الثقافة الشرعية: وتتنوع إلى أنواع، فمنها ما هو ألزم كفقه العقيدة، وأصول الإيمان، والتوحيد بأنواعه الثلاثة، ومنها ما هو لازم للخطب وهو الأنواع التالية:
١ - فقه ما يتعلق بصلاة الجمعة، وأحكام الجمعة، والخطبة.
٢ - فقه ما يرتبط بالمناسبة، فإذا خطب عن الحج لمناسبته، أو عن الصوم بمناسبة حلول شهر رمضان، فينبغي أن يكون فقيها بأهم أحكام الحج، وأهم أحكام الصيام، وإذا تكلم عن الربا، أو الرشوة، أو تكلم عن المخدرات، وغير ذلك فينبغي أن يكون ملما بأطراف موضوعه، فقيها بأهم أحكامه، فإنه ربما سئل عن بعض مسائله.
_________________
(١) تلبيس إبليس (ص ١٢٦) .
[ ١٠٩ ]
٣ - فقه عام، وهدا يعتمد على دراسة الخطيب الشرعية وعلمه، واطلاعه في هذا الجانب.
وأنبه هنا إلى ناحيتين:
الأولى: تتعلق بالخطيب، فعليه أن يتقي الله تعالى، ولا يفتي فيما لا يفقه ولا يدخل فيما لا يعلم، وما لا يحسن، ولا تحملنه إجادة القول على الإعجاب بنفسه، والإسراع إلى الفتوى، ولا سيما إذا لم يكن من طلبة العلم، أو دارسي العلم الشرعي، والتقوى تقتضي أن يكون شجاعا فيرد الأمر إلى عالمه، أو يقول لا أدري فتسلم مقالته.
الثانية: تتعلق بالمصلين والمخاطبين، عليهم أن يعلموا بأنه ليس كل من يحسن الخطابة يحسن الفتوى، ولا يفترض في الخطيب أن يكون فقيها مفتيا، وليس نقصا في الخطيب أن لا يكودن مفتيا أو مجتهدا، فلكل علم رجال، وقد يجيد المرء جانبا من جوانب العلم، ولا يجيد آخر، فعلى المصلين أن لا يحرجوا الخطيب، ولا ينزلوه فوق منزلته.
٤ - ومن ذلك فقه ما يرقق القلوب، وينعش النفوس من الزهد والرقائق، ولطائف السير، وأخبار الصالحين، فإنها منشطة للنفوس، باعثة للعمل والتأسي.
قال ابن الجوزي: "رأيت الاشتغال بالفقه، وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب إلا أن يمزج بالرقائق، والنظر في سير السلف الصالحين، فأما مجرد العلم بالحلال فليس له كبير عمل في رقة القلب، وإنما يرق القلب بذكر رقائق الأحاديث، وأخبار السلف الصالحين. . . وما أخبرتك بهذه إلا بعد معالجة وذوق فافهم هذا، وامزج طلب الفقه والحديث بمطالعة سير السلف الزهاد في الدنيا ليكون سببا في رقة قلبك (١) .
وقال في ذكر تلبيس إبليس على الفقهاء: "ومن ذلك أنهم جعلوا النظر جل اشتغالهم، ولم يمزجوه بما يرقق القلوب من قراءة القرآن، وسماع الحديث، وسيرة الرسول ﷺ وأصحابه، ومعلوم أن القلوب لا تخشع بتكرار إزالة النجاسة، والماء المتغير، وهي محتاجة إلى التذكار والمواعظ لتنهض لطلب الآخرة. . . ومن
_________________
(١) صيد الخاطر (ص ١٩٧) .
[ ١١٠ ]
لم يطلع على أسرار سير السلف وحال الذي تمذهب له لم يمكنه سلوك طريق!! (١) .
إن من المفيد للخطيب في هذا أن يقتني بعض الكتب في الرقائق، والوعظ، والزهد، ومنها:
كتاب الزهد والرقائق لا بن المبارك، كتاب الزهد للإمام أحمد، والزهد لوكيع، والزهد للبيهقي، كتب ابن الجوزي الوعظية مثل صيد الخاطر، والمقلق، والمدهش، وغيرها، مدارج السالكين لا بن القيم، منهاج القاصدين، موعظة المؤمنين، وكلاهما مختصر لإحياء علوم الدين، أبواب الزهد والرقائق في كتب الحديث.