١ - للصلاة منزلة في الإسلام، لا تصل إليها أية عبادة أخرى، فهي عماد الدين الذي لا يقوم إلاَّ به، كما جاء في الحديث: " ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه؟ " قلت: "بلى يا رسول الله". قال: "رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد " ١.
٢ - وهي الركن الثاني من أركان الإسلام، بها يفرق بين المسلم
والكافر، فهي مظهر للإسلام، وعلامة للإيمان، وقرة عين وراحة ضمير.
وتأتي منزلتها بعد الشهادتين، لتكون دليلًا على صحة الاعتقاد وسلامته، وبرهانًا على صدق ما وقر في القلب، وتصديقًا له. قال رسول الله ﷺ: " بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت" ٢. كما أنَّ الصلاة تتقدم على جميع أركان الإسلام بعد الشهادتين؛ لمكانتها وعظيم شأنها، فهي أول عبادة فرضها الله على عباده في مكَّة، وأول عبادة تكتمل بالمدينة. كما جاء في الحديث: "فرضَ اللهُ الصلاةَ حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأُقِرَّت صلاة السفر وزيد في الحضر" ٣.
٣ - ومِمَّا يدل على مكانة الصلاة في الإسلام: طريقة فرضيتها؛ إذ أنَّ كُلَّ العبادات تُفْرَض على الأُمَّة بطريق الوحي بواسطة جبريل ﵇. أمَّا
_________________
(١) ١ رواه الترمذي ٥/١١-١٢ ح ٢٦١٦، والمزي: تحفة الأشراف ٨/٣٩٩ ح١١٣٧ وقال عنه أبو عيسى: "حديث حسن صحيح". ٢ رواه البخاري ١/٨ كتاب الإيمان، ومسلم ١/٤٥ ح ٣١ ٣ رواه البخاري ١/٩٣ كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة.
[ ٦٢ ]
الصلاة ففُرِضَت بدون واسطة، بل بالإسراء بالرسول ﷺ نفسه إلى السماوات العلا حين لقي ربه في أسمى منزلة وأعظم لقاء، حيث تلقَّى الرسول الكريم ﷺ من ربه هذا التكليف العظيم.
٤ - ومِمَّا يدل على مكانة الصلاة ومنزلتها العظمى: اشتراك الشرائع السماوية فيها. فقد جاءت آيات كثيرة، وفي مواضع متعددة، تدل على أنَّ الصلاة مِمَّا تشترك فيه الشرائع السماوية، ومِمَّا كان يوصي به الله أنبياءه ويوصي به الأنبياءُ أهليهم وأقوامهم. قال الله -تعالى- في شأن إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ ١. ووصف الله إسماعيل ﵇ بقوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ ٢. وأمر الله سبحانه نبيه موسى ﵇ بقوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ٣. ووصف الله -﷾- عبده زكريا بقوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَاب﴾ ٤. ولقمان ﵇ يوصي ابنه وصيته الخالدة وفيها: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ٥. بل المساجد الثلاثة تشهد بذلك، فالمسجد الحرام في مكة بناه إبراهيم وإسماعيل ﵉. والمسجد الأقصى بناه نبيّ الله سليمان بن داود ﵉ بأمرٍ من الله عزَّ وجلَّ٦. وبنى نبينا محمد ﷺ مسجده في المدينة بعد الهجرة. والمساجد إنَّما تبنى للصلاة.
_________________
(١) ١ إبراهيم: ٤٠ ٢ مريم: ٥٥ ٣ طه: ١٤ ٤ آل عمران: ٣٩ ٥ لقمان: ١٧ ٦ الصلاة في القرآن ص ٢٢-٢٣، والصلاة للطيار ص ١٨
[ ٦٣ ]
إذًا فالصلاة هي القاعدة التي يقوم عليها الدين الذي جاء به الأنبياء ﵈. ألا وهو الدين الإسلامي بمعناه العام.
٥ - ومما يدل على مكانة الصلاة - أيضًا - أنَّها لا تسقط بحال، وإنَّما تخفف أركانها وعدد ركعاتها على العبد*، وكذلك النداء لها بنداء خاص أصبح شعيرة من شعائر الإسلام، وعلامة مميزة للمسلمين. وهو الأذان.
٦ - وكذلك الطهارة للصلاة والأمر ببناء المساجد لها، مِمَّا يدل على مكانة الصلاة وعظم شأنها، فدوام الصلاة واطرادها على اختلاف الأحوال والأزمنة صفة تميزها عن غيرها من التكاليف العملية. فعامَّة التكاليف غير التعبدية - كالصلاة والصوم والحج* - منوطة بمصالح معينة تدور معها، فتثبت برجاء المصلحة، وترتفع بانتفائها أو نفادها.
وأمَّا أركان الإسلام المتقدمة فهي واجبات عينية، وحقوق لله لا تتخلف؛ ولكن الصلاة من بين تلك الأركان تتميز بصفة الدوام؛ لأنَّ الصوم لا يجب إلاَّ على المستطيع. والحج لا يلزم إلاَّ على من وجد إليه سبيلًا. والزكاة لا يخرجها إلاَّ مَنْ ملك النصاب. أمَّا الصلاة فلا تسقطها أعذار الطاقة، وإنَّما تخفف أركانها لرفع الحرج، ويبقى أصلها لئلا تتخلَّف معانيها الجليلة١.
٧ - والصلاة تكاد أن تكون جماعًا لأركان الإسلام؛ وذلك لاشتمالها على الشهادتين في التشهد الأول والأخير. والصلاة زكاة يومية، فالمصلي يبذل من وقته لأداء الصلاة، في حين يحتاج إلى هذا الوقت لأداء عمل يستفيد منه في تحصيل المال الذي سيزكي عنه. فعندما يصلي ينفق من وقته الذي هو أصل المال. فكما أنَّ الزكاة طهرة للمال، فكذا الصلاة طهرة للأوقات، وطهرة
_________________
(١) * أي في حال الرخصة تخفف أركانها وعدد ركعاتها فقط بخلاف غيرها كالصوم. ١ الصلاة للطيار ص ١٩-٢٠، والصلاة عماد الدين ص:٥٤ * أي أن غير الأمور التعبدية في الشرع تدور مع مصلحتها في الغالب، المرجع السابق ص:٢٠.
[ ٦٤ ]
للإنسان مِمَّا يرتكبه من معاصي في أوقاته: " أرأيتم لو أنَّ نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسًا، ما تقول ذلك يبقى من درنه؟ ". قالوا: "لا يبقى من درنه شيئًا" قال: "فكذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا" ١.
بل تتعدى الصلاة هذا المعنى لتكون تمهيدًا للنفس وإعدادًا لها لتتخلَّص من البخل والأنانية، فالصلاة٢ وما فيها من إقرار لله بالربوبية*، وما تشتمل عليه من خضوع لله، وقيام وركوع وسجود. هي ترويض للنفس، وإذلال كبريائها، وجعلها طيعة لقبول الأوامر الإلهية والعمل بها.
ومن هنا نلمح اقتران ذكر الصلاة بالزكاة في أكثر الآيات التي أمرت بالزكاة. ويأتي الأمر بالزكاة بعد الأمر بالصلاة، قال الله -تعالى-: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٣، ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ ٤، ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾ ٥.
والصلاة بعد ذلك أقوالٌ وأفعالٌ مخصوصة، تصوم فيها نفس الإنسان وجوارحه عن جميع المخالفات التي تفسد تمامها وكمالها.
ويتوجه المصلي في صلاته شطر المسجد الحرام، قال -تعالى-: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ٦. وهو في أداء هذا الركن من الصلاة بتوجهه إلى
البيت، يشترك مع ركن الإسلام الحج من طرف.
_________________
(١) ١ رواه البخاري ١/١٣٤ كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلوات الخمس كفارة. ٢ الصلاة عماد الدين، د. حسن الترابي ص ٥٤ ٣ وردت عِدَّة مرات، منها سورة البقرة الآيات: ٤٣، ٨٣، ١١٠، وغيرها. ٤ البقرة: ٢٧٧ ٥ الأحزاب: ٣٣ * إنما خص الإقرار بالربوبية دون الألوهية لظهور الألوهية فيها. ٦ البقرة: ١٤٤
[ ٦٥ ]
٨ - والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فهي تعالج النفس البشرية من نوازع الشر حتى تصفو من الرذائل، ويبتعد صاحبها عن كُلِّ منكر. قال -تعالى-: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ ١.
٩ - وللصلاة آثارٌ تربوية، فهي تربي النفس على طاعة الخالق، وتعلِّم العبد آداب العبودية، وواجبات الربوبية، بما تغرسه في قلب صاحبها من قدرة الله وعظمته، وبطشه وشدته، ورحمته ومغفرته.. كما تحليه وتجمله بمكارم الأخلاق لسموها بنفسه عن صفات الخسة والدناءة، فإذا فتَّشْتَ عن آثار الصلاة فيه وجدته صادقًا أمينًا متواضعًا عدلًا. ينأى عن الكذب والخيانة والطمع والغدر والكبر والظلم٢.
وعندما يتجه المصلون في أنحاء الدنيا إلى القبلة، يشعر المسلم بالتآلف والوحدة، ونبذ الفرقة. فكلُّ المسلمين عبيدٌ لله، إلههم واحد، وقبلتهم واحدة، ودينهم واحد. لا فرق بين غني وفقير، وعظيم وحقير. يتوخى المسلم الاستقامة في استقبال بيت الله، فلا يحيد ولا يميل، وبذلك يتربى على العدل في جميع أمور حياته، والحكمة بوضع كل شيىء موضعه.
يعيش آلام إخوانه المسلمين جماعة المسجد وآمالهم، فيصبح عنصرًا فعالًا في جماعته ومجتمعه، تعوِّده الصلاة على الدقة في الموعد، والحرص على الوقت. تنظم له أوقاته فيتعوَّد على النظام في جميع أموره، ويتبع الإمام، فيتدرَّب على الطاعة والالتزام٣.
١٠ - والصلاة أهم ركن في الإسلام بعد الشهادتين، وأول ما يحاسب عليه العبد. ولهذا نجد القرآن الكريم يصور حال أهل النار عندما يُسْأَلُون عن
_________________
(١) ١ العنكبوت: ٤٥ ٢ الصلاة للطيار ص ٢٤، والصلاة في القرآن ص ٤٦ ٣ المرجع السابق.
[ ٦٦ ]
سبب ما هم فيه من عذاب فيقولون: لم نكن من المصلين. قال -تعالى-: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ ١.
فالصلاة أول عمل كفر به أولئك المكذبون. وأول ما يندمون على تضييعه يوم القيامة. قال رسول الله ﷺ: " أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإنْ صلحت صلح له سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله" ٢.
ولما للصلاة من الفضل العظيم بعد الشهادتين، كانت آخر وصية أوصى بها رسول الله ﷺ أمَّته، فعن أم سلمة رضي الله عنها٣ قالت: "كان من آخر وصية رسول الله ﷺ: "الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم" ٤.
والصلاة آخر ما يفقد من الدين؛ فإذا ضاعت ضاع الدين كله. قال رسول الله ﷺ: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" ٥.
لهذا ينبغي أن يفقه المسلم مكانة الصلاة في الإسلام، وأن يحرص على أدائها في أوقاتها. كاملةً أركانها وشروطها، وأن يقيمها كما أمر الله بها. وما ذُكِرَ من الأدلة على مكانة الصلاة، إنَّما هو بعض الأدلة، وإلاَّ فمكانة الصلاة في الإسلام لا يمكن الإحاطة بأدلتها ومواضع الاهتمام بها، وبيان آثارها ومزاياها. لأنَّها تشترك مع أصول الدين الإسلامي من حيث تبادل الأسماء، فتارة تطلق الصلاة على الدين، وتارة يطلق الدين على الصلاة، مِمَّا يؤكِّد التلاحم بينهما كأنَّهما شيء واحد.
_________________
(١) ١ المدثر: ٤٢ - ٤٣ ٢ مجمع الزوائد: الهيثمي ١/٢٩١-٢٩٢ ٣ أم سلمة هي: هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر المخزومية، أُم المؤمنين. تزوجها النبي ﷺ بعد أبي سلمة سنة أربع، وقيل: ثلاث. تقريب التهذيب ص ٤٨٣ ٤ رواه أحمد ١/٢٩٠، الإرواء ٧/٢٣٨ ٥ رواه مسلم ١/٨٨ ح ٨٢، والصلاة للطيار ص ٢٦-٢٧
[ ٦٧ ]