المطلب الثاني
الاستشهاد بالشعر ومما يزين الخطبة، ويزيد من التأثر بها لدى السامع استشهاد الخطيب بالشعر، إن الشعر في موضعه يشد السامع ويلهب عاطفته، ويحرك نفسه، وفي الحديث الصحيح عن أبي بن كعب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن من الشعر لحكمة» (٣) .
_________________
(١) شرح كتاب الأمثال لأبي عبيدة (ص ٣) .
(٢) أنظر: جواهر الأدب للهاشمي (١ / ٢٦٠) .
(٣) أخرجه البخاري (الأدب- ما يجوز من الشعر ٦١٤٥) من حديث أبي بن كعب ﵁.
[ ٢٨ ]
ومن أول أغراض الشعر أن يكون في المواعظ، والأمثال، والآداب، والأخلاق، والحث على الجهاد أو الإنفاق، أو خلال الخير المتنوعة، وكذلك ما يرقق القلوب من شعر الزهد، والقناعة، والتذكير بالآخرة والجزاء.
ولهذا فإن الصحابة ﵃ استشهدوا بالشعر في مواطن مختلفة، في موطن العظة، وفي مقام الجهاد، فقد تمثلت عائشة ﵂ بالشعر عند مرض أبيها " وأخرج ابن أبي الدنيا من طريق عباد بن عباد، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبيه، عن جده علقمة بن وقاص، قال: إن عائشة ﵂ قالت: حضرت أبي ﵁ وهو يموت، وأنا جالسة عند رأسه، فأخذته فتمثلت ببيت من الشعر:
من لا يزال دمعه مقنعا فإنه لا بد مرة مدفوق
قالت: فرفع رأسه فقال: يا بنية ليس كذلك، ولكن كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩]
وأخرج من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن البهي قال: لما أن ثقل أبو بكر ﵁ جاءت عائشة ﵂ فتمثلت بهذا البيت:
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فكشف عن وجهه وقال ﵁: ليس كذلك، ولكن قولي: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩] (١) .
وتمثلت ببيتي متمم بن نويرة يرثي أخاه مالكا عند وفاة أخيها عبد الرحمن:
وكنا كندماني جذيمة برهة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفرقنا كأني ومالكا لطول فراق لم نبت ليلة معا
وأخرج أحمد عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤ / ٢٢٥) .
[ ٢٩ ]
استراب الخبر تمثل بعجز بيت طرفة "
ويأتيك بالأخبار من لم تزود
» (١) وثبت أنه تمثل ﷺ بالشعر في مناسبات أخرى، كحفر الخندق (٢) ويوم حنين (٣) أما خطباء الصحابة ﵃ ومن بعدهم مشاهير الخطباء فإن تمثلهم واستشهادهم بالشعر في خطبهم كثير يصعب حصره، قال ابن حجر عند الكلام على إنشاد النبي ﷺ الشعر يوم الخندق: وفي الحديث جواز قول الشعر وأنواعه. خصوصا الرجز في الحرب. . . لما فيه من تحريك الهمم، وتشجيع النفوس، وتحريكها على معالجه الأمور الصعبة (٤) .