﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب مَرْيَم إِذْ انتبذت من أَهلهَا مَكَانا شرقيا فاتخذت من دونهم حِجَابا فَأَرْسَلنَا إِلَيْهَا رُوحنَا فتمثل لَهَا بشرا سويا قَالَت إِنِّي أعوذ بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيا قَالَ إِنَّمَا أَنا رَسُول رَبك لأهب لَك غُلَاما زكيا قَالَت أَنى يكون لي غُلَام وَلم يمسسني بشر وَلم أك بغيا قَالَ كَذَلِك قَالَ رَبك هُوَ عَليّ هَين ولنجعله آيَة للنَّاس وَرَحْمَة منا وَكَانَ أمرا مقضيا فَحَملته فانتبذت بِهِ مَكَانا قصيا فأجاءها الْمَخَاض إِلَى جذع النَّخْلَة قَالَت يَا لَيْتَني مت قبل هَذَا وَكنت نسيا منسيا فناداها من تحتهَا أَلا تحزني قد جعل رَبك تَحْتك سريا وهزي إِلَيْك بجذع النَّخْلَة تساقط عَلَيْك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا فإمَّا تَرين من الْبشر أحدا فَقولِي إِنِّي نذرت للرحمن صوما فَلَنْ أكلم الْيَوْم إنسيا فَأَتَت بِهِ قَومهَا تحمله قَالُوا يَا مَرْيَم لقد جِئْت شَيْئا فريا يَا أُخْت هَارُون مَا كَانَ أَبوك امْرأ سوء وَمَا كَانَت أمك بغيا فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيفَ نُكَلِّم من كَانَ فِي المهد صَبيا قَالَ إِنِّي عبد الله آتَانِي الْكتاب وَجَعَلَنِي نَبيا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْن مَا كنت وأوصاني بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة مَا دمت حَيا وَبرا بوالدتي وَلم يَجْعَلنِي جبارا شقيا وَالسَّلَام عَليّ يَوْم ولدت وَيَوْم أَمُوت وَيَوْم أبْعث حَيا ذَلِك عِيسَى ابْن مَرْيَم قَول الْحق الَّذِي فِيهِ يمترون﴾
[ ١٣٣ ]
قَالَ تَعَالَى ﴿وَاذْكُر فِي الْكتاب مَرْيَم﴾ أَي قصَّتهَا وخبرها ونبأها ﴿إِذْ انتبذت﴾ أَي تنحت وَتَبَاعَدَتْ وَقيل اعتزلت وانفردت ﴿من أَهلهَا﴾ من قَومهَا ﴿مَكَانا شرقيا﴾ أَي من جَانب الشرق ﴿فاتخذت﴾ أَي ضربت ﴿من دونهم﴾ أَي من دون أَهلهَا ﴿حِجَابا﴾ أَي حاجزا وسترا يَسْتُرهَا عَنْهُم لِئَلَّا يروها حَال الْعِبَادَة أَو حَال التطهر من الْحيض ﴿فَأَرْسَلنَا إِلَيْهَا رُوحنَا﴾ هُوَ جِبْرِيل ﵇ ليبشرها بالغلام ولينفخ فِيهَا فَتحمل بِهِ ﴿فتمثل لَهَا﴾ جِبْرِيل ﵇ ﴿بشرا سويا﴾ تَاما مستوي الْخلق لم يفقد من نعوت بني آدم شَيْئا ﴿قَالَت إِنِّي أعوذ بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيا﴾ مِمَّن يَتَّقِي الله ويخافه ويعامل بِمُقْتَضى التَّقْوَى وَالْإِيمَان ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنا رَسُول رَبك﴾ الَّذِي استعذت بِهِ ﴿لأهب لَك غُلَاما زكيا﴾ هُوَ الطَّاهِر من الذُّنُوب الَّذِي يَنْمُو على النزاهة والعفة قيل المُرَاد بالزكي النَّبِي ﴿قَالَت أَنى يكون لي غُلَام وَلم يمسسني بشر﴾ زوج بِنِكَاح (وَلم أك بغيا) فاجرة وَالْبَغي هِيَ الزَّانِيَة الَّتِي تبغي الرِّجَال تَعْنِي أَن الْوَلَد لَا يكون إِلَّا من نِكَاح أَو سفاح وَلم يكن هُنَا وَاحِد مِنْهُمَا ﴿قَالَ كَذَلِك﴾ أَي هَكَذَا من خلق غُلَام مِنْك من غير أَب ﴿قَالَ رَبك هُوَ عَليّ هَين ولنجعله آيَة للنَّاس﴾ يستدلون بهَا على كَمَال الْقُدْرَة على أَنْوَاع الْخلق فَإِن الله خلق آدم من غير ذكر وَلَا أُنْثَى وَخلق حَوَّاء من ذكر بِلَا أُنْثَى وَخلق عِيسَى من أُنْثَى بِلَا ذكر وَخلق بَقِيَّة الْخلق من ذكر وَأُنْثَى قَالَه الْكَرْخِي ﴿وَرَحْمَة﴾ عَظِيمَة كائنة ﴿منا وَكَانَ أمرا مقضيا فَحَملته فانتبذت بِهِ مَكَانا قصيا﴾ أَي اعتزلت إِلَى مَكَان بعيد ن أَهلهَا مَخَافَة اللائمة قيل حملت بِهِ سِتَّة أشهر وَذَلِكَ آيَة أُخْرَى لِأَنَّهُ لَا يعِيش من ولد لهَذِهِ الْمدَّة وَقيل سَبْعَة أشهر وَقيل تِسْعَة أشهر كحمل النِّسَاء وَقيل كَانَ الْحمل والولادة فِي سَاعَة وَاحِدَة
[ ١٣٤ ]
﴿فأجاءها الْمَخَاض﴾ أَي وجع الْولادَة ﴿إِلَى جذع النَّخْلَة﴾ أَي سَاقهَا الْيَابِسَة الَّتِي لَا رَأس لَهَا كَأَنَّهَا طلبت شَيْئا تستند إِلَيْهِ وتعتمد عَلَيْهِ وتتعلق بِهِ كَمَا تتَعَلَّق الْحَامِل لشدَّة وجع الطلق بِشَيْء مِمَّا تَجدهُ عِنْدهَا ﴿قَالَت يَا لَيْتَني مت قبل هَذَا وَكنت نسيا منسيا﴾ أَي شَيْئا حَقِيرًا متروكا تمنت الْمَوْت استحياء من النَّاس أَو خوفًا من الفضيحة ﴿فناداها﴾ أَي خاطبها لما سمع قَوْلهَا ﴿من تحتهَا﴾ والمنادي جِبْرِيل وَقيل عِيسَى ﴿أَلا تحزني قد جعل رَبك تَحْتك سريا﴾ أَي نَهرا صَغِيرا ﴿وهزي إِلَيْك بجذع النَّخْلَة تساقط عَلَيْك رطبا جنيا﴾ أَي طريا طيبا ﴿فكلي واشربي﴾ من الرطب وَالْمَاء ﴿وقري عينا﴾ أَي وطيبي نفسا ﴿فإمَّا تَرين من الْبشر أحدا فَقولِي إِنِّي نذرت للرحمن صوما فَلَنْ أكلم الْيَوْم إنسيا فَأَتَت بِهِ قَومهَا تحمله قَالُوا يَا مَرْيَم لقد جِئْت شَيْئا فريا﴾ عجيبا نَادرا ﴿يَا أُخْت هَارُون﴾ قيل هُوَ هَارُون أَخُو مُوسَى قيل كَانَت مَرْيَم من وَلَده وَقيل هُوَ رجل صَالح فِي ذَلِك الْوَقْت شبهت بِهِ فِي عفتها وصلاحها وَعَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة قَالَ بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ إِلَى أهل نَجْرَان فَقَالُوا أَرَأَيْت مَا تقرأون ﴿يَا أُخْت هَارُون﴾ وَهُوَ قبل عِيسَى بِكَذَا وَكَذَا سنة قَالَ فَرَجَعت فَذكرت ذَلِك لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَلا أَخْبَرتهم أَنهم كَانُوا يسمون بالأنبياء وَالصَّالِحِينَ قبلهم أخرجه أَحْمد وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَعبد بن حميد وَابْن أبي شيبَة وَغَيرهم وَهَذَا التَّفْسِير النَّبَوِيّ يُغني عَن سَائِر مَا روى عَن السّلف فِي ذَلِك ﴿مَا كَانَ أَبوك امْرأ سوء وَمَا كَانَت أمك بغيا فَأَشَارَتْ﴾ أَي مَرْيَم ﴿إِلَيْهِ﴾ أَي إِلَى عِيسَى أَن كَلمُوهُ ﴿قَالُوا كَيفَ نُكَلِّم من كَانَ فِي المهد صَبيا﴾ فَلَمَّا سمع عِيسَى كَلَامهم ترك الرَّضَاع وَأَقْبل عَلَيْهِم ﴿قَالَ إِنِّي عبد الله آتَانِي الْكتاب وَجَعَلَنِي نَبيا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْن مَا كنت وأوصاني بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة مَا دمت حَيا وَبرا بوالدتي﴾ اقْتصر على الْبر بهَا لِأَنَّهُ قد
[ ١٣٥ ]
علم فِي تِلْكَ الْحَال أَنه لم يكن لَهُ أَب ﴿وَلم يَجْعَلنِي جبارا شقيا وَالسَّلَام عَليّ يَوْم ولدت وَيَوْم أَمُوت وَيَوْم أبْعث حَيا ذَلِك عِيسَى ابْن مَرْيَم﴾ لَا مَا تَقوله النَّصَارَى من أَنه ابْن الله وَأَنه إِلَه ﴿قَول الْحق الَّذِي فِيهِ يمترون﴾ يَشكونَ ويختلفون