تقسيم الخطبة: الخطبة الجيدة تبدأ بمقدمة مناسبة تضع الموضوع في إطاره الصحيح، وتساعد المستمع على الفهم والاستيعاب. ثم تتناول نقاط الموضوع الرئيسة بدقة، مع عرض لخلاصة أخيرة تنتهي في الزمن المحدد (٢) .
وللجمعة خطبتان كما هو معلوم، لذا فإن الخطيب يستطيع أن يوزع الأفكار الرئيسة للموضوع على الخطبتين دون أن يحاصره الوقت، أو يمل السامعين، وليس من السنة ما يفعله بعض الخطباء من قصر الخطبة الثانية على الصلاة على النبي ﷺ، والدعاء فقط، فالخطبة الثانية ينبغي أن يكون لها صلة بالخطبة الأولى، أو فيها استكمال للنقاط التي طرحت فيها، أو استكمال للموضوع بنقاط وأفكار جديدة.
المقدمة: ومما له أثر في شد انتباه المخاطبين، أن يقدم للخطبة بمقدمة تسترعي انتباههم
_________________
(١) خصائص الخطبة والخطيب (ص ١٥٢- ١٥٣) .
(٢) انظر دليل التدريب القيادي، هشام الطالب (ص١٥٤)، فن الخطابة (ص١١٨- ١٢٠)، خصائص الخطبة والخطيب (ص٢٥- ٣٠) .
[ ٤٥ ]
وتوقظ مشاعرهم، ويستحسن في هذه المقدمة أن تكون:
١ - قصيرة موجزة.
٢ - قوية واضحة.
٣ - متعلقة بموضوع الخطبة.
٤ - مشوقة.
وقد تكون هذه المقدمة على شكل سؤال يوجهه إلى المخاطبين، ثم يكون جوابه في أثناء الخطبة، فإن السؤال يثير الرغبة لمعرفة الجواب، ويوقظ انتباه السامع، لذا كان النبي ﷺ يبدأ حديثه أحيانا بالسؤال، ومن ذلك:
١ - قوله ﷺ: «أتدرون ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ تقوى الله، وحسن الخلق، أتدرون ما أكثر ما يدخل الناس النار؟ الأجوفان: الفم والفرج» (١) .
٢ - وقوله ﷺ: «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره. . .» الحديث (٢) .
٣ - وعن أبي ذر ﵁ قال: " خرج علينا رسول الله ﷺ قال: «أتدرون أي الأعمال أحب إلى الله تعالى؟ قال قائل: الصلاة والزكاة، وقال قائل: الجهاد، قال النبي ﷺ: إن أحب الأعمال إلى الله تعالى الحب في الله، والبغض في الله» (٣) .
٤ - قوله ﷺ: «أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. . .» الحديث (٤) .
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢ / ٤٤٢) بإسناد صحيح، وابن ماجه (الزهد- ٤٢٤٦) .
(٢) رواه مسلم (البر والصلة- ٢٥٨٩) .
(٣) رواه أحمد (٥ / ١٤٦) من طريق مجاهد عن رجل عن أبي ذر، وروى أبو داود الجزء الأخير منه.
(٤) رواه مسلم (البر والصلة- ٢٥٨١) .
[ ٤٦ ]
وقد تكرر هذا في حديث النبي ﷺ، بل إنه من أساليب القرآن العظيم، وقد يبدأ الخطيب هذه المقدمة بخبر موجز مثير، وقد يبدؤها في كلمات موجزة، إما بقصة من التاريخ، أو من الواقع، أو يبدؤها بآية، أو حديث أو حكمة، أو ما شابه ذلك مما يكون فاتحة لموضوعه، ومنبها لأذهان السامعين إليه، وينبغي أن يحذر الرتابة في هذا المجال حيث تكون خطبه ذات مقدمة واحدة معروفة لدى سامعيه، بل عليه أن يلون ويجدد ويغير في طريقة تناوله للموضوع، وفي أسلوب استهلاله للخطبة.
وليعلم أن شدة إصغاء السامعين إليه، وانجذابهم، وتفاعلهم معه ليس لحسن تقدمته وحسب، بل لا بد من توفر مجموعة أمور تتعلق بإخلاصه، وحسن سيرته، وعلمه، وأدبه، وفصاحته. . . وغير ذلك.
ومما ينبغي أن يتنبه له أيضا أن خطبة الجمعة تختلف عن خطبة النكاح، أو عن خطبة الصلح، أو المحاضرة، أو نحو ذلك من الدروس والندوات، وغيرها.
قال ابن المقفع: "وليكن صدر كلامك دليلا على حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته " كأنه يقول: " فرق بين صدر خطبة النكاح، وخطبة العيد، وخطبة الصلح، وخطبة التواهب، حتى يكون لكل فن من ذلك صدر يدل على عجزه " فإنه لا خير في كلام لا يدل على معناك ولا يشير إلى مغزاك، وإلى العمود الذي قصدت، والغرض الذي إليه نزعت.
فقيل له: فإن مل المستمع الإطالة التي ذكرت أنها أحق بذلك الموضع، قال: إذا أعطيت كل مقام حقه، وقمت بالذي يجب من سياسة الكلام، وأرضيت من يعرف حقوق ذلك، فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو، فإنهما لا يرضيان بشيء، فأما الجاهل فلست منه، وليس منك، ورضا جميع الناس شيء لا ينال (١) .
_________________
(١) البيان والتبيين للجاحظ (١ / ١١٦) .
[ ٤٧ ]
وخلاصة القول في هذا الباب أن " المقدمة أول ما يطرق الأسماع من الخطبة، فإن كانت جيدة أصغى السامعون، وتأهبوا لما بعدها، وتفتحت نفوسهم للخطيب، وإلا كانت نذيرا بفشله وتفاهة أثره " (١) .
فليجتهد الخطيب في تحضير المقدمة، والتمهيد للموضوع جهده، أما التزام بعض الخطباء بخطبة الحاجة الواردة عن النبي ﷺ في بداية كل خطبة فليس بلازم، وليست السنة كذلك، فإن النبي ﷺ لم يلتزم به في كل خطبة، فهذه خطبة الوداع أشهر خطبه ﷺ وأكثرها مستمعين لم ينقل أنه بدأها بخطبة الحاجة، عن ابن عباس ﵄ «أن رسول الله ﷺ خطب الناس في حجة الوداع فقال: " إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم، ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم، فاحذروه. . .» الحديث " (٢) .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في بيان هديه ﷺ في خطبه: «كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه» وفي لفظ: «يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: " من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله» .
وكان يقول في خطبته بعد التحميد والثناء والتشهد: " أما بعد " (٣) .
إذا فالسنة أن يبدأ بحمد الله تعالى والثناء عليه بما هو أهله، ثم يصلي على النبي ﷺ، وأحيانا يبدأ بخطبة الحاجة، ويبدأ بغيرها من الحمد والثناء والصلاة على النبي ﷺ أحيانا أخرى.
_________________
(١) فن الخطابة (ص ١١٧) .
(٢) رواه البخاري (الفتن - ٨ / ٩١)، ومسلم (الإيمان- ٦٦)، وكذلك رواه جابر ﵁ في روايته المشهورة لحجة النبي ﷺ، ورواه أبو بكرة كذلك ﵁.
(٣) خصائص الخطبة والخطيب (ص ٩٥) .
[ ٤٨ ]
وبعض الخطباء يستهل خطبته دائما بألفاظ معينة يلتزم بها في كل خطبة، حتى أصبحت محفوظة مكرورة لدى المصلين، تدعو إلى الملل والسأم من حين يبدأ في الخطبة.
وبعضهم يلتزم بذلك في الخطبة الثانية، فأصبحت الخطبة الثانية لديه كلمات معدودة تتكرر كل جمعة، وأصبح يحفظها الصغير والكبير ممن يؤم مسجده.