وحتى يتبين لك مدى أهمية الوعظ فإنني أسوق هذه الأدلة من الكتاب والسنة:
(أ) وصف الله تعالى القرآن بأنه موعظة: ١ - قال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٨]
٢ - وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧]
٣ - وقال جل ذكره: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠]
٤ - وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [النور: ٣٤]
قال الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧] يعني
[ ٧٩ ]
ذكرى تذكركم عقاب الله تعالى، وتخوفكم وعيده، ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧] يقول: من عند ربكم لم يختلقها محمد ﷺ، ولم يفتعلها أحد فتقولوا لا نأمن أن تكون لا صحة لها، إنما يعني بذلك جل ثناؤه القرآن، وهو الموعظة من الله (١) .
(ب) أمر النبي ﷺ بأن يعظ: ١ - قال الله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]
قال الطبري: يقول: فدعهم فلا تعاقبهم في أبدانهم وأجسامهم ولكن عظهم بتخويفك إياهم بأس الله أن يحل بهم، وعقوبته أن تنزل بدارهم، وحذرهم من مكروه ما هم عليه من الشك في أمر الله وأمر رسوله ﷺ (٢) .
٢ - وقال جل وعلا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ: ٤٦]
وقد امتثل رسول الله ﷺ أمر ربه فوعظ وذكر، فعن العرباض بن سارية ﵁ قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا بوجهه فوعظ موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب» (٣) .
وعن ابن مسعود ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا» (٤) .
وعن ابن عباس ﵄ قال: «أشهد على النبي ﷺ - أو قال عطاء: أشهد على ابن عباس - أن رسول الله ﷺ خرج ومعه بلال، فظن
_________________
(١) تفسر الطبري (٦ / ٥٦٧- ٥٦٨) .
(٢) المصدر نفسه (٤ / ١٥٩) .
(٣) رواه أحمد (٤ / ١٢٦)، وأبو داود (السنة- ٤٦٠٧) والترمذي (العلم- ٢٦٧٦) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (المقدمة- ٤٢) .
(٤) رواه البخاري (العلم رقم ٦٨) .
[ ٨٠ ]
أنه لم يسمع فوعظهن (أي: النساء) وأمرهن بالصدقة. . .» الحديث (١) .
(ج) أمر الله تعالى بالدعوة إليه بالحكمة " والموعظة الحسنة " والجدال بالتي هي أحسن: قال جل وعلا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥] فالدعوة المكتملة في أسلوبها ووسائلها لا تستغني عن الموعظة الحسنة، لما للموعظة من تأثير على النفوس، وتحريك للقلوب والمشاعر، فلا يكفي إخبار الناس بالحق مجرد إخبار وإعلام، بل لا بد من دفعهم إلى التزامه واتباعه، والاقتناع به، وأجدى سبيل إلى ذلك أن تكون الدعوة إليه بهذه الأمور الأساسية الثلاثة:
١ - الحكمة: وهي مراعاة الحق والاعتدال في الخطاب.
٢ - الموعظة الحسنة: وهي التي تنفذ إلى شغاف القلوب ترغيبا وترهيبا.
٣ - المجادلة بالتي هي أحسن: أي دون تعسف ولا عنف أو تحامل.
وقال ابن جرير: ﴿إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥] يقول: إلى شريعة ربك التي شرعها لخلقه، وهو الإسلام ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] يقول: بوحي الله الذي يوحيه إليك، وكتابه الذي نزله عليك ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] يقول: وبالعبر الجميلة التي جعلها الله حجة عليهم في كتابه وذكرهم بها في تنزيله.
﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] يقول: وخاصمهم بالخصومة التي هي أحسن من غيرها أي تصفح عما نالوا به عرضك من الأذى، ولا تعصه في القيام بالواجب عليك من تبليغهم رسالة ربك (٢) .
وقال صاحب الظلال: إن الدعوة دعوة إلى سبيل الله، لا لشخص الداعي ولا لقومه، فليس للداعي من دعوته إلا أن يؤدي واجبه لله، لا فضل له يتحدث به، لا على الدعوة ولا على من يهتدون به، وأجره بعد ذلك على الله.
_________________
(١) رواه البخاري (العلم- باب عظة الإمام النساء٩٨) .
(٢) تفسير ابن جرير (٧ / ٦٦٣) .
[ ٨١ ]
والدعوة بالحكمة، والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم، والقدر الذي بينه لهم في كل مرة حتى لا يثقل عليهم، ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها.
والطريقة التي يخاطبهم بها، والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها، فلا تستبد به الحماسة والاندفاع والغيرة، فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه.
والموعظة الحسنة التي تدخل إلى القلوب برفق، وتتعمق المشاعر بلطف، لا بالزجر والتأنيب في غير موجب، ولا يفضح الأخطاء التي قد تقع عن جهل أو حسن نية.
وبالجدال بالتي هي أحسن، بلا تحامل على المخالف ولا ترذيل له وتقبيح، حتى يطمئن إلى الداعي ويشعر أن ليس هدفه هو الغلبة في الجدل، ولكن الإقناع والوصول إلى الحق، والنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها، وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق، حتى لا تشعر بالهزيمة (١) .
إذا مهما كان موضوع خطبة الجمعة الذي يختاره الخطيب فإنه لن يستغني أبدا عن تضمينها الوعظ والتذكير، فبذلك ينفذ الخطيب بإذن الله تعالى إلى قلوب المخاطبين، فيوقظ مشاعرهم ويبصرهم بخطورة ما هم عليه من غفلة أو انحراف.