أمراض القلوب وعلاجها: من مهمة الخطيب من خلال معايشته للمصلين ومخالطته لهم بالإضافة إلى التعرف على أمراضهم الاجتماعية معرفة أمراضهم النفسية، أي أمراض القلوب، فإن أمراض النفس أفتك، وأدواؤها أخطر.
ولا يصعب على الخطيب أن يستقرئ نفوس من يخالطهم، بما يبدو من معاملتهم، وطريقة مخاطبتهم، ومعاشرتهم للآخرين، فيدرك من يكون منهم لين الجانب متواضعا، ممن عنده قدر من العجب، أو الإعجاب بالنفس، ومن عنده شيء من الغلظة والفظاظة، ومن عنده أريحية للبذل والعطاء، ومن يتمتع بالرفق وحسن الأدب في معاملة الغير، وهكذا فإنه يستطيع أن يصل إلى التشخيص الصحيح لنفوس المخاطبين ليسعى في إيجاد العلاج المناسب لأمراض نفوسهم.
وليعلم الخطيب أن مهمته الأولى من خطبه هي علاج هذه النفوس، وشفاء تلك القلوب من أمراضها، وشحذ الهمم، والارتقاء بها عن الإخلاد إلى الأرض واتباع الهوى والشهوات، ولذا عليه أن يتخير من الموضوعات ما يكون علاجا ناجعا لنفوس المخاطبين، وبلسما شافيا لأدوائهم.
ثم ليعلم أيضا أن خطبة الجمعة ليست مبتوتة مقطوعة الصلة عما قبلها، وما
[ ١٥٢ ]
بعدها، فلحسن معاملته مع الناس، وتواضعه لهم، وتجنب ما يحرجهم ويسوؤهم في الألفاظ والمواقف، أثر كبير في إقبال القلوب إليه، وتأثرهم بكلامه، وتغيير أحوالهم لمواعظه، وتوجيهاته.
وهل يعقل أن يعايش الخطيب هؤلاء الناس زمنا طويلا، ولا يأبه بأمراضهم، ولا يقلق ولا يتوجع لما يرى من انحرافهم عن الجادة، وتنكب للصراط المستقيم. إذا فقد أصبح تاجر كلام بضاعته الجعجعة، وسلعته الصراخ على المنبر.
لقد كانت خطب النبي ﷺ ومواعظه ودعواته ووصاياه تشتمل على علاج القلوب وشفائها من أمراضها، لأن هذا هو منطلق الصلاح والإصلاح، وكذلك كان كثير من خطب ومواعظ الخلفاء الراشدين، ومن سلك مسلكهم من خطباء التابعين ووعاظهم، ومن جاء من بعدهم من علماء هذه الأمة، وكانت حياة النبي ﷺ مثالا في الرحمة والحلم، والرفق، وترك الكبر.
ومن توجيهات النبي ﷺ لعلاج القلوب ما روى حذيفة بن اليمان ﵁ عن النبي ﷺ قال: «تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تعود القلوب على قلبين: قلب أسود مرباد كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه، وقلب أبيض فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض» (١) .
وعن سعد بن أبي وقاص (﵁) أن النبي ﷺ قال: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه، خشية أن يكبه الله في النار» (٢) .
فهو يعطي الرجل وغيره أحق منه وأولى بالعطاء وأحب إلى النبي ﷺ، لكن يعطيه خوفا على قلبه أن ينتكس.
_________________
(١) رواه مسلم (الإيمان - ٢٣١) .
(٢) رواه البخاري (الإيمان -٢٧) ومسلم (الإيمان - ٢٣٧) .
[ ١٥٣ ]
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ «أن النبي ﷺ جلس ذات يوم على المنبر، وجلسنا حوله، فقال: إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها، فقال رجل: يا رسول الله، أو يأتي الخير بالشر؟ فسكت النبي ﷺ، فقيل له: ما شأنك تكلم رسول الله ﷺ ولا يكلمك، فرأينا أنه ينزل عليه، قال: فمسح عنه الرحضاء، فقال أين السائل؟ وكأنه حمده، فقال: إنه لا يأتي الخير بالشر. . .» الحديث (١) .
وكان الصحابة ﵃ يتعاهدون قلوبهم، ويتعاهد بعضهم بعضا بالموعظة، ويسأله عن إيمانه، وعن تغيير قلبه أو ثباته.
عن أنس ﵁ قال: «قال أصحاب النبي ﷺ: يا رسول الله، إنا إذا كنا عندك رأينا في أنفسنا ما نحب، وإذا رجعنا إلى أهلينا فخالطناهم، أنكرنا أنفسنا، فقال النبي ﷺ " لو تدومون على ما تكونون عندي في الخلاء لصافحتكم الملائكة حتى تظلكم بأجنحتها عيانا، ولكن ساعة وساعة» (٢) .
وعن حنظلة الأسيدي ﵁ وكان من كتاب رسول الله ﷺ قال: «لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة، قال سبحان الله، ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكر بالنار والجنة حتى كأنها رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا. قال أبو بكر: فوالله إنا
_________________
(١) رواه البخاري (الزكاة- ١٤٦٥) ومسلم (الزكاة- ١٢٣) .
(٢) رواه أبو يعلى في مسنده (٢ / ٧٨٦) من طريق محمد بن مهدي الأيلي ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن قتادة، عن أنس به، ومحمد هذا بيض له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨ / ١٠٦) ورواه ابن حبان (البر والإحسان- ٣٤٤) من طريق عبيد الله بن فضالة، ثنا عبد الرزاق بلا، وابن فضالة هذا ثقة، وأخرجه أحمد مر طريق ثابت البناني عن أنس، فتابع قتادة عليه (٣ / ١٧٥) فالحديث. . . يشهد له الحديث الذي بعده، وانظر: السلسلة الصحيحة (١٩٦٥) .
[ ١٥٤ ]
لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله ﷺ، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: وما ذاك؟ قلت: نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنها رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا، فقال رسول الله ﷺ: " والذي نفسي بيده أن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة، ثلاث مرات» (١) .
وعن المقداد بن الأسود ﵁ قال: «لا أقول في رجل خيرا ولا شرا حتى أنظر ما يختم له- يعني- بعد شيء سمعته من النبي ﷺ، قيل: وما سمعت؟ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لقلب ابن آدم أشد انقلابا من القدر إذا اجتمعت غليانا» (٢) .
وأورد البخاري تعليقا عن معاذ بن جبل ﵁ قال: اجلس بنا نؤمن ساعة (٣) .
ووصله أحمد بسند صحيح إلى الأسود بن هلال قال: قال لي معاذ بن جبل: أجلس بنا نؤمن ساعة، وفي رواية: كان معاذ بن جبل يقول للرجل من إخوانه: اجلس بنا نؤمن ساعة، فيجلسان فيذكران الله تعالى ويحمدانه.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: لا يحمل على أصل الإيمان لكونه كان مؤمنا، وأي مؤمن، وإنما يحمل على إرادة أنه يزداد إيمانا بذكر الله تعالى، وقال القاضي أبو بكر بن العربي: لا تعلق فيه للزيادة،
_________________
(١) رواه مسلم (التوبة- ٢٧٥٠) .
(٢) أخرجه أحمد (٤ / ٤) وفي إسناده الفرج بن فضالة التنوخي وهو ضعيف (التقريب ٢٧٤) وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (باب إن القلوب بين إصبعين- ٢٢٦) من طريق بقية بن الوليد، ثنا عبد الله بن سالم، وبقية رجاله ثقات.
(٣) رواه أحمد بسند صحيح موصولا، وأثر معاذ رواه البخاري (الإيمان- / ١ ٦٠) .
[ ١٥٥ ]
لأن معاذا إنما أراد تجديد الإيمان، لأن العبد يؤمن في أول مرة فرضا، ثم يكون أبدا مجددا كلما نظر أو فكر.
قال الحافظ: وما نهاه أولا أثبته آخرا، لأن تجديد الإيمان إيمان (١) .
وفي الحديث أيضا عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم» (٢) .
فعلى الخطيب أن لا يغفل علاج القلوب، والتذكير الدائم به إما بالعودة إليه بين الحين والحين، أو بالتذكير به في خطبه مهما كان موضوعها، فإنه لا يصعب عليه أن يقيم علاقة بين موضوعه الأساسي وبين التذكير بما يوقظ القلوب وينبه المشاعر، ويجدد الإيمان، فإن هذا هدف في حد ذاته فإن القلوب هي التي تتلقى عنه، فإذا تهيأت وتأثرت وعمرت بالإيمان سهل عليه الإصلاح والتغيير، وإذا صلحت الأعمال صلحت الأحوال، كما قال رسول الله ﷺ: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (٣) .
قال ابن حجر: وفيه تنبيه على تعظيم قدر القلب، والحث على صلاحه، والإشارة إلى أن لطيب الكسب أثرا في ذلك. اهـ (٤) .
تقويم انفعالات المخاطبين: وعلى الخطيب متابعة تقويم الانفعالات عند المخاطبين، وتلمس أثر الخطب في تغيير سلوكهم، إقامة علاقاتهم، وحل مشكلاتهم، ومدى التغير الذي وقع في عاداتهم، ومعاملاتهم، ومدى الحماسة التي سرت في نفوسهم، ودرجة الإقبال على الطاعات، والغيرة على الحرمات، وتعظيم شعائر الله تعالى، ودرجة الابتعاد
_________________
(١) فتح الباري (١ / ٦٣) .
(٢) رواه الطبراني في الكبير، قال الهيثمي (المجمع- / ١٥٢): إسناده حسن.
(٣) رواه البخاري (الإيمان- ٥٢)، ومسلم (المساقاة- ١٥٩٩) .
(٤) الفتح (١ / ١٥٦) .
[ ١٥٦ ]
عن المعاصي، والنفور عن المنهيات والمحدثات والمبتدعات، وبذا يكون الخطيب وثيق الصلة بمجتمعه متفاعلا بأحداثه، مؤثرا في مجرياته وتغيراته، فإن مما يؤخذ على كثير من الدعاة والخطباء انزواءهم عن العامة، وعدم مخالطتهم في مناسباتهم، وعدم القرب منهم فيما يهمهم من شؤون حياتهم المختلفة، بل إن بعضهم يتهمون بالكبر، والتعالي على العامة، والترفع عن مجالس الفقراء والبسطاء، وهذا من شأنه أن يوسع المسافة بين العالم والمتعلم، والداعية والمدعو، وأن يوجد فجوة مفتعلة في ذلك تكبر مع الأيام.
[ ١٥٧ ]