الثقافة اللغوية، وأدنى الكمال فيها أن يكون كلام الخطيب سليما من الخطأ، صحيحا فصيحا، فلا يقبل من الخطيب أن يرفع المفعول به، وينصب الفاعل، ويقدم ما حقه التأخير، أو يؤخر ما حقه التقديم في خطبته، فإن اللغة وعاء الفكرة، فإذا كانت لغة الخطيب ركيكة، وأسلوبه غير صحيح ولا فصيح فربما لا يلتفت إلى فكرته، ولو كانت في غاية الأهمية، وقد غلب على كثير من الخطباء هذا الضعف اللغوي- مع الأسف- حتى أصبح ظاهرة مؤلمة، وحتى أصبح المرء يسمع من على المنبر " إن المسلمون اليوم " ويسمع " كان المسلمون عزيزون بهذا الدين " بل غدا المرء يسمع ما هو أفحش وأقبح، مما ينبغي أن تنزه عنه المنابر، ومما لا يعد من أخطاء الخاصة، بل من أخطاء العامة التي لا يليق بحال من الأحوال وقوع الخطيب فيها.
_________________
(١) انظر: لسان العرب، بصر (٤ / ٦٤- ٦٦)، مختار الصحاح (ص٥٤) .
(٢) تفسير ابن كثير (٢ / ٤٩٦- ٤٩٧) .
[ ١٠٦ ]
قال ابن حبان: الفصاحة أحسن لباس يلبسه الرجل، وأحسن إزار يتزر به العاقل. . . ولا يكون سيان عند ذوي الحجا رجلان: أحدهما يلحن والآخر لا يلحن.
وقال ابن هبيرة (١) في الذي لا يلحن: إنه يقرأ كتاب الله على ما أنزل، والذي يلحن يحمله لحنه على أن يدخل في كتاب الله ما ليس فيه، ويخرج منه ما هو فيه. وقال عبد الرحمن بن مهدي (٢) ما ندمت على شيء ندامتي أني لم أنظر في العربية.
قال ابن حبان: وأحوج الناس إلى لزوم الأدب، وتعلم الفصاحة أهل العلم (٣) ومن الثقافة اللغوية المطلوبة من الخطيب أن يكون أسلوبه رصينا يتمتع بقدر من البلاغة التي تعني قدرته على أن يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه (٤) بفصاحة، وجلاء عبارة، مع الاقتباس والتمثيل من القرآن الكريم، ومن الحديث والشعر، والمثل، وغير ذلك، ولن يحصل للخطيب هذا الرصيد اللغوي والأدبي إلا أن يكون له صلة وثيقة بكتب الأدب واللغة، وما تضم من أساليب البيان، والحوارات الأدبية، وما تشتمل عليه من رجاحة الأحلام، وصحة العقول، وبلاغة الألسنة، وآداب الخطباء، وآداب الخطب، ومدح الفصاحة وشدة العارضة، وظهور الحجة، وثبات الجنان، وجودة القريحة، وما تذكره من نماذج رائعة للخطب القصار، والطوال، وخطب المناسبات، ومواعظ النساك، وتأدب العلماء، وغير ذلك مما يعظم أثره، ويطول ذكره.
وكذلك ما تشتمل عليه هذه الكتب من ذم للتشدق المتكلف، والتقعر، والعي، وكثرة الحركة، والنحنحة، وعيوب اللسان والأساليب، وغير ذلك.
_________________
(١) هو يحيى بن محمد بن هبيرة أديب فقيه من الكتاب الوزراء ت ٥٦٠هـ معجم المؤلفين (١٣ / ٢٢٨) .
(٢) أحد أئمة الحديث وحفاظه الأعلام ت سنة ١٩٨هـ. انظر: (التقريب ٤٠١٨) .
(٣) روضة العقلاء (ص ٢١٩- ٢٢٣) .
(٤) وانظر: لسان العرب (١٠ / ٣٠٢ بلغ) .
[ ١٠٧ ]
فلا يستغني الخطيب عن النظر في أمهات كتب الأدب، وعلى رأسها أربعة، وهي كما قال ابن خلدون: " سمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول فن الأدب وأركانه أربعة دواوين، وهي: أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرد، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي، وما سوى هذه الأربعة فتبع لها، وفروع عنها " (١) .
وهناك كتب أخرى لا تقل عن هذه الأربعة يحسن بالخطيب أن يكرر النظر إليها بين الحين والآخر، منها: عيون الأخبار لابن قتيبة، وروضة العقلاء لابن حبان، وأدب الدنيا والدين للماوردي، وغير ذلك من أشعار الحكمة، والأخلاق، كأشعار علي بن أبي طالب ﵁، وشعر الإمام الشافعي، وديوان الحماسة، ومختارات البارودي، وأشعار العلماء المبثوثة في تراجمهم وسيرهم، فإن كتب التراجم من أعظم مصادر الإمداد الثقافي والخلقي التي لا ينبغي إغفالها.
ومن المؤلفات المعاصرة سلسلة: صور من حياة الصحابة، وصور من حياة التابعين للدكتور عبد الرحمن رأفت الباشا ﵀، وسلسلة شعراء الدعوة الإسلامية، وغير ذلك.
وينبغي الحذر عند مطالعة كتب الأدب ونحوها من الأمور التالية:
(أ) ما تشتمل عليه من الأحاديث الواهية، والموضوعة، فمثل هذه الكتب لا تصلح أن تكون مصدرا للأحاديث النبوية لما تتسم به من تساهل في إيرادها، وذلك لعدم علم مؤلفيها بالحديث وعلومه، وعدم تحرزهم من ذكر الأخبار المكذوبة على رسول الله ﷺ، لأن اهتمامهم ينصب على الناحية البيانية البلاغية، فليحذر الخطيب من الاستشهاد بحديث يكون عمدته فيه كتابا من كتب الأدب، إلا أن يكون حديثا صحيحا قد بين أهل العلم صحته، وكذلك الحال بالنسبة لآثار الصحابة والتابعين، فإن كتب الأدب واللغة ليست من مظان مثل هذه الآثار.
_________________
(١) انظر: مقدمة البيان والتبيين (الصفحة الأولى) .
[ ١٠٨ ]
(ب) ما فيها من سقطات تتنافى مع أدب الإسلام، مثل مدح الخمرة، ووصف المردان، والنساء، وآلات اللهو والغناء، والقيان، وغير ذلك.
(ج) عدم اعتماد الوقائع التاريخية، والأحداث الكبيرة التي مرت بالأمة الإسلامية، وسير الخلفاء، والسلاطين، فإن إثبات مثل هذه الوقائع ينبغي أن يرجع فيه إلى كتب الحديث المعتمدة، وكتب التاريخ والطبقات، وليس كتب الأدب.
(د) ما فيها من هجاء مقذع، وألفاظ بذيئة فاحشة، ومن تعرض للأعراض والحرم، وهتك ما أمر الله تعالى بستره من ذلك.
(هـ) الإكثار من قراءتها، فإن المقصود من قراءة هذه الكتب والنظر فيها إصلاح المنطق، وتقويم اللسان، وتجويد اللغة، ونحو ذلك مما يعد من الوسائل، لا من المقاصد، فلا تعطى أكثر مما تستحق من الوقت والجهد.
قال ابن الجوزي ﵀: معرفة ما يلزم من النحو لإصلاح اللسان، وما يحتاج إليه من اللغة في تفسير القرآن والحديث أمر قريب، وهو أمر لازم، وما عدا ذلك فضلة لا يحتاج إليها، وإنفاق الزمان في تحصيل هذه الفضلة مع كونها ليست بمهمة، ومع ترك المهم غلط، وإيثاره على ما هو أنفع وأعلى رتبة كالفقه والحديث غبن، ولو اتسع العمر لمعرفة الكل لكان حسنا، ولكن العمر قصير فينبغي إيثار الأهم والأفضل (١) .