أهمية الموضوع: إن الخطيب داعية، ولذا ينبغي أن يتمتع بقوة الملاحظة، والفقه، وسعة الأفق، وتعدد المعارف، كما أنه ينبغي أن يكون ذا بصيرة بما يناسب جمهوره من الموضوعات الأهم فالأهم، وهذه الموضوعات يجب أن تصنف حسب الأهمية، وحاجة المخاطبين وظرف المناسبة، وغير ذلك من العوامل التي تقدم بعض الموضوعات على بعض.
وأولى الموضوعات بالتقديم، وأحراها بالتبصير والتنبيه، توحيد الله تعالى، وإخلاص العبادة له، والتحذير من الشرك، بجميع أقسامه وصوره، في العبادة والطاعة، والحكم والتشريع، شركا أكبر وأصغر، فإنه لا أحوج إلى الناس من هذا، ولا أولى منه بالتقديم، وكيف يقدم على هذا الموضوع وهو المهمة الأولى لجميع رسل الله عليهم الصلاة والسلام، ولكن على الخطيب أن يكون جذابا في عرضه حكيما في طرحه، يلون من حين لآخر بين الموضوعات، ويجيد قراءة وجوه المخاطبين واستشفاف آرائهم وانطباعاتهم.
قال علي ﵁: " أف لحامل حق لا بصيرة له، إن قال أخطأ وإن أخطأ لا يدري، شغوف بما لا يدري حقيقته " فهو فتنة لمن فتن به، وكون الخطيب حاملا للحق مؤمنا به يدعو الناس إليه، لا يسوغ له أن يخاطبهم بأي لهجة، وعلى أي حال، وفي كل مناسبة، فقد أمر الله تعالى موسى وهارون أن
_________________
(١) زاد المعاد (١ / ٤٢٨) .
[ ٥١ ]
يقولا لفرعون قولا لينا لعله يذكر أو يخشى، فرعون الذي ادعى الربوبية، والألوهية، وبطش وظلم، وطغى طغيانا كبيرا، وقال تعالى مخاطبا نبيه ﷺ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]
فأمره تعالى بثلاثة أمور:
١ - العفو عنهم والتجاوز عن إساءتهم.
٢ - الاستغفار والدعاء لهم.
٣ - مشاورتهم في الأمر.
وهذا يمثل هديا عظيما وأساسا جليلا في إقامة العلاقة مع الناس، وكسب قلوبهم، وينبغي أن لا يغيب عن الخطيب بل عن كل داعية في دعوة الناس، واختلاطه بهم.
ثم إن أي موضوع يطرحه الخطيب يمكنه ببراعة أن يقيم صلة بينه وبين واقع المخاطبين، بحيث لا يكون عرضه عرضا علميا محضا، فليس كل الحاضرين في مستواهم الثقافي وفي ارتقائهم الإيماني سواء في تقبل العلم، وتفهم الحكم الشرعي.
استشارة: ومن المفيد في هذا الجانب أن يتم اختيار الموضوع في بعض الأحيان بناء على استشارة عدد من المصلين الذين يحضرون خطبه غالبا ممن يأنس منهم الغيرة والوعي والفقه، وممن لهم نظرة صائبة، وخبرة في متابعة القضايا الاجتماعية، ومعالجتها، فالخطيب بهذا الاختيار يضمن أهمية الموضوع، وقربه من الناس، واستحسان عدد كبير من الحضور لاختياره مع إشراكهم في التخطيط، وتلمس المشكلات الاجتماعية، ووسائل الإصلاح والمعالجة.
[ ٥٢ ]
وهذا لا يأتي إلا بمخالطة الخطيب للناس، وحضور مجالسهم وسماع وجهات نظرهم، ومقترحاتهم، ومناقشتهم في موضوعات مختلفة، وإيجاد قدر من الثقة والتعاون بينه وبينهم.
إن كثيرا من الخطباء يشعر بالحرج والخجل من مناقشته موضوعات الخطبة، مع عدد من المصلين، ظنا منه أن هذا نوع من تزكية النفس، أو التطلع للثناء والمدح، وهذا غير صحيح إذا كانت نية الخطيب هي الوصول إلى الأكمل، والارتقاء بأسلوبه، وموضوعات خطبه لتكون أعظم أثرا، وإنما لكل امرئ ما نوى.
إن حسن الاختيار دليل على حسن التخطيط من الخطيب ومؤذن بحسن التأثير بخطبته، ومن الخطأ أن يعتمد الخطيب في هذا على قوة ذاكرته، أو سعة اطلاعه، وحسن أسلوبه، فلا يقوم بإعداد خطبته، والتحضير لها، وربما ترشح لديه الموضوع وهو في طريقه إلى المسجد، أو قبيل الخطبة بدقائق.