٣ - المبالغة في ذم الدنيا: من الأساليب التي يلجأ إليها بعض الخطباء المبالغة والإفراط في ذم الدنيا مما يصور الإسلام بأنه يحارب العمل، والتجديد في الوسائل، ويحذر من الغنى، ويكره للمسلم الاتساع في المكاسب، وهذا فهم خاطئ للإسلام، وإلا فكيف يحث الإسلام المسلم على الإنفاق، والبذل ويجعل يد الباذل هي العليا، ويحثه على تفريج الكربات، وعلى العمل الشريف إذا كان يذم هذا الأمر ويمقته.
إن الإسلام لا يذم الدنيا، بل يذم التكالب عليها، والغفلة بها عن الآخرة، ولا يذم المال بل يذم كسبه من الحرام، وتبذيره في الحرام، وإضاعته فيما لا يحل، ويذم الشح به، والحرص الشديد عليه، حتى يصبح المرء عبدا له، كما قال ﷺ: «تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم والقطيفة» الحديث " (١) .
قال ابن مفلح: يسن التكسب ومعرفة أحكامه حتى مع الكفاية، نص عليه، قاله في الرعاية، وقال أيضا: يباح كسب الحلال لزيادة المال والجاه، والترفه والتنعم، والتوسعة على العيال، مع سلامة الدين والعرض والمروءة، وبراءة الذمة، وقال ابن حزم: اتفقوا على أن الاتساع في المكاسب والمباني من حل إذا أدى جميع حقوق الله تعالى قبله مباح، ثم اختلفوا فمن كاره وغير كاره.
_________________
(١) أخرجه البخاري (الجهاد- ٢٨٨٦) .
[ ٦٧ ]
ويجب على من لا قوت له، ولمن تلزمه نفقته، ويقدم الكسب لعياله على كل نفل، وقد يتعين عليه لقوله ﷺ: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت»، وهذا الخبر رواه أبو داود، وفي مسلم معناه (١) .
ويكره ترك التكسب مع الاتكال على الناس. . . ويجب التكسب ولو بإيجار نفسه لوفاء ما عليه من دين ونذر وطاعة، وكفارة، ومؤونة تلزمه (٢) .
فعلى الخطيب حين يعرض للكلام على الدنيا، والغنى، والمال، أن يعرض موقف الإسلام من ذلك عرضا كاملا، مبينا متى تذم الدنيا، ومتى لا تذم، ثم لا تكون كل خطبة مركزة على ذم الدنيا، والمال، وعلى الترغيب في الزهد، والحث عليه، بل يعطي كل ذي حق حقه، فقد قال النبي ﷺ حين قيل له: «ذهب أهل الدثور بالأجور. .» ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٥٤] (٣) .
وأنقل هنا كلاما نفيسا لابن الجوزي ﵀ في كتابه القيم (تلبيس إبليس) حيث قال بعد أن ذكر جملة من الأحاديث في كسب المال وحفظه: فهذه الأحاديث مخرجة في الصحاح، وهي على خلاف ما تعتقده المتصوفة من أن إكثار المال حجاب وعقوبة (٤) .
وليوازن بين المصالح بذكر الترغيب في مقامه، والترهيب في مقامه.