الحمد لله مجيب الدعوات وكاشف الكربات، والصلاة والسلام على أزكى البريات، أما بعد:
فإن شأنَ الدعاء عظيم، ونفْعَهُ عميم، ومكانتَه عاليةٌ في الدين، فما استُجْلِبت النعمُ بمثله ولا استُدْفِعت النِّقَمُ بمثله، ذلك أنه يتضمَّن توحيد الله، وإفراده بالعبادة دون من سواه، وهذا رأس الأمر، وأصل الدين.
وإن شهرَ رمضانَ لفرصةٌ سانحة، ومناسبة كريمة مباركة يتقرَّب فيها العبد إلى ربه بسائر القربات، وعلى رأسها الدعاء؛ ذلكم أن مواطن الدعاء، ومظانَّ الإجابة تكثر في هذا الشهر؛ فلا غَرْوَ أن يُكْثِر المسلمون فيه من الدعاء.
ولعل هذا هو السر في ختم آيات الصيام بالحثّ على الدعاء، حيث يقول ربنا - ﷿ -:
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: ١٨٦) .
وإليكم - معاشر الصائمين - هذه الوقفات اليسيرة مع مفهوم الدعاء، وفضله.
[ ١٩٤ ]
أيها الصائمون: الدعاء هو أن يطلبَ الداعي ما ينفعُه وما يكشف ضُرَّه؛ وحقيقته إظهار الافتقار إلى الله، والتبرؤ من الحول والقوة، وهو سمةُ العبوديةِ، واستشعارُ الذلةِ البشرية، وفيه معنى الثناءِ على الله - ﷿ - وإضافةِ الجود والكرم إليه.
أما فضائلُ الدعاءِ، وثمراتُه، وأسرارُه - فلا تكاد تحصر، فالدعاءُ طاعةٌ لله، وامتثال لأمره، قال الله - ﷿ -: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: من الآية ٦٠) .
والدعاء عبادة، قال النبي ﷺ: «الدعاء هو العبادة» .
رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، ورواه ابن ماجه، وصححه الألباني.
والدعاء سلامة من الكبر: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: ٦٠) .
والدعاءُ أكرمُ شيءٍ على الله، قال النبي ﷺ: «ليس شيءٌ أكرم على الله - ﷿ - من الدعاء» .
رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد، وابن ماجه، والترمذي والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي.
[ ١٩٥ ]
والدعاء سبب لدفع غضب الله، قال النبي ﷺ: «من لم يسألِ اللهَ يَغْضَبْ عليه» .
أخرجه أحمدُ، والترمذيُّ، وابن ماجه، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني.
والدعاء سبب لانشراح الصدر، وتفريج الهم، وزوال الغم، وتيسير الأمور، ولقد أحسن من قال:
وإني لأدعو اللهَ والأمرُ ضيّقٌ عليَّ فما ينفك أن يتفرّجا
وربَّ فتًى ضاقتْ عليه وجوهُهُ أصاب له في دعوة الله مَخْرَجا
والدعاء دليل على التوكُّل على الله، فسرُّ التوكلِ وحقيقتُه هو اعتمادُ القلبِ على الله، وفعلُ الأسباب المأذون بها، وأعظمُ ما يتجلَّى هذا المعنى حالَ الدعاء؛ ذلك أن الداعيَ مستعينٌ بالله، مفوضٌ أمرَهُ إليه وحده.
والدعاء وسيلة لكِبَرِ النفس، وعلو الهمة؛ ذلك أن الداعيَ يأوي إلى ركن شديدٍ ينزل به حاجاتِه، ويستعين به في كافّة أموره؛ وبهذا يتخلص من أَسْر الخلق، ورقِّهم، ومنَّتِهِم، ويقطعُ الطمعَ عما في أيديهم، وهذا هو عين عِزِّهِ، وفلاحِه.
[ ١٩٦ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وكلّما قوي طمع العبد في فضل الله، ورحمته، لقضاء حاجته ودفع ضرورته؛ قويت عبوديتُه له، وحريته مما سواه؛ فكما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديتَه له فَيأْسُهُ منه يوجب غنى قلبه) اهـ.
والدعاء سلامة من العجز، ودليل على الكَياسة، قال النبي ﷺ: «أعجز الناس من عجز من الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسلام» . رواه ابن حبان، وصححه الألباني.
ومن فضائل الدعاء: أن ثمرته مضمونة - بإذن الله - قال النبي ﷺ: «ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل، أو كفّ عنه من سوء مثلَه؛ ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم» . رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني.
وقال ﷺ: «ما من مؤمنٍ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لله يسأله مسألةً إلا أعطاه الله إياها، إما عجّلها له في الدنيا، وإما ذخرها له في الآخرة، ما لم يعجل) قالوا: يا رسول الله وما عَجَلَتُه؟ قال: (يقول: دعوت ودعوت ولا أراه يُستجاب لي» . أخرجه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني.
[ ١٩٧ ]
ففي الحديثين السابقين وما في معناهما؛ دليل على أن دعاء المسلم لا يُهمل، بل يُعطى ما سأله إما مُعجلًا، وإما مُؤجلًا.
قال ابن حجر ﵀: (كلُّ داعٍ يُستجاب له، لكن تتنوع الإجابة؛ فتارةً تقع بعين ما دعا به، وتارةً بعِوَضِه) . اهـ.
قال بعضهم في وصف دعوة:
وربَّ ظلومٍ قد كُفِيتُ بحربهِ فَأَوقعَه المقدورُ أيَّ وقوعِ
فَما كان لي الإسلامُ إلا تَعَبُّدًا وأدعيةً لا تُتَّقى بدروعِ
وحسبك أن ينجو الظلومُ وَخَلْفَهُ سهامُ دعاءٍ من قِسِيِّ ركوعِ
مُرَيَّشةً بالهدب من كل ساهرٍ ومنهلةً أطرافها بدموعِ
ويقول:
أتهزأُ بالدعاء وتزدريه وما تدري بما صنع الدعاءُ
سهامُ الليلِ لا تخطي ولكن لها أَمَدٌ وللأمدِ انقضاءُ
شروط الدعاء:
أيها الصائمون الكرام: للدعاء شروطٌ عديدةٌ لا بد من توافرها؛ كي يكون الدعاء مستجابًا مقبولًا عند الله.
[ ١٩٨ ]
فمن أهم تلك الشروط: أن يكون الداعي عالمًا بأن الله وحده هو القادر على إجابة الدعاء، وألا يدعو إلا الله وحده؛ لأن دعاء غير الله شرك، وأن يتوسّل إلى الله بأحد أنواع التوسُّل المشروعة كالتوسُّل إلى الله باسم من أسمائه، أو صفة من صفاته، أو أن يتوسَّل بصالح الأعمال، أو بدعاء رجل صالح حيٍّ حاضر قادر.
ومن شروط الدعاء: تجنبُ الاستعجال، والدعاءُ بالخير، وحسنُ الظنِّ بالله، وحضورُ القلب، وإطابةُ المأكل، وتجنُّبُ الاعتداءِ، هذه هي شروط الدعاء على سبيل الإيجاز.
آداب الدعاء:
وهناك آداب يحسن توافرها: كي يكون الدعاء كاملًا، ومنها الثناءُ على الله قبل الدعاء، والصلاةُ على النبي ﷺ والإقرارُ بالذنب، والاعترافُ بالخطيئة، والتضرعُ، والخشوعُ، والرغبةُ، والرهبةُ، والجزمُ في الدعاءِ، والعزمُ في المسألة، والإلحاحُ بالدعاء، والدعاءُ في كل الأحوال، والدعاءُ ثلاثًا، واستقبالُ القبلة، ورفعُ الأيدي، والسواكُ، والوضوءُ، واختيارُ الاسم المناسبِ أو الصفةِ المناسبةِ كأن يقول: يا رحمن ارحمني، برحمتك أستغيث.
[ ١٩٩ ]
ومن آداب الدعاء: خفضُ الصوتِ، وأن يتخيَّر الداعي جوامعَ الدعاء، ومحاسنَ الكلامِ، وأن يتجنَّب التكلُّفَ، والسَجْعَ، وأن يبدأ الداعي بنفسه، وأن يدعو لإخوانه المسلمين.
هذه بعض آداب الدعاء على سبيل الإجمال، والأدلة على ذلك مبسوطة في الكتاب والسنة، والمجال لا يتَّسع للتفصيل؛ فالإتيان بشروط الدعاء وآدابه من أعظم الأسباب الجالبة لإجابة الدعاء.
ومن الأسباب - أيضًا -: الإخلاص لله حالَ الدعاء، وقُوةُ الرجاء، وشدَّةُ التحرّي، وانتظارُ الفَرَجِ، والتوبةُ، وردُّ المظالمِ، والسلامةُ من الغفلة، وكثرةُ الأعمالِ الصالحةِ، والأمرُ بالمعروفِ، والنهيُ عن المنكر، والتقرُّبُ إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، وبِرُّ الوالدين، واغتنامُ الفُرصِ، وذلك بتحري أوقات الإجابة، واغتنامُ الأحوال، والأوضاع، والأماكن التي هي مظانُّ إجابة الدعاء.
مسألة تأَخّر الإجابة، والحِكَم من وراء ذلك:
أيها الصائمون الكرام: إن من البلاء على المؤمن أن يدعو فلا يُجاب؛ فيكرّر الدعاء، ويلحَّ فيه، وتطولَ المدة فلا يرى أثرًا للإجابة.
[ ٢٠٠ ]
ومن هنا يجد الشيطان فرصته؛ فيبدأ بالوسوسة للمؤمن، وإيقاعه في الاعتراض على حكم الله، وإساءته الظن به - ﷿ -.
فعلى من وقعت له تلك الحال ألا يلتفت إلى ما يلقيه الشيطان؛ ذلك أن تأخر الإجابة مع المبالغة في الدعاء يحمل في طيّاته حِكَمًا باهرةً، وأسرارًا بديعةً، وفوائدَ جمةً، لو تدبرها الداعي لما دار في خَلَدِه تضجُّر من تأخر الإجابة.
ومن تلك الحِكَم والأسرار والفوائد التي يحسن بالداعي أن يتدبرها، ويجمل به أن يستحضرها ما يلي:
أولًا: أن تأخر الإجابة من البلاء، كما أن سرعة الإجابة من البلاء - أيضًا - قال - ﷿ -:
﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء: من الآية ٣٥) .
فالابتلاء بالخير يحتاجُ إلى شكر، والابتلاءُ بالشر يحتاج إلى صبر؛ فإياك أن تستطيل البلاء، وَتَضْجَرَ من كثرة الدعاء؛ فإنك ممتحنٌ بالبلاء متعبَّدٌ بالصبر والدعاء؛ فلا تيأسنّ من رَوْح الله وإن طال البلاء.
قال عمر بن عبد العزيز ﵀: (أصبحت وما لي سرورٌ إلا في انتظارِ مواقعِ القدرِ، إن تكنِ السراءُ فعندي الشكرُ، وإن تكن الضراءُ فعندي الصبرُ) .
[ ٢٠١ ]
ثانيًا: من حكم تأخر إجابة الدعاء: أن يستحضر الإنسان أن الله هو مالك الملك، فله التصرُّف المطلق، بالعطاء والمنع؛ فلا رادّ لفضله، ولا مُعقّب لحكمه، ولا اعتراض على عطائه ومنعه، إن أعطى فبفضل، وإن منع فبعدل؛ فلا حقّ - إذًا - للمخلوق المربوب على الخالق الرب - ﷿ -.
ثالثًا: أن الله - ﷿ - له الحكمة البالغة؛ فلا يعطي إلا لحكمة، ولا يمنع إلا لحكمة، وقد يرى الإنسان أن في ذلك الشيء مصلحةً ظاهرةً؛ ولكن الحكمةَ لا تقتضيه، فقد يخفى في الحكمة فيما يفعله الطبيب من أشياء تؤذي في الظاهر ويُقْصَد بها المصلحة، فلعل هذا من ذاك، بل أعظم؛ فقد يكون تأخرُ الإجابة، أو منعُها هو عين المصلحة.
رابعًا: قد يكون في تحقُّق المطلوب زيادةٌ في الشر، فربما تحقق للداعي مطلوبُه، وأجيب له سؤلُه؛ فكان ذلك سببًا في زيادةِ إثمٍ، أو تأخيرٍ عن مرتبةٍ، أو كان ذلك حاملا على الأشَر والبَطر، فكان التأخير أو المنع أصلح.
وقد روي عن بعض السلف أنه كان يسأل الغزو؛ فهتف به هاتف: إنك إن غزوت أُسرت، وإن أُسرت تنصّرت.
[ ٢٠٢ ]
قال ابن القيم ﵀: (فقضاؤه لعبده المؤمن عطاءٌ، وإن كان في صورة المنع، ونِعْمَةٌ وإن كان في صورة محنة، وبلاؤه عافية، وإن كان في صورة بلية.
وَلَكنْ لجهل العبدِ، وظلمِه لا يَعُدُّ العطاءَ والنعمةَ والعافيةَ إلا ما التذّ به في العاجل، وكان ملائمًا لطبعه.
ولو رزق من المعرفة حظًّا وافرًا؛ لعد المنعَ نعمةً والبلاءَ رَحمةً، وتلذّذ بالبلاء أكثرَ من لذته بالعافية، وتلذّذ بالفقر أكثرَ من لذته بالغنى، وكان في حال الِقلّةِ أعظمَ شكرًا من حال الكثرة.) اهـ.
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: (ولهذا من لطف الله - ﷿ - لعبده أنه ربما طمحت نفسُه لسبب من الأسباب الدنيوية التي يظُن بها إدراكَ بُغْيتِهِ، فيعلم أنها تضرّه، وتصدّه عما ينفعه؛ فيحول بينه وبينها، فيظل العبد كارهًا، ولم يَدْرِ أن ربه قد لَطَفَ به؛ حيث أبقى له الأمر النافع، وصرف عنه الأمر الضار) .
[ ٢٠٣ ]
خامسًا: الدخول في زمرة المحبوبين لله - ﷿ - فالذين يدعون ربهم، ويُبْتَلَون بتأخر الإجابة عنهم - يدخلون في زمرة المحبوبين المشرَّفين بمحبة الله؛ فهو - ﷿ - إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، قال النبي ﷺ: «إن عِظمَ الجزاءِ مع عِظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السَّخط» أخرجه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الترمذي والألباني.
سادسًا: أن اختيارَ اللهِ للعبد خيرٌ من اختيار العبد لنفسه، وهذا سر بديع يحسن بالعبد أن يتفطَّن له حال دعائه لربه؛ فهذا يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات، ويُفْرِغُ قَلْبَهُ من التقديرات والتدبيرات التي يصعد منها في عَقَبَة وينزل في أخرى.
وإذا فوّض العبد أمره إلى ربه، ورضي بما يختاره له - أمدّه الله بالقوة، والعزيمة، والصبر، وصرف عنه الآفات التي هي عرضةُ اختيارِ العبدِ لنفسه، وأراه من حسن العاقبة ما لم يكن ليصلَ إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه.
[ ٢٠٤ ]
سابعًا: أن المكروه قد يأتي بالمحبوب، والعكس بالعكس؛ بل إن عامةَ مصالحِ النفوس في مكروهاتها، كما أن عامَّةَ مضارِّها وأسباب هلكتها في محبوباتها قال ﷿ -: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء: من الآية ١٩) .
قال سفيان بن عيينة ﵀: (ما يكرهُ العبدُ خيرٌ له مما يحب؛ لأن ما يكرهه يُهَيِّجُه للدعاء، وما يحبه يلهيه) .
ثامنًا: أن تأخر الإجابة سببٌ لِتَفَقُّدِ العبد لنفسه؛ فقد يكون امتناعُ الإجابة أو تأخرها لآفة في الداعي؛ فربما كان في مطعومه شبهةٌ، أو كان في قلبه وقتَ الدعاء غفلةٌ، أو كان متلبسًا بذنوب مانعةٍ؛ وبهذا ينبعث إلى المحاسبة، والتوبة، ولو عُجِّلَت له الإجابةُ لفاتته هذه الفائدة.
[ ٢٠٥ ]
تاسعًا: قد تكون الدعوةُ مستجابةً دون علم الداعي؛ لأن ثمرة الدعاء مضمونة - بإذن الله - قال النبي ﷺ: «ما من مسلم يدعو ليس بإثم ولا بقطيعة رحم؛ إلا أعطاه الله إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها) قيل: يا رسول الله ﷺ إذًا نكثر؟ قال: (الله أكثر)» أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني.
إذا تقرر هذا؛ فكيف يستبطئ الداعي الإجابة طالما أن الثمرةَ مضمونةٌ، ولماذا لا يحسنُ العبدُ ظنَّه بربه ويقول: لعله استُجِيب لي، وآتاني ربي إحدى هذه الثلاثِ من حيثُ لا أعلم؟ !.
عاشرًا: التمتُّع بطول المناجاة، فكلما تأخرت الإجابة طالت المناجاة، وحصلت اللذة، وزاد القرب، ولو عجلت الإجابة لربما فاتت تلك الثمرة.
قال سفيان الثوري ﵀: (لقد أنعم الله على عبد في حاجة أكثرَ من تضرعه إليه فيها) .
حاديَ عَشَرَ: تكميلُ مراتب العبودية؛ فالله - ﷿ - يحب أولياءه، ويريد أن يكمل لهم مراتب العبودية؛ فيبتليهم بأنواع من البلاء، ومنها تأخر إجابة الدعاء؛ كي يترقّوا في مدارج الكمال، ومراتب العبودية.
[ ٢٠٦ ]
ومن تلك العبوديات العظيمة التي تحصل من جرّاء تأخر إجابة الدعاء - انتظار الفرج، وقوةُ الرجاء، وحصولُ الاضطرار، والافتقارُ إلى الله، والانكسارُ بين يدي جبار السماوات والأرض، ومجاهدةُ الشيطان ومراغمتُه.
أيها الصائمون: هذه بعض الوقفات اليسيرة مع مفهوم الدعاء، وفضله، وثمراته، وأسراره، وبعض الحكمِ والأسرار والفوائدِ المتلمَّسةِ من جرّاء تأخر إجابة الدعاء؛ فحريٌّ بالعبد أن يكثر من دعاء الله، وبعد ذلك يدعُ التقديراتِ، والتدبيراتِ للعليم الحكيم.
اللهم يسرنا لليسرى، وجنبنا العسرى، اللهم اختم بالصالحات أعمالنا، واقرن بالعافية غدوَّنا وآصالنا، اللهم انصر المجاهدين، وفرِّج هم المهمومين، ونفِّسْ كربَ المكروبين من المسلمين، واقض الدَّين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
وصلِّ اللهم وسلّم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
[ ٢٠٧ ]