَلِيل على أَنه لَا حق للمملوكات فِي الْقسم كَمَا يدل على ذَلِك جعله قسيما للواحدة فِي الْأَمْن من عدم الْعدْل ﴿ذَلِك﴾ أَي نِكَاح الْأَرْبَعَة فَقَط أَو الْوَاحِدَة أَو التَّسَرِّي ﴿أدنى﴾ أَي أقرب ﴿أَلا تعولُوا﴾ تَجُورُوا وَقيل تميلوا وَقيل تفتقروا ﴿وَآتوا النِّسَاء صدقاتهن نحلة﴾ أَي عَطاء وَقيل تدينا وَقيل طيبَة النَّفس وَقيل الْمهْر وَمعنى الْآيَة على كَون الْخطاب للأزواج أعطوهن مهورهن عَطِيَّة أَو ديانَة أَو فَرِيضَة وعَلى كَون الْخطاب للأولياء أعطوهن تِلْكَ المهور الَّتِي قبضتم من أَزوَاجهنَّ وَالْأول أولى وَهُوَ الْأَشْبَه بِظَاهِر الْآيَة وَعَلِيهِ الْأَكْثَر
وَفِي الْآيَة دَلِيل على أَن الصَدَاق وَاجِب على الْأزْوَاج للنِّسَاء وَهُوَ مجمع عَلَيْهِ وَأَجْمعُوا على أَنه لَا حد لكثيره وَاخْتلفُوا فِي قَلِيله ﴿فَإِن طبن لكم عَن شَيْء مِنْهُ نفسا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ إِذا كَانَ من غير إِضْرَار وَلَا خديعة فَهُوَ هنيء مريء كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فكلوه هَنِيئًا مريئا﴾ وَفِي طبن دَلِيل على أَن الْمُعْتَبر فِي تَحْلِيل ذَلِك مِنْهُنَّ لَهُم إِنَّمَا هُوَ طيبَة النَّفس لَا مُجَرّد مَا يصدر مِنْهَا من الْأَلْفَاظ الَّتِي لَا يتَحَقَّق مَعهَا طيبَة النَّفس فَإِذا ظهر مِنْهَا مَا يدل على عدم طيبَة نَفسهَا لم يحل للزَّوْج
[ ٦٥ ]
وَلَا للْوَلِيّ وَإِن كَانَت تلفظت بِالْهبةِ أَو النّذر أَو نَحْوهمَا وَمَا أقوى دلَالَة هَذِه الْآيَة على عدم اعْتِبَار مَا يصدر من النِّسَاء من الْأَلْفَاظ المفيدة للتَّمْلِيك بمجردها لنُقْصَان عقولهن وَضعف إدراكهن وَسُرْعَة إنخداعهن وانجذابهن إِلَى مَا يُرَاد مِنْهُنَّ بأيسر ترغيب أَو ترهيب