المبحث الثالث: في الدعامة الثالثة والرابعة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر):
وفيه مطالب:
الأول: في ماهيتهما.
الثاني: في أهميتهما.
الثالث: في الحكمة من مشروعيتهما على ضوء الآية الكريمة.
المطلب الأول: في ماهية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
أ - تعريف المعروف في اللغة والاصطلاح:
١ - المعنى اللغوي: يدور معنى المعروف في اللغة غالبًا على ما تعارف عليه الناس وعلموه ولم ينكروه١.
وقال ابن فارس: "العين والراء والفاء أصل صحيح يدل على معانٍ منها: السكون، والطمأنينة إلى الشيء، يقال: هذا أمر معروف، أي أنَّ النفس تألفه وتسكن إليه"٢.
وجاء في المعجم الوسيط: العرف، المعروف وهو خلاف المنكر. وما تعارف عليه الناس في عاداتهم ومعاملاتهم٣.
_________________
(١) ١ القول البين الأظهر في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص٨ والقاموس المحيط ٣/٢٥١-٢٥٢ ٢ معجم مقاييس اللغة لابن فارس ٤/٢٨١ ٣ المعجم الوسيط، لإبراهيم مصطفى وآخرين ٢/٦٠١
[ ٨٤ ]
٢ - وفي الاصطلاح: المعروف هو كل ما يعرفه الشرع ويأمر به ويمدحه ويثني على أهله، ويدخل في ذلك: جميع الطاعات، وفي مقدمتها توحيد الله ﷿ والإيمان به١.
ب - معنى المنكر لغةً واصطلاحًا:
١ - تدور مادة المنكر في اللغة غالبًا على ما جهله الناس واستنكروه وجحدوه٢.
جاء في القاموس المحيط وغيره: النكر بالضم، وبضمتين المنكر - النكراء، والأمر الشديد، والنكرة خلاف المعرفة، وتناكر تجاهل، والقوم تعادوا، ونكر فلان الأمرَ وتناكره، نكرًا ونكورًا جهله، والمنكر ضد المعروف، ويقال: نكر الشيىء وأنكره: لم يقبله ولم يعترف به لسانه٣.
٢ - والمنكر في الاصطلاح: هو كل ما ينكره الشرع وينهى عنه ويذمه ويذم أهله. ويدخل في ذلك جميع المعاصي والبدع، وفي مقدمتها: الشرك بالله ﷿، وإنكار وحدانيته، أو ربوبيته، أو أسمائه، أو صفاته٤.
والمنكر هو كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه، أو تتوقف في استباحته واستحسانه العقول، فتحكم الشريعة بقبحه٥.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: "وإذا كان جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي، فالأمر الذي بعث الله به رسوله ﷺ هو الأمر بالمعروف والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر"٦.
_________________
(١) ١ القول البين الأظهر ص ١٠، والتعريفات ص ٢٧٥ ٢ القول البين الأظهر في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص٨ ٣ القاموس المحيط للفيروزآبادي ٢/٢٠٨، معجم مقاييس اللغة ٤/٢٨١ ٤ القول البين الأظهر ص ١٠، التعريفات للجرجاني ص ٢٩٠، من فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمحمد عبد الله الخطيب ص ١٣، حقيقة الأمر بالمعروف ص١٢ ٥ المفردات للراغب ص ٥٠٥ ٦ مجموع الفتاوى لابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم ٢٨/٦٥، ٢٨/١٢٢، وتفسير ابن سعدي ٢/٧٧
[ ٨٥ ]
وقال أيضًا: "وتحريم الخبائث مِمَّا يندرج في معنى النهي عن المنكر، كما أنَّ إحلال الطيبات يندرج في الأمر بالمعروف؛ لأنَّ تحريم الطيبات مِمَّا نهى الله عنه"١.
وإذا أطلق الأمر بالمعروف يدخل فيه النهي عن المنكر، وذلك لأنَّ ترك المنهيات من المعروف، ولأنَّه لا يتم فعل الخير إلاَّ بترك الشر. قال -تعالى-: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاس﴾ [النساء:١١٤] .
وكذلك إذا أطلق النهي عن المنكر يدخل فيه الأمر بالمعروف؛ لأنَّ ترك المعروف من المنكر، ولأنَّه لا يتم ترك الشر إلاَّ بفعل الخير. -قال تعالى-: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف: ١٦٥] . فإنَّ نهيهم عن السوء يتضمن أمرهم بالخير.
وأمَّا عند اقتران كل منهما بالآخر، فيفسر المعروف بفعل الأوامر، ويفسر المنكر بترك النواهي. وأمثلة ذلك كثيرة منها، قوله -تعالى-: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١] .
ولعموم موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمكن القول: أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يدخل تحتهما الدين كله؛ فكل ما أوجبت الشريعة عمله أو حببت للناس فعله من صلاة وصيام، وحج، وتوحيد، وغير ذلك، فهو معروف، وكل ما خالف الشريعة من أفعال وعقائد فهو منكر، فيدخل تحته النهي عن التثليث، والقول بصلب المسيح وقتله ﵇، ويدخل أيضًا فيه النهي عن الترهُّب وعن شرب الخمر وعن أكل لحم الخنزير، وغير ذلك مِمَّا تخالف فيه الشريعة الشرائع السابقة٢.
_________________
(١) ١ المرجعان السابقان. ٢ انظر: التشريع الجنائي في الإسلام ١/٤٩٧، الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه ص٤٦
[ ٨٦ ]