سبق بعض أهداف الزكاة في الإسلام، وهي سر من أسرار تشريعها، وغاية سامية مقصودة من فرضيتها. فالله جلَّ وعلا فرض الزكاة؛ لأنَّها تطهر المزكي من الشح والبخل وأرجاس الذنوب والخطايا، وتدرب المسلم على البذل والإنفاق في سبيل الله.
ولأنَّ في أدائها شكرًا لله على ما أسبغ من نعمه الظاهرة والباطنة، ولأنَّها تنمي شخصية الغني، وذلك باستشعاره أنَّه تغلب على شحه وهواه، كما أنَّها تكوِّن بين الغني والفقير حقيقة المحبة والأخوة الإسلامية، وتربط بين أفراد المجتمع بوشائج الصلة والقربى والتكامل١.
وبهذا يتضح أنَّ هناك أسرارًا عظيمة يرمي إليها الإسلام من وراء تشريعه للزكاة، ولعلَّ من أبلغ وأسمى الأهداف التي تتحقق من أداء الزكاة أنَّ المسلم لا يقتصر نفعه على نفسه وحسب، بل إنَّه مطالب بحكم الشرع أن يمد يد العون إلى أخيه المسلم؛ لأنَّ إيمانه لا يكمل وعقيدته لا تتم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" ٢.
ولأنَّه قد سبق أنَّ الحقَّ لا يكفيه كونه حقًّا فقط، بل لابُدَّ له من دافع ومدافع تحقيقًا لقوله –تعالى-: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُه﴾ [الحج: ٤٠]،
_________________
(١) ١ الزكاة وتطبيقاتها المعاصرة ص ٢٩ ٢ متفق عليه. رواه البخاري ومسلم (كتاب الإيمان) . ورواه الإمام أحمد في مواضع منها ٣/١٧٦-١٧٧
[ ٧٩ ]
وقوله -تعالى-: ﴿وَالْعَصْرِ. إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣] .
ومن يتتبع آيات القرآن الكريم يجد أنَّ الزكاة قُرِنَت بالصلاة في ثمانيةٍ وعشرين موضعًا١، وهذا دليل على كمال الاتصال بينهما. ثُمَّ إنَّ ذكر الصلاة في كثيرٍ من الآيات يجيء مقرونًا بالإيمان أولًا، وبالزكاة ثانيًا، وقد يقرن الثلاثة بالعمل الصالح. وهو ترتيب منطقي، فالإيمان أساس وهو عمل القلب*، والعمل الصالح من حيث الجملة دليل صدق الإيمان، وهو عمل الحس، وأول عمل يطالب به المؤمن الصلاة، وهي عبادة بدنية، ثُمَّ الزكاة وهي عبادة مالية.
ومِمَّا يدل على تلازم الزكاة والصلاة أنَّه لَمَّا توفي رسول الله ﷺ، وكفر مَنْ كفر من العرب بمنع الزكاة، استشار أبو بكر٢ ﵁ الصحابةَ ﵃، في قتالهم. فقال عمر٣ ﵁: "كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ: "أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أنَّه لا إله إلاَّ الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلاَّ بحقه، وحسابه على الله؟! " فقال أبو بكر ﵁: "والله
_________________
(١) ١ الزكاة وتطبيقاتها المعاصرة ص ٣٤، تيسير فقه فريضة الزكاة للميداني ص٧. ٢ هو: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن مرة التيمي، أبو بكر بن قحافة (الصديق)، خليفة رسول الله ﷺ، مناقبه كثيرة، مات في جمادى الأولى سنة ١٣هـ وعمره ثلاث وستون سنة، ومدة خلافته سنتان وشهر. تقريب التهذيب ص١٨١، شذرات الذهب ١/٢٤ * ليس المراد تعريف الإيمان عند السلف. وإنما المراد ترتيب الأهم فالمهم فإن الإيمان قد يوجد بدون العمل، ويعتد به، ولا يعتد بالعمل دون الإيمان. ٣ هو: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى العدوي. لُقِّبَ بالفاروق، وبأمير المؤمنين. وهو ثاني الخلفاء الراشدين. ومناقبه جمة مشهورة، استشهد في ذي الحجة سنة ٢٣ هـ، ومدة خلافته عشر سنوات ونصف. تقريب التهذيب ص ٥٣، شذرات الذهب ١/٣٣، الإصابة ٢/٥٨٨
[ ٨٠ ]
لأقاتلن مَنْ فَرَّق بين الصلاة والزكاة، فإنَّ الزكاة حق المال. والله لو منعوني عَناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه". قال عمر بن الخطاب ﵁: "فوالله ما هو إلاَّ أنْ قد شرح الله صدر أبي بكر، فعرفت أنَّه الحق"١.
فهذه النصوص وغيرها كثير تدل دلالة قاطعة على أنَّ الزكاة أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، الذي لا يتم إسلام إلاَّ بأدائها.
فإنْ أدَّاها عن طواعية واختيار فبها، وإلاَّ وجب على ولي الأمر أخذها منه وإيصالها إلى مستحقيها، وتأديب مانعها بما يراه مناسبًا٢.
وهذا مِمَّا تفارق به مشروعية الزكاة في الإسلام غيرها من الشرائع، إذ سبق أنَّه لا إلزام في الشرائع السابقة على أداء الزكاة، ولذلك لم تحل مشكلة الفقراء، أمَّا في الرسالة التي اختارها الله خاتمةً للشرائع، فإنَّ الزكاة حين طبقت في العصور الإسلامية السالفة٣ لم يبق فقير تصرف إليه الزكاة. وكان الساعي يدور بها فلم يجد من يأخذها، فحُلَّت مشكلة الفقراء، وقام التكافل الاجتماعي، ونُزِعَ من القلوب حقد الفقراء على الأغنياء، وقلَّت الجرائم؛ فلا سرقة، ولا غصب، ولا اختلاس، ولا نهب؛ بل أمن واستقرار ومحبة وإخاء، ومجتمع يسود فيه مبدأ التعاون والتعاطف، فهل يعي المسلمون ذلك ويسارعون إلى تطبيق شرع الله في كل شئونهم؟ ومن ذلك شريعة الزكاة لينعموا بالحياة الآمنة والثواب الجزيل من رب العالمين. ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ٤ [الحج: ٤١] .
_________________
(١) ١ رواه البخاري ٢/٩١ ٢ الزكاة للطيار ص ٣٦ ٣ ملامح الانقلاب الإسلامي في سيرة عمر بن عبد العزيز، للدكتور عماد الدين خليل ص١٤٠، الزكاة للطيار ص ٥١ ٤ المرجعان السابقان.
[ ٨١ ]
وقد سبق أنَّ إقامة الصلاة وهي الدعامة الأولى، تعني فيما تعنيه توفية الإسلام، أو الإيمان، أو الدين، حقه كاملًا. وعطف عليها في الآية الأمر بإيتاء الزكاة، وهو داخل فيما سبق، فهل ذلك تكرار، أو لأنَّ الأمر بإيتاء الزكاة يعني شيئًا آخر لم يسبق التعرض لحكمه؟
إنَّ الذي يبدو من الآية وهي ترسم الإطار العام أن يدل العطف فيها على معنى جديد، وهو أنَّ مَنْ مكَّنه الله في الأرض يجب عليه أن لا يقتصر نفعه على نفسه وحسب. بل يجب عليه أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه؛ لأنَّ إيمانه لا يتم ولا يكمل إلاَّ بذلك. وقد سبق أنَّ الحق لا يكفيه كونه حقًّا فقط١، بل لابُدَّ له من دافع ومدافع، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] .
وهذا لا يعني أنَّ الآية لا يجوز حملها على المعنى الخاص، وهو دفع الزكاة الخاصة إلى مستحقيها - كما سبق - إلاَّ أنَّ الهدف العام الذي ترمي إليه الآية الكريمة، وهو تكاتف المجتمع المسلم، وتواصي أفراده على فعل الخيرات، والاعتصام بحبل الله، وعدم التفرق، والالتفاف حول المنهج، وتنفيذ أحكامه، يجعل حمل الآية على المعنى الأول أولى، والله تعالى أعلم.
والسبب في ذلك أنَّ الآية الكريمة تركز على أهداف وأسس سامية منها:
١ - وجوب تطبيق المنهج (الذي تُعَبِّرُ عنه الدعامة الأولى) (إقام الصلاة) (توفية الإسلام، أو الإيمان، أو الدين، حقه كاملًا) على من مكنه الله في الأرض، وحصلت له الولاية على الخلق.
_________________
(١) ١ انظر ص ٤٥ من البحث.
[ ٨٢ ]
٢ - وجوب الالتفاف حول ذلك المنهج والتكاتف على تطبيقه، لا على النفس فقط، بل على جميع أفراد المجتمع المسلم التعاون على ذلك وتطبيقه في أنفسهم وعلى غيرهم؛ لأنَّ الله -تعالى- تفضَّل به عليهم فأصبحوا بسببه كالجسد الواحد، قال -تعالى- ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣] .
وتحقيقًا لقول الرسول ﷺ: "الدين النصيحة" - قالها ثلاثًا - قلنا: "لمن يا رسول الله؟ " قال: "لله، ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامَّتهم" ١.
ولقوله ﷺ: "ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم " *.
الأمر الثالث: الذي تركز عليه الآية - كما سيأتي - عالمية المنهج ووجوب المحافظة عليه بما يجعله سالمًا معافى، والدعوة إلى نشره، والدخول تحت لوائه ومظلته - بحسب الاستطاعة – "بلِّغوا عني ولو آية" ٢.
و" مَنْ رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان "٣.
_________________
(١) ١ رواه مسلم في كتاب الإيمان ٢٣، باب بيان أنَّ الدين النصيحة، حديث (٥٥)، وأبو داود، أدب، حديث (٤٩٤٤)، وأحمد (٤/١٠٢-١٠٣) . * رواه الإمام أحمد من حديث جبير بن مطعم عن أبيه ٤،٨٠،٨٣،والترمذي كتاب العلم باب ما جاء في تبليغ العلم حديث رقم ٢٦٥٦. ٢ رواه مسلم، كتاب الأنبياء (٥٠)، وأحمد ٣/١٥٩، ٣٠٢، ٣١٤، والترمذي كتاب العلم ١٣ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "بلغوا عني ولو آية وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج". ٣ أخرجه الإمام مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان (١/٦٩ رقم ٤٦)، وأبو داود، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، رقم (٤٣٤٠) .
[ ٨٣ ]