ومن صور المبالغة والتهويل التي على الخطيب أن يتجنبها:
١ - المبالغة في المدح: وقد نهى الرسول ﷺ عن الإطراء، والإطراء هو المبالغة في المدح، والمبالغة في هذا تجاوز بالإنسان عن القدر الذي هو له، والمكانة التي يستحقها، وهي في مخالفة الحق لا تختلف عن ذم الإنسان، وأن ينسب إليه من النقص والعيب ما ليس فيه، ومن مساوئ المبالغة في المدح أن الشيطان يستجري المادح، ويستدرجه إلى تقديس
_________________
(١) تفسير ابن جرير (٢ / ٨-٩) .
(٢) في ظلال القرآن (١ / ١٣٠- ١٣١) بتصرف.
[ ٦٤ ]
الممدوح، وربما إلى تأليهه وعبادته، كما وقع للنصارى مع عيسى ﵇، وكما وقع لطوائف من غلاة الرافضة، والمتصوفة، مع الرسول ﷺ، أو مع آل بيته.
روى أحمد وأبو داود بإسناد جيد عن مطرف قال: قال لي أبي: «انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا، فقال: " السيد الله ﵎ "، قلنا: وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا، فقال: "قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرنكم الشيطان» (١) .
وعن أنس ﵁ «أن ناسا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا، وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: " أيها الناس قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله، ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿» (٢) .
وعن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد الله ورسوله» (٣) .
وعن أبي موسى ﵁ قال: «سمع النبي ﷺ رجلا يثني على رجل ويطريه في المدح، فقال: " أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل» (٤) .
وعن أبي بكرة ﵁ قال: «أثنى رجل على رجل عند النبي ﷺ فقال: " ويلك قطعت عنق صاحبك. . . ثلاثا " ثم قال: "من كان منكم مادحا أخاه لا محالة فليقل أحسب فلانا والله حسيبه، ولا يزكي على الله أحدا، أحسب كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك منه» (٥) .
وعن معاوية قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إياكم والتمادح فإنه الذبح» (٦) .
_________________
(١) المسند (٤ / ٢٥)، سنن أبي داود (الأدب- ٤٨٠٦) ولفظه لا يستجرينكم.
(٢) رواه البيهقي بإسناد جيد.
(٣) رواه البخاري (الأنبياء- ٣٤٤٥) .
(٤) رواه البخاري (الشهادات- ٢٦٦٣) ومسلم (الزهد- ٣٠٠١) .
(٥) رواه البخاري (الشهادات- ٢٦٦٢) ومسلم (الزهد - ٣٠٠٠) .
(٦) ابن ماجه بإسناد حسن (الأدب- ٣٧٤٣) .
[ ٦٥ ]
وقد تأدب بهذا الأدب الكريم أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من العلماء، والصالحين، المهتدين بهديه، عن أيوب أن رجلا قال لابن عمر: يا خير الناس، وابن خيرهم، فقال ابن عمر: ما أنا بخير الناس، ولا ابن خيرهم، ولكني عبد من عباد الله، أرجو الله وأخافه، والله لن تزالوا بالرجل حتى تهلكوه (١) .
وقال أبو عثمان الشافعي لأحمد بن حنبل: لا يزال الناس بخير ما من الله عليهم بلقائك، فقال له: لا تقل هذا يا أبا عثمان ومن أنا في الناس؟! (٢) .
وقال الخلال: أخبرني أحمد بن الحسين قال: دخلنا على أبي عبد الله فقال له شيخ من أهل خراسان: يا أبا عبد الله، الله الله، فإن الناس يحتاجون إليك وقد ذهب الناس، فإن كان الحديث لا يمكن، فمسائل، فإن الناس مضطرون إليك، فقال أبو عبد الله: إلي أنا؟ واغتم من قوله، وتنفس الصعداء، ورأيت في وجهه أثر الغم.
وقيل له: جزاك الله عن الإسلام خيرا، فقال: قيل لعمر بن عبد العزيز: جزاك الله عن الإسلام خيرا، فقال: لا بل جزى الله الإسلام عني خيرا (٣) .
فعلى الخطيب أن يكون مقتصدا في المدح، وأن لا يجاوز الأدب المشروع فيه سواء أكان الممدوح زعيما، أو قائدا، أو عالما، فليس أجمل ولا أكمل من أدب الإسلام في إنزال الناس منازلهم، وأشد ما يكون المدح إذا جاوز الحد، وكان في الوجه، فإنه لا يؤمن على الحي الفتنة، والله المستعان.