الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، أصل عظيم من آكد الأصول الإسلامية وأوجبها وألزمها. حتى ألحقه بعض العلماء بالأركان التي لا يقوم بناء الإسلام إلاَّ عليها.
وإنَّما أُرْسِلَت الرسل وأُنْزِلَت الكتب للأمر بالمعروف الذي رأسه وأصله التوحيد، وللنهي عن المنكر الذي رأسه وأصله الشرك والعمل لغير الله. وشرع الجهاد لأجل ذلك، وإن كان الجهاد قدرًا زائدًا على مجرد الأمر والنهي.
إذ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، يتوقف قيام الدين، فلولاه ما قام الإسلام، ولا ظهر دين الله، ولا علت كلمته.
ويتوقف - أيضًا - قيام الدولة الإسلامية واستقامتها وصلاحها على القيام به. كما أنَّ صلاح العباد متوقف على القيام به١.
وبيان ذلك: أنَّ جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي، والأمر الذي بعث الله به رسوله ﷺ هو الأمر بالمعروف. والنهي الذي بعث الله به رسوله ﷺ هو النهي عن المنكر.
وبهذا نعت الله تعالى النبيَّ والمؤمنين فقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه﴾ [التوبة: ٧١] .
وجميع الولايات الإسلامية، كولاية الحكم، وولاية الحرب، وولاية المال، وولاية الحسبة، وغيرها، إنَّما مقصودها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر٢.
_________________
(١) ١ القول البين الأظهر في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص١٢-١٣ ٢ المرجع السابق ص ١٣
[ ٨٧ ]
وولي الأمر إنَّما نُصِّبَ ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذا هو مقصود الولاية.
بل إنَّ صلاح العباد جميعهم يكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ أنَّ صلاح العباد في معاشهم ومعادهم في طاعة الله ورسوله، ولا يتم ذلك إلاَّ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وبه صارت هذه الأُمَّة خير أمَّةٍ أُخرجَت للناس، كما قال -تعالى-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه﴾ [آل عمران: ١١٠] .
ومما يدل على عظم شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تقديمه على الإيمان الذي هو أصل العقيدة ولا يتقدمه شيىء، لكن في هذه الآية قُدِّمَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان. ولا نعلم السر في هذا التقديم إلاَّ عِظَم شأن هذا الواجب، وما يترتب عليه من المصالح العظيمة العامَّة، ولعلَّ التلازم بين الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الذي سوغ هذا التقديم١.
فالأمر والنهي لا يكونان إلاَّ حيث يكون الإيمان، وليس الإيمان إلاَّ عقيدةً وسلوكًا في بضعٍ وسبعين شعبة من أخلاق الإسلام، كلها تعمل في سبيل إرساء قواعد أمَّة الإسلام على أسس من الأصالة والثبات والحياة السعيدة؛ لأنَّ هذه الشعب الإيمانية تشمل كل النشاطات الإنسانية من جهة العقيدة، ومن جهة الذات، ومن جهة ارتباط الإنسان بالإنسان، والتزامه بغيره.
والأمَّة التي تسودها شعب الإيمان تهب إلى الأمر بها، والنهي عمَّا يضادها، حرصًا على مميزان أخلاق الإيمان وأثرها في سعادة الإنسان، وفي قوة الأُمَّة
_________________
(١) ١ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ص ٦
[ ٨٨ ]
كلها. ومن هنا لا يوجد إيمان إلاَّ كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لازمًا له، وخاصّةً من خواصّه لا ينفك عنه١.
وقد اتفقت الأُمَّة الإسلامية على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يخالف في ذلك إلاَّ مَنْ شَذَّ٢.
كما اعتبره الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ شرطًا رئيسًا في الانتماء إلى صفوف هذه الأُمَّة، فقد قرأ قول الله -تعالى-: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٣.
ثُمَّ قال: "أيها الناس! مَنْ سرَّه أن يكون من تلك الأُمَّة فليؤدّ شرط الله فيها"٤.
- وقد أكَّد الله فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتابه العزيز، وبيَّنه الرسول ﷺ في أخبارٍ متواترة، وأجمع سلف الأُمَّة وفقهاء الأمصار - ﵏ - على وجوبه٥.
وقال الغزالي٦: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين"٧.
_________________
(١) ١ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأبي بكر أحمد بن محمد الخلال ص ٤٢ دراسة وتحقيق عبد القادر أحمد عطا. ٢ الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، تحقيق د. محمد نصر، ود. عبد الرحمن عميرة. ٣ آل عمران: ١١٠ ٤ فتح القدير للشوكاني، تحقيق د. عبد الرحمن عميرة ١/٤٥٣، جامع البيان للطبري ٤/٤٣ ٥ أحكام القرآن للجصاص ٢/٤٨٦، مناهج العلماء في الأمر بالمعروف ص ٥٤ ٦ هو محمد بن محمد بن محمد الغزالي، حجة الإسلام، أصولي، فقيه، فيلسوف، متصوف، وُلِدَ عام ٤٥٠هـ، وتوفي سنة ٥٠٥هـ. طبقات السبكي ٦/١٩١، تبيين كذب المفتري ص ٢٩١ ٧ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للغزالي، تحقيق سيد إبراهيم ص ٥
[ ٨٩ ]
وقال النووي١: "قد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسُنَّة وإجماع الأُمَّة، وهو أيضًا من النصيحة التي هي من الدين"٢.
وقال الشوكاني٣: "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم من أصولها، وركن مشيد من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها"٤.
وهذا غيض من فيض من الأمور التي تدل على أهمية هذه الدعامة من دعائم الإسلام ومبانيه العظام٥.
وسيأتي بعض حكمه وأسراره في المطلب الثالث إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) ١ هو الإمام محي الدين أبو زكريا يحي بن شرف بن مُرِّي النووي الدمشقي، عالم مشهور، اعتنى بالحديث والفقه، شَرَحَ صحيح مسلم. وُلِدَ عام ٦٣١ وتوفي سنة ٦٧٦هـ. المنهج السوي للسيوطي ص ٢٥-٢٦، البداية والنهاية ١٣/٢٩٤، طبقات الشافعية ٨/٣٩٥-٣٩٧ ٢ شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٢٢ ٣ هو: أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد الشوكاني الخولاني، ثُمَّ الصنعاني، عالم بالحديث والتفسير والأصول. وُلِدَ ونشأ في صنعاء، وبها توفي سنة ١٢٥٠هـ. من مؤلَّفاته: فتح القدير في التفسير، وإرشاد الفحول في الأصول وغيرهما. أبجد العلوم ٣/٢٠١، الأعلام ٦/٢٩٨، معجم المؤلفين ١١/٥٣ ٤ فتح القدير للشوكاني، تحقيق د. عبد الرحمن عميرة ١/٤٥٠ ٥ حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأركانه ومجالاته ص ٤٠
[ ٩٠ ]