المبحث الرابع: في أقوال المفسرين في معنى الآيات
المبحث الرابع: في أقوال المفسرين في معنى الآيات:
١ - ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج: ٣٨] .
المعنى: إنَّ الله يدافع عن المؤمنين الذين توكلوا عليه وأنابوا إليه، غوائل المشركين وشر الأشرار وكيد الفجار.
وقيل: يعلي حجتهم. وقيل: يوفقهم. والمعنى متقارب.
والجملة مستأنفة لبيان هذه المزية الحاصلة للمؤمنين من رب العالمين وأنَّه المتولي للمدافعة عنهم١.
وفي الآية إشارة إلى أنَّ المؤمنين مُعَرَّضون للابتلاء من أعداء الله، ولكنَّ الله -﷾- يدافع عنهم. فيربط على قلوبهم ويثبت أقدامهم على طريق الهدى، ويمدهم بالصبر على احتمال المكروه، وهذا الوعد أشبه بالدروع التي تتكسَّر عليها ضربات الباطل والكفر. ثُمَّ ينتهي الأمر بانحسار الضلال وأهله، وغلبة الإيمان وانتصار أهله؛ كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١] . وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٨] .
أي أنَّ الله لا يحب مَن اتَّصَف بهذه الصفة، وهي الخيانة في العهود والمواثيق، لا يفي بما قال.
والكفر: الجحود للنعم لا يعترف بها٢.
والجملة مقررة لمضمون الجملة الأولى؛ فإنَّ مدافعة الله للكافرين عن عباده المؤمنين مشعرة أتم إشعار بأنَّهم مبغضون إلى الله غير محبوبين له.
_________________
(١) ١ فتح القدير للشوكاني ٣/٤٥٦، وابن جرير ٧/١٧١ ٢ ابن كثير ٣/٢٢٤.
[ ٣٠ ]
وإيراد صيغتي المبالغة للدلالة على أنَّهم كذلك في الواقع لا لإخراج مَن خان دون خيانتهم، أو كفر دون كفرهم١.
وهكذا تضمَّنت الآية وعدًا من الله بنصر المؤمنين، ووعيدًا بخذلان الكافرين الخائنين، والخيانة - هنا - تصدق بالأصالة على الخيانة الكبرى. وهي خيانة الأمانة الإلهية التي عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان. مما يجب على الإنسان الوفاء به من حقوق الله تعالى، وحقوق العباد في كُلِّ آن.
وتصدق بالتبع على بقية صنوف الخيانات مِمَّا يتفرَّع عنها ويظهر أثره في مختلف التصرفات٢.
٢ - ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] .
الآية على تقدير محذوف: أي أذن لهم في القتال بسبب أنَّهم ظلموا. قال ابن عباس -﵄-: "هذه أول آية نزلت في الجهاد"٣.
وقال أكثر المفسرين: هم أصحاب رسول الله ﷺ. كان مشركو مكَّة يؤذونهم أذىً كثيرًا، وكانوا يأتون إليه بين مضروب ومشجوج، ويتظلَّمون إليه، فيقول لهم: "اصبروا فإنِّي لم أومر بقتالهم"، حتى هاجروا، فأُنْزِلَت هذه الآية٤.
وقال في أحكام القرآن: "إنَّ الله -﷾- لَمَّا بعثَ محمَّدًا ﷺ بالحجَّة، دعا قومه إلى الله دعاءً دائمًا عشرة أعوام لإقامة حجة الله، ووفاءً بوعده الذي امتن به بفضله في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ [الإسراء:١٥] .
_________________
(١) ١ فتح القدير ٣/٤٥٦ ٢ التيسير في أحاديث التفسير ٤/١٧٨ ٣ صفوة التفاسير ٢/٢٩١ ٤ صفوة التفاسير ٢/٢٩١، وانظر تفسير ابن كثير ٣/٢٢٥.
[ ٣١ ]
واستمرَّ الناس في الطغيان، وما استدلوا بواضح البرهان، وحين أعذر الله بذلك إلى الخلق وأبوا عن الصدق، أمَرَ رسولَه ﷺ بالقتال يستخرج الإقرار بالحق منهم بالسيف"١.
وقُرِئ ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بفتح التاء وكسرها. وقوَّى صاحب الأحكام٢ قراءة الكسر؛ لأنَّ النبي ﷺ بعد وقوع العفو والصفح عمَّا فعلوا، أذِنَ الله له بالقتال عند استقراره بالمدينة، فأخرج البعوث، ثُمَّ خرج بنفسه حتى أظهره الله يوم بدر. وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ٣. وفي هذا التذييل للآية وعد من الله تعالى بنصر المؤمنين نصرًا مؤزرًا متى خاضوا المعركة لإعلاء كلمة الله ونصر دينه.
وقد جاء هذا الوعد في صيغة تحفز على الاستماتة في سبيل الله، كلها توكيد وتأييد.
ومَنْ كانت قدرة الله توجهه وترافق خطواته وحركاته، لن يستطيعَ عائق كيفما كان أن يقف في طريقه أو يفتّ من عزيمته٤.
٣ - ﴿الذين أُخْرِجُوا من الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] .
_________________
(١) ١ أحكام القرآن لابن العربي، القسم الثالث ص ١٢٩٦-١٢٩٧، وابن جرير ١٧/١٧١-١٧٢ ٢ هو: أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد المعافري الأندلسي الأشبيلي، ولد في شعبان سنة ٤٦٨هـ، ختام علماء الأندلس، وآخر أئمتها وحُفَّاظها، وله عِدَّة مؤلَّفات منها: أحكام القرآن، وكتاب المسالك في شرح موطأ مالك، والعواصم من القواصم، والمحصول في أصول الفقه، وغيرها. وتوفي سنة ٥٤٣هـ. طبقات المفسرين للدادي ٢/١٦٧-١٧٠، طبقات المفسرين للسيوطي ص٣٤، وفيات الأعيان ٣/٤٢٣ ٣ أحكام القرآن لابن العربي، القسم الثالث ص ١٢٩٧ ٤ التيسير في أحاديث التفسير ٤/١٧٨.
[ ٣٢ ]
﴿الذين أُخرجوا من ديارهم﴾: وصفٌ للذين أذن لهم بالقتال، فهو بدل منصوب على المدح، أو مرفوع على أنَّه مبتدأ. والمراد بالديار: مكَّة المكرَّمة١.
قال ابن عباس - ﵄ -: "أُخْرِجُوا من مكَّة إلى المدينة بغير حق، وهم محمَّد ﷺ وأصحابه"٢.
﴿إِلأَ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾: أي ما كان لهم إلى قومهم إساءة،
ولا كان لهم ذَنْب إلاَّ أنَّهم وحَّدوا الله وعبدوه لا شريك له.
- وهل في هذا عدوان على أحد؟ أو ضرر يعود على أحد؟! ولكن أهل الضلال والبغي ينظرون بعيون مريضة، ويحكمون على الأمور بعقولٍ فاسدة. فيرون النور ظلمة، والخير شرًّا، والإحسان إساءً!! ٣.
فتكون هذه الآية الكريمة مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩] .
وقول النابغة٤:
ولا عيب فيهم غير أنَّ سيوفهم بهنَّ فلولٌ من قراع الكتائب٥
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠] .
_________________
(١) ١ فتح القدير ٣/٤٥٧ ٢ صفوة التفاسير ٢/٢٩٢ ٣ ابن كثير ٣/٢٢٥، التفسير القرآني للقرآن - الكتاب التاسع ص ١٠٤٤ ٤ هو زياد بن معاوية بن ضباب الذبياني الغطفاني المضري، أبو أمامة، شاعر جاهلي، من الطبقة الأولى. كانت تضرب له قبة في سوق عكاظ فتقصده الشعراء وتعرض عليه أشعارها. طبقات ابن سلام ص٥١، الأعلام ٣/٥٤-٥٥، الشعر والشعراء ص٨٧ وما بعدها. ٥ ديوان النابغة ص ٣٩. وفتح القدير ٣/٢٢٥.
[ ٣٣ ]
معنى: لهدِّمَت: لَخُرِّبَت باستيلاء أهل الشرك على أهل الملل.
والصوامع: صوامع الرهبان. وقيل: صوامع الصابئين.
والبيع: جمع بيعة، وهي كنيسة النصارى.
والصلوات: هي كنائس اليهود.
والمساجد: هي مساجد المسلمين.
والمعنى: لولا ما شرعه الله للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء لاستولى أهل الشرك، وذهبت مواضع العبادة من الأرض١.
قال ابن كثير٢ - ﵀ -: "أي لولا أنَّه يدفع بقومٍ عن قوم، ويكف شرور أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب، لفسدت الأرض، ولأهلك القويُّ الضعيفَ"٣.
وقيل: لولا هذا الدفع لهدِّمَت في زمن موسى -﵇- الكنائسُ. وفي زمن عيسى -﵇- الصوامِعُ والبِيَعُ. وفي زمن محمَّد ﷺ المسَاجِدُ.
وقيل: لولا دفع الله ظُلْمَ الظَّلَمة بعدل الولاة٤.
وحمل الآية على العموم أولى؛ لأنَّ التخصيص لم يقم عليه دليل.
- والآية فيها تحريض على القتال المأذون فيه قبل، وأنَّه تعالى أجرى العادة بذلك في الأمم الماضية بأن ينتظم به الأمر، وتقوم الشرائع، وتصان المتعبدات من الهدم، وأهلها من القتل والشتات.
_________________
(١) ١ فتح القدير ٣/٤٥٧ ٢ هو: إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير بن ضوء بن درع. الحافظ، عماد الدين أبو الفداء، ولد سنة ٧٠١هـ، وتوفي سنة ٧٧٤هـ، له عِدَّة مؤلفات منها: التفسير، والبداية والنهاية، والأحكام على أبواب الفقه، وغيرها. طبقات المفسرين للداودي ١/١١١-١١٣، الدرر الكامنة ١/٣٩٩. ٣ ابن كثير ٣/٢٢٦. ٤ ابن كثير ٣/٢٢٦.
[ ٣٤ ]
- وكأنَّه لما قال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ قيل: فليقاتِل المؤمنون، فلولا القتال لَتُغُلِّبَ على أهل الحق في كُلِّ أُمَّة١.
وقوله -تعالى-: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ .
الضمير ﴿فِيهَا﴾ يعود على المساجد؛ لأنَّها أقرب مذكور. وقيل: يعود على الجميع، باعتبار ما كان عليه الأمر قبل أن ينحرف أهلها عن دين الحق، وتنسخ بما جاء في القرآن. وأُخِّرَت المساجد لتأخرها في الوجود.
وقيل: إنَّ هذه المواضع ذُكِرَت مرتَّبة على الأشرف فالأشرف. فأُخِّرَت المساجد لشرفها٢؛ ولأنَّها أماكن العبادة الحقة٣.
﴿وَلَيَنْصُرنَّ الله مَنْ ينْصُرُه إنَّ الله لقويٌّ عزيز﴾
اللام واقعة في جواب القسم. والمعنى: والله لينصرن مَنْ ينصره.
- والمراد بمَن ينصر الله: من ينصر دينه وأولياءه٤.
- ونصر الله تعالى لهم: أن يظفر أولياءه بأعدائهم جلادًا وجدالًا، وفي ذلك حضٌّ على القتال.
- ثُمَّ أخبر تعالى: أنَّه قوي على نصرهم، عزيز، لا يغالب٥.
فوصف الله نفسه بالقوة والعزَّة، فبقوته خلق كل شيء، فقدَّره تقديرًا. وبعزَّته لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب. بل كل شيء ذليل لديه، فقيرٌ إليه.
ومَن كان القاهر الذي لا يغالب ناصرَهُ، فهو المنصور، وعَدَوَّهُ المقهور. قال تعالى: ﴿ولقد سَبَقَت كَلِمَتُنا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ. إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورونَ. وإنَّ
_________________
(١) ١ البحر المحيط ٦/٣٧٤-٣٧٥ ٢ ابن كثير ٣/٢٢٦ ٣ صفوة التفاسير ٢/٢٩٢ ٤ فتح القدير ٣/٤٥٧ ٥ أحكام القرآن لابن العربي، القسم الثالث ص ١٢٩٧.
[ ٣٥ ]
جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١-١٧٣] . وقد أنجز الله وعده حيث سلَّط المهاجرين والأنصار على صناديد الكفر من العرب، وعلى أكاسرة العجم، وقياصرة الروم، وأورثهم أرضهم وديارهم١.
ولن يخلف الله وعده لمن جاء بما شرطه في هذه الآية وغيرها مِمَّن تحقَّق فيه هذا الوعد.
٤ - ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] .
﴿الذين﴾: منصوب بدل ﴿ممن ينصره﴾ أو وصف المأذون لهم في القتال. فيجوز فيه من الإعراب ما جاز في قوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا﴾ كما سبق.
- والتمكين: السلطنة ونفاذ الأمر على الخلق.
- وفي الآية إخبار بالغيب عمَّا تكون عليه سيرتهم إنْ مكَّن لهم في الأرض وبسط لهم في الدنيا، وكيف يقومون بأمر الدين٢.
وعن عثمان بن عفَّان٣ ﵁ - هذا والله – "ثناء قبل بلاء": يريد أنَّ الله قد أثنى عليهم قبل أن يحدثوا من الخير ما أحدثوا. وقالوا: فيه دليل على صحة
_________________
(١) ١ البحر المحيط ٦/٣٧٦، تفسير النووي لمراح لبيد ٢/٥٦ ٢ البحر المحيط ٦/٣٧٦، تفسير النووي لمراح لبيد ٢/٥٦، التفسير القرآني للقرآن، الكتاب التاسع ص ١٠٤٦-١٠٤٧ ٣ هو: عثمان بن عفان - ﵁ - ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي أمير المؤمنين، ذو النورين، أحد السابقين الأولين، وثالث الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، استشهد في ذي الحجة سنة ٣٥هـ، وكانت خلافته اثنتى عشرة سنة، وعمره ثمانون سنة. تقريب التهذيب ص ٢٣٥، الإصابة ٢/٤٥٥، الاستيعاب مع الإصابة ٣/٦٩
[ ٣٦ ]
أمر الخلفاء الراشدين؛ لأنَّ الله تعالى لم يجعل التمكن ونفاذ الأمر مع السيرة العادلة لغيرهم من المهاجرين. فلا حَظَّ فيها للأنصار والطلقاء١.
- وفي الآية أخذ العهد على مَنْ مكَّنه الله أن يفعل ما رتب على التمكين في الآية٢.
- وقيل: نزلت في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم٣.
- وعن الحسن٤، وأبي العالية٥: هم أمته ﵇.
وقيل: هم أهل الصلوات الخمس، وهو قريب مِمَّا قبله٦.
وقال ابن أبي نجيح٧: هم الولاة.
_________________
(١) ١ انظر: البحر المحيط ٦/٣٧٦، والطقاء: جمع طليق وهو الأسير الذي خلى سبيله. ترتيب القاموس، مادة طلق. ومختار الصحاح ص:٣٩٦. ٢ انظر: البحر المحيط ٦/٣٧٦ ٣ انظر: البحر المحيط ٦/٣٧٦ ٤ هو: الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت الأنصاري ولد بالمدينة لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب - ﵁ - ثُمَّ نشأ بوادي القرى، وقرأ القرآن على حطان الرقاشي، وروى عن خلف، من التابعين، له ترجمة مطولة في سير أعلام النبلاء ٤/٥٦٣ رقم الترجمة ٢٢٣، وشذرات الذهب ١/١٣٦، وطبقات المفسرين للداودي ١/١٥٠. ومن مؤلفاته: التفسير، وكتابه إلى عبد الملك بن مروان في الرد على القدرية. توفي سنة ١١٠هـ. ٥ هو: رُفَيْع - بالتصغير - بن مهران، أبو العالية الرياحي - بكسر الراء والتحتانية - ثقة كثير الإرسال، من الثانية، مات سنة ٩٠هـ. له تفسير رواه عنه الربيع بن أنس البكري. تقريب التهذيب ص ١٥٤، طبقات المفسرين للداودي ١/١٧٨-١٧٩ ٦ البحر المحيط ٦/٣٧٦ ٧ هو: عبد الله بن أبي نجيح، الإمام الثقة المفسر. أبو يسار الثقفي المكي، واسم أبيه يسار، مولى الأخنس بن شريف الصحابي، وهو من أخص الناس بمجاهد، توفي سنة ١٣١هـ. تقريب التهذيب ص ١٩١، سير أعلام النبلاء ٦/١٢٥-١٢٦، شذرات الذهب ١/١٨٢، طبقات المفسرين للداودي ٢/٢٥٨، تقريب التهذيب ص ١٩١
[ ٣٧ ]
وقال الضحاك١: هو شرطٌ شرطه الله من أتاه الملك.
قال ابن عباس - ﵄ -: المهاجرون والأنصار والتابعون.
وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: "فينا نزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ . والآية بعدها. أُخْرِجْنَا من ديارنا بغير حق٢ إلاَّ أن قلنا: ربنا الله، ثُمَّ مكنا في الأرض فأقمنا الصلاة، وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور، فهي لي ولأصحابي"٣.
وقال الصباح بن سوادة الكندي٤: "سمعت عمر بن عبد العزيز٥: يخطب ويقول: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْض ﴾ الآية. ثُمَّ قال: ألا إنَّها ليست على الوالي وحده. ولكنها على الوالي والموَلَّى عليه. ألا أُنبئكم بما لكم على الوالي من ذلك. وبما للوالي عليكم منه؟:
١ - إنَّ لكم على الوالي من ذلكم أن يؤاخذكم بحقوق الله عليكم.
٢ - وأن يأخذ لبعضكم من بعض.
٣ - وأن يهديكم للتي هي أقوم ما استطاع.
_________________
(١) ١ هو: الضحاك بن مزاحم الهلالي، أبو القاسم الخرساني المفسر، يروي تفسيره عنه عبيد بن سليمان، وهو صدوق كثير الإرسال، مات بعد المائة. انظر: طبقات المفسرين للداودي ١/٢٢٢، شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي ١/١٢٤، سير أعلام النبلاء ٤/٥٩٨-٥٩٩ ٢ فتح القدير ٣/٣٥٨ ٣ المرجع السابق ٣/٣٥٨ ٤ لم أعثر على ترجمته. ٥ هو: عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي أمية، أمير المؤمنين، أمُّه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، ولي إمرة المدينة وكان مع سليمان كالوزير، وولي الخلافة بعده، فعُدَّ من الخلفاء الراشدين، وروى له الجماعة، كان عادلًا في رعيته وأعادها إلى عهد الخلفاء الراشدين، فلذا عُدَّ الخليفة الخامس، مات ﵀ سنة مائة وواحد ١٠١هـ. تقريب التهذيب ص ٢٥٥، شذرات الذهب ١/١١٩.
[ ٣٨ ]
- وإنَّ عليكم من ذلك الطاعة غير المبزوزة١، ولا المستكثر بها. ولا المخَالِف سرُّها علانيتها".
وقال عطية العوفي٢: "هذه الآية كقوله -تعالى-: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ﴾، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ كقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ " [طه: ١٣٢] .
وعن زيد بن أسلم٣: في قوله -تعالى-: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْض﴾: قال: "أرض المدينة". ﴿أَقَامُوا الصَّلاةَ﴾: قال: "المكتوبة". ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: قال: "المفروضة". ﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوف﴾: قال: "بلا إله إلاَّ الله". ﴿وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: قال: "الشرك بالله". ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾: قال: "وعند الله ثواب ما صنعوا"٤.
ويقول ابن جرير٥ - رحمه الله تعالى - في تأويل قوله -تعالى-:
﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ
_________________
(١) ١ المبزوزة: من بزّ قرينه، بزًّا، وبزّة، غلبه. والشي نزعه وأخذه بجفاء وقهر. انظر: تفسير ابن كثير ٣/٢٢٦، توفيق الرحمن في دروس القرآن ٣/١٠٧، المعجم الوسيط ١/٥٤ ٢ هو: عطية بن سعيد بن جنادة الجدلي العوفي الكوفي، أبو الحسن، صدوق يخطئ كثيرًا، مدلسًا من الثالثة، مات سنة إحدى عشرة. تقريب التهذيب ص٢٤٠، شذرات الذهب ١/١٤٤ ٣ هو: زيد بن أسلم العدوي، مولى عمر، أبو عبد الله، أو أبو أسامة المدني، ثقة عالم. وكان يرسل، من الثالثة، مات سنة ١٣٦هـ. كانت له حلقة للفتوى والعلم بالمدينة، له تفسير القرآن يرويه عنه ابنه عبد الرحمن. تقريب التهذيب ص ١١١-١١٢، شذرات الذهب ١/١٩٤، سير أعلام النبلاء ٥/٣١٦ ٤ فتح القدير ٣/٤٥٨، ابن كثير ٣/٢٢٦، زاد المسير ٥/٤٣٧ ٥ هو: محمد بن جرير الطبري، الإمام الحبر، صاحب التفسير المشهور والتاريخ والمصنفات الكثيرة، سمع إسحاق بن إسرائيل ومحمد بن حميد الرازي وطبقتهما، وكان مجتهدًا لايقلد أحدًا، أثنى العلماء على تفسيره وعدوه من أفضل التفاسير. كانت ولادته سنة أربعٍ وعشرين ومائتين بآمل طبرستان، ووفاته في بغداد سنة ٣١٠هـ. شذرات الذهب ٢/٢٦٠
[ ٣٩ ]
وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]: "يقول تعالى ذكره: أذن للذين يقاتلون بأنَّهم ظلموا - الذين إنْ مكَّناهم في الأرض أقاموا الصلاة - والذين ههنا رد على الذين يقاتلون.
ويعني قوله: ﴿إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْض﴾: إن وطَّنا لهم في البلاد فقهروا المشركين وغلبوهم عليها، وهم أصحاب رسول الله ﷺ، يقول: إنْ نصرناهم على أعدائهم وقهروا مشركي مكة، أطاعوا الله فأقاموا الصلاة بحدودها.
﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: يقول: وأعطوا زكاة أموالهم من جعلها الله له.
﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ﴾: يقول: ودعوا الناس إلى توحيد الله والعمل بطاعته وما يعرفه أهل الإيمان بالله١.
﴿وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَر﴾: يقول: ونهوا عن الشرك بالله والعمل بمعاصيه الذي ينكره أهل الحق والإيمان بالله.
﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾: يقول: ولله آخر أمور الخلق، يعني أنَّ إليه مصيرها في الثواب عليها، والعقاب في الدار الآخرة٢.
وعن أبي العالية: "كان أمرهم بالمعروف أنَّهم دعوا إلى الإخلاص لله وحده لا شريك له. ونهيهم عن المنكر أنَّهم نهوا عن عبادة الأوثان وعبادة الشيطان. ثُمَّ قال: فمن دعا إلى الله من الناس كلهم فقد أمر بالمعروف، ومن نهى عن عبادة الأوثان وعبادة الشيطان فقد نهى عن المنكر٣.
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير ١٧/١٧٩، صفوة التفاسير ٢/٢٩٢ ٢ ابن جرير ١٧/١٧٩ ٣ المرجع السابق ١٧/١٧٩
[ ٤٠ ]