(ج) تجنب المبالغة والتهويل في الخطبة: النفوس بطبائعها تنفر من المبالغة الزائدة عن الحق، وتفر من التهويل في الكلام، فاتباع الخطيب لهذا الأسلوب من شأنه أن يهز ثقة المخاطبين به، ويفقدهم المصداقية المطلوبة للإقناع والتأثير.
إن المسلم يتمتع بثبوت قياساته للأحداث والوقائع، ودقة موازينه للأمور، ومنهجه في هذا هو الوسطية، التي تعد من خصائص هذه الشريعة، ومن خصائص هذه الأمة.
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]
وإنما استحقت الأمة هذه المكرمة، وهي الشهادة على الناس بهذا المنهج الذي تتبعه، وبهذه الشريعة التي تدين بها.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٨ / ٢٣١) .
[ ٦٣ ]
قال الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية: وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه، غلو النصارى الذين غلوا في الترهيب وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله، وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله تعالى أوسطها. أهـ (١) .
فهذا الثبوت في ميزان المسلم للأمور، وهذا الوضوح في رؤيته للواقع، جعله أهلا لأن يزن أخبار الناس، وتصوراتهم، وأنماط حياتهم المختلفة، بميزان دقيق، لا يحيف ولا يطيش، فلا يضخم الواقع فيجعله أكبر من حجمه مرات، ولا يصغره ويحقره فيجعله دون ذلك بدرجات.
(وبهذا تتحدد حقيقة هذه الأمة ووظيفتها، لتعرفها، ولتشعر بضخامتها، ولتقدر دورها حق قدره، ولتستعد له استعدادا لائقا.
وإنها للأمة الوسط بكل معاني الوسط سواء من الوساطة بمعنى الحسن والفضل، أو من الوسط بمعنى الاعتدال والاعتقاد، لا تغلو في التجرد الروحي، ولا في الارتكاس المادي، بلا تفريط ولا إفراط، في قصد وتناسق واعتدال. . . في التفكير والشعور، في التنظيم والتنسيق، في الارتباط والعلاقات ٠٠٠) (٢) .