ذكر كثيرٌ من المفسرين أنَّ الآية الكريمة - وهي قوله -تعالى-:
﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ الآية [الحج: ٤١] . قد تضمَّنت الغاية الكبرى من وجود الدولة المسلمة الصالحة. وبيان الأسس والدعائم التي تقوم عليها تلك الدولة١.
- وأنَّ القيام بالمبادئ المذكورة والتقيد بمضمونها - هو الشرط الذي شرطه الله لمن يستحق النصر في قوله -تعالى-: ﴿وَلَيَنْصُرنَّ الله مَنْ ينْصُرُه إنَّ الله لقويٌّ عزيز﴾ [الحج:٤٠] . وتلك الأسس والدعائم -كما ذُكِرَت في الآية- أربع:
الأولى: إقام الصلاة. الثانية: إيتاء الزكاة.
الثالثة: الأمر بالمعروف. الرابعة: النهي عن المنكر.
والكلام على أهمية هذه الأسس وما قامت به الدولة السعودية في شأنها - سيأتي - إن شاء الله.
لكن نشير إلى ناحية أخرى تعرَّضت لها الآيات - كما سبق - وهي أنَّ الحق لا يكفيه كونه حقًّا، بل لابدَّ من منافح عنه، ودافع إليه. ومِنْ ثَمَّ لم يشأ الله أن يترك الإيمان والخير عزلًا، تكافح قوى الطغيان والشر - اعتمادًا على قوة الإيمان في النفوس، وتغلغل الحق في الفطر، وعمق الخير في القلوب، إلاَّ ريثما يستعدون للمقاومة، ويتهيأون للدفاع. ويتمكنون من وسائل الجهاد.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى لابن تيمية ٢٨/٢٤٢، الدعوة في عهد الملك عبد العزيز ١/٢٠٥-٢٠٦، التيسير في أحاديث التفسير ٤/١٨١-١٨٢، التفسير الواضح ٢/٧١-٧٢، أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير ٣/١٦٤، المنهج القويم ص ٤٠
[ ٤٥ ]
وعندئذٍ أُذِنَ لهم في القتال لرد العدوان؛ لأنَّ الإيمان والخير والحق لابدَّ لها من قوة تحميها من البطش، وتقيها من الفتن، وتحرسها من كُلِّ مَنْ يريد الاعتداء عليها١.
ووراء ذلك كُلِّه تلك القاعدة العامَّة، وهي حاجة العقيدة إلى الدفع عنها، وأنَّ الحقَّ مهما كان نوعه لابدَّ له من نصرة ودفاع، وهذه الحقيقة عبَّر عنها القرآن الكريم بمنتهى الدقة والوضوح في قوله -تعالى-: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢١٥] وإليها يشير في هذه الآيات بقوله -تعالى-: ﴿وَوَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ فهذه المواضع - على قداستها وتخصيصها لعبادة الله - معرَّضة للهدم والخراب، ولا يشفع لها في نظر الباطل، كونها يُذْكَر فيها اسم الله كثيرًا، ولا يحميها إلاَّ دفع الله الناس بعضهم ببعضٍ، أي دفع حماة العقيدة لأعدائها الذين ينتهكون حرمتها ويعتدون على أهلها، فكان من حكمة الجهاد في الإسلام، حماية العقيدة، وحرية العبادة، وتمكين المؤمنين العابدين العاملين من تحقيق منهاج الحياة القائم على العقيدة، المتصل بالله، الكفيل بتحقيق الخير للبشرية في الدنيا والآخرة٢.
_________________
(١) ١ في ظلال القرآن ١٧/٦٠٢، التيسير في أحاديث التفسير ٤/١٧٩-١٨٠، التفسير الحديث ٧/١٠٦-١٠٧، التفسير الواضح ٢/٧١، التفسير القرآني للقرآن ١٧/١٠٤٢-١٠٤٤ ٢ المراجع السابقة.
[ ٤٦ ]