الكلمة أمانة: ألم يعلم أن الخطبة أمانة، والكلمة أمانة، وصعود المنبر أمانة، ووقت المصلين أمانة، والمخاطبين أمانة، فعلى الخطيب أن يستشعر عظم هذه الأمانة والمسؤولية قبل أن يصعد المنبر، وعند صعوده.
لقد أوجب الإسلام على المسلمين حضور صلاة الجمعة، والاستماع والإنصات للخطيب، وعدم التشاغل عنه بأي عمل من الأعمال، أو قول من الأقوال.
وهذا يحتم على الخطيب أن يكون على مستوى هذه المسؤولية التي أهل لها، والتي هيئ له الناس فيها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]
[ ٥٣ ]
أمر تعالى في هذه الآية بالسعي إلى ذكر الله، وأمر بترك البيع، ومثله سائر الأعمال التي تشغل عن صلاة الجمعة، وهذا دليل على أن صلاة الجمعة بما يسبقها من استعداد، وترك للأعمال، وما يرافقها من خطبة، واستماع وإنصات تمثل شعيرة من شعائر الإسلام.
ووردت أحاديث كثيرة في منع الكلام والإمام يخطب، وفي الأمر بالإنصات والاستماع للخطبة.
منها ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت» (١) .
وما رواه أبو داود، وابن خزيمة في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ: «ومن لغى وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرا» (٢) .
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «يحضر الجمعة ثلاثة نفر، فرجل حضرها بلغو، فذلك حظه منها، ورجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا الله، إن شاء أعطاه، وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت، ولم يتخط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدا، فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]» [الأنعام - ١٦٠] (٣) .
قال ابن القيم في تعداد خصائص الجمعة:
_________________
(١) البخاري (٣٤٣ / ٢) ومسلم (رقم ٨٥١) .
(٢) أبو داود (رقم ٣٤٧) وسكت عليه، وسكت عليه عبد الحق (الوسطى ٢ / ٩٧)، ورواه ابن خزيمة (١٨١٠) واسناده حسن.
(٣) رواه أحمد (٢ / ٢١٤) وأبو داود (١١١٣) وإسناده حسن، وانظر: تخريج المشكاة (١ / ٤٤٠) تخريج الزاد (١ / ٤١٣) .
[ ٥٤ ]
الخاصة التاسعة: الإنصات للخطبة إذا سمعها وجوبا في أصح القولين، فإن تركه كان لاغيا، ومن لغا فلا جمعة له (١) .
هذه النصوص وغيرها تضمن للخطيب جمهورا متفرغا مستمعا منصتا، يعطيه أذنه ووعيه، فعليه أن يتقي الله تعالى، فيحفظ أمانة الكلمة، وأمانة النصيحة التي يوصلها إليه، وليكن جادا في موضوعاته ساميا في اهتماماته، وعليه أن يكون أكثر الناس إحساسا بأهمية الموضوع، والحاجة إليه بحيث يدرك فيه من يسمعه صدق اللهجة، وقوة العاطفة، وشدة التحرق لحال أمته، ويلمس فيه سعة الاطلاع والإلمام بأحوال المسلمين في العالم الإسلامي، وما ينوء به واقعهم من مشكلات، ومدى الكيد والعداوة المتربصة بهم، مع الإلمام بحال البلد الذي يعيش فيه، والحي الذي يقطنه.
وذلك دون أن يخل بالغرض الأساسي من الخطبة، وهو العظة والتوجيه، وتقوية الإيمان في القلوب، وزرع الثقة في النفوس، والتذكير بسنن الله تعالى في عباده، ومنته عليهم، والتحذير من بطشه وأخذه.
إن من الخطأ الواضح أن يظن بعض الخطباء، وخاصة المتطوعون منهم أن الخطابة كلمات تقال في دقائق معدودة ثم ينتهي الأمر، أو أنهم يتصدقون على الناس بتلاوة آية قرآنية، أو حديث نبوي، فيفسرون الآية، ويشرحون الحديث بلغة ركيكة، أو أسلوب ضعيف، ثم على الناس أن يسمعوا ويطيعوا، وعليهم أن ينصرفوا من الخطبة وقد تغيرت حياتهم وأحوالهم.
ومما ينبغي أن يعد له الخطيب العدة ما قد يطرأ من طارئ مفاجئ، كأن تحدث جلبة أو صراخ في المسجد أثناء الخطبة، أو يصرخ أحد الحضور إعجابا أو انتقادا للخطبة، أو غير ذلك. فليكن دقيق الملاحظة، سريع المعالجة، حاضر البديهة، فليس هناك طريقة محددة لعلاج مثل هذا الموقف، ولكن تدارك الأمر يفرضه ظرف الحدث، وملابساته.
_________________
(١) ابن القيم، زاد المعاد (١ / ٣٧٧) .
[ ٥٥ ]
الخاتمة: ليس كل كلام يصلح أن يكون خاتمة للخطبة، ولا كل عبارة تصلح أن تكون نهاية للكلام، بل ينبغي أن تكون الخاتمة بأقوى العبارات وأجزلها، وأعظمها أثرا فهي آخر ما يطرق آذان المخاطبين، ويعلق بأذهانهم، فيحسن في الخاتمة أن تجمع الصفات التالية (١) .
١ - قوة العبارة وقصرها.
٢ - الاختلاف في ألفاظها عما سبق في الخطبة، فلا تكون تكرارا لما تقدم.
٣ - خلوها من أي خطأ علمي، أو لغوي، فإنها تعطي الانطباع الأخير عن الخطبة.
٤ - وقوعها في قمة حماسة الناس وتأثرهم.
_________________
(١) وانظر: فن الخطابة (ص ١٣٧) .
[ ٥٦ ]