سبق أنَّ الهدف الخاص للدعامة الأولى من دعائم التمكين في الأرض هو أداء الصلاة المعروفة كاملة بأركانها وشروطها وواجباتها وسننها، وأنَّ (إقام الصلاة) قدر زائد على الإتيان بهيئاتها الظاهرة، وإن كان ذلك تسقط به أحكام الدنيا.
لكن إقامة الشيء - كما سبق - هو: (توفيته حقه كاملًا) وأنَّ الله ﷾ لم يأمر بالصلاة حينما أمر ولا مدح حينما مدح إلاَّ بلفظ "الإقامة" تنبيهًا أنَّ المقصود منها توفية شرائطها لا الإتيان بهيئاتها١. وأنَّه ليس للعبد من صلاته إلاَّ ما عقل، وحضر قلبه فيها، وأنَّ لب الصلاة وروحها الخشوع فيها لله تعالى.
ومن هنا سيكون الحديث إن شاء الله تعالى في هذا المطلب عن الأمور التالية:
الأمر الأول: اهتمام الملك عبد العزيز بأداء الصلاة.
الأمر الثاني: عنايته بإقامة الصلاة، وفيه النقاط التالية:
١ - إقامة الصلاة بالنهي عن تركها. وهذا سيأتي في الدعامة
الثالثة.
٢ - إقامة الصلاة بتعيين الأئمة العالمين بأحكامها وما تصح به.
٣ - إقامة الصلاة بالاعتناء بمواضع الصلاة.
٤ - إقامة الصلاة بتهيئة كل ما يؤدي إلى الخشوع فيها، من فرش
المساجد، وتهويتها، وتكييفها، وتنظيفها، وغير ذلك.
_________________
(١) ١ المفردات في غريب القرآن ص ٤٢٩
[ ١١٠ ]
الأمر الأول: اهتمام الملك عبد العزيز بأداء الصلاة:
كان الملك عبد العزيز منذ صباه ملتزمًا بالتعاليم والآداب الشرعية، متمسكًا بكتاب الله، وسُنَّة رسوله ﷺ، محكمًا كتاب الله في كل أموره. فلم يعرف عنه في شبابه رغم أنَّه عاش في أول شبابه في بلادٍ كان فيها نوعٌ من التساهل. وفي الحديث: "إنَّ الله ليعجب من الشاب ليس له صبوة" ١.
أمَّا صلته بالله ﷿ فنحسب أنَّها لم تكن مقرونة برغبة دنيوية، فعقيدته خالصة، لذلك نجد التوفيق حليفه في أعماله. وكان من أهم المزايا التي يتصف بها قوة الإيمان بالله تعالى، فمنذ نشأته لم يضعف إيمانه بالله أو يشك في ثقته بنصره٢.
وقد وضع لحياته نظامًا دقيقًا، أعطى الجانب الديني منه نصيبًا وافرًا، على الرغم من كثرة مشاغله ومسئولياته. فهو غالبًا لا ينام أكثر من ست ساعات في اليوم، على ثلاث فترات، منها أربع ساعات في الليل، يصحو قبيل الفجر فيتوضأ ويصلّي ركعتين، ويقرأ بعضًا من القرآن إلى أن يحين الفجر، فيصلي ثُمَّ ينام ساعة، ثُمَّ يقوم بعدها ليرعى مصالح الدولة. وساعة أخرى بعد الغداء، ثُمَّ المجلس الديني عقب صلاة المغرب٣.
وبهذا استطاع أن يجمع بين ما نشأ عليه من تعاليم دينية وبين إدارته لأمور الدولة عندما أصبح في موقع المسئولية٤.
_________________
(١) ١ الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده ٤/١٥١ عن عقبة بن عامر. قال في مجمع الزوائد ١٠/٢٧٠: "إسناده حسن". ٢ الأحيدب: من حياة الملك عبد العزيز ص ٣٧-٤٣ ٣ الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز ص ٢٥، المنهج القويم في الفكر والعمل ص ٣١، الملك الراشد ص ٣٢٢ ٤ الدعوة في عهد الملك عبد العزيز ١/٥٧
[ ١١١ ]
ومن أهم ثمرات تدين الملك عبد العزيز - ﵀ - أخذه بمبدأ الشورى، فلا يعرف الاستقلال بالرأي، ولكن كانت المشورة الدائمة والاسترشاد بآراء العلماء دأبه ومنهجه١.
الأمر الثاني: عناية الملك عبد العزيز بإقام الصلاة:
سبق أنَّ (إقام الصلاة) قدر زائد على الإتيان بهيئاتها الظاهرة، وأنَّ من (إقام الصلاة) وتوفية حقها النهي عن التساهل فيها، أو تركها، وهذا سيأتي في الكلام عن الدعامتين الثالثة والرابعة.
كما أنَّ من (إقام الصلاة) العناية بمواضعها التي أمر الله أن تقام فيها.
وأنَّ من (إقام الصلاة) تعيين الأئمة الذين يعلمون ما تصح به الصلاة، كما أنَّ من إقامتها كل ما يدعو إلى الاطمئنان والخشوع فيها الذي هو لب الصلاة وروحها. كتهوية المساجد، وفرشها، وتنظيفها، وغير ذلك مِمَّا يساعد على الخشوع وحضور القلب.
وهذا يدعونا إلى بيان جهود الملك عبد العزيز ﵀ في هذه الأمور مرتبةً، فنقول وبالله التوفيق:
أولًا: جهوده في بناء المساجد:
المساجد جمع مسجَد - بفتح الجيم وكسرها - فالمسجَد - بالفتح - الجهة من الوجه، حيث تكون ندب السجود. والمساجِدُ من بدن الإنسان الأعضاء التي يسجد عليها، وهي: الجبهة، والأنف، والبدن، والركبتان والقدمان.
والمسجِدُ: بالكسر، كل موضع يتعبَّد فيه المسلمون بالصلاة٢. يشهد لذلك قول الرسول ﷺ: "جُعِلَت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" ٣
_________________
(١) ١ الدعوة في عهد الملك عبد العزيز ١/٦٥ ٢ لسان العرب / مادة (سجد) ٣/٢٠٤ ٣ رواه البخاري، كتاب التيمم ١/٤٣٦، مع فتح الباري من حديث جابر بن عبد الله ﵁.
[ ١١٢ ]
وقد عظَّم الله تعالى مكانة المسجد، ورفع من شأنه في آياتٍ كثيرة منها قوله -تعالى-: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ . [النور آية:٣٦] .
ولَمَّا كان نور الإيمان والقرآن أكثر وقوع أسبابه في المساجد، ذكرها منوهًا بها فقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ﴾: أي يتعبد لله ﴿فِي بُيُوتٍ﴾: عظيمة فاضلة هي أحب البقاع إليه وهي المساجد. ﴿أَذِنَ اللَّهُ﴾: أي أمر ووصَّى ﴿أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾: يدخل في ذلك الصلاة كلها، فرضها ونفلها، وقراءة القرآن، والتسبيح، والتحميد، وغير ذلك من أنواع الذكر وتعلم العلم وتعليمه والمذاكرة فيها والاعتكاف وغير ذلك من العبادات التي تفعل في المساجد، ثُمَّ مدح الله عمَّارها فقال: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاة﴾ ١: فهؤلاء الرجال - وإن اتجروا وباعوا واشتروا فإنَّ ذلك لا محذور فيه، لا تلهيهم تلك بأن يقدموها ويؤثروها على ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، بل جعلوا طاعة الله وعبادته غاية مرادهم ونهاية مقصدهم، فما حال بينهم وبينها رفضوه.
وسبق أنَّ من الأمور الدالة على مكانة الصلاة في الإسلام المواضع التي تقام فيها لما لها من آثار اجتماعية كثيرة منها إيجاد التكافل الاجتماعي بين المسلمين، فالمسجد وسيلة التعارف اليومي، ثُمَّ يتحول التعارف مع مرور الأيام إلى تآلف ومنه تنشأ أواصر الأخوة الإسلامية في الله. والغاية من ذلك كله هو وجود مجتمع مترابط منسجم كالأسرة الواحدة٢.
_________________
(١) ١ وأول الآية قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال﴾ . ٢ الدعوة في عهد الملك عبد العزيز ١/٣٥٤-٣٥٥
[ ١١٣ ]
وقد عني المسلمون في عصورهم المتتابعة بالمساجد لما لها من دور هام في الإسلام، وكونها الجامعات الأولى في التعليم العام.
ولمَّا وصل الدور إلى الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، ونظرًا لاستقرار دواعي الأمن في ربوع البلاد على يد الملك عبد العزيز والعناية والاهتمام براحة الحجاج، فقد زاد عدد الوافدين لأداء فريضة الحج من البلاد العربية والإسلامية. وكانت الزيادة في اطراد مستمر عامًا بعد آخر - حتى ضاق المسجد الحرام عن استيعابهم، وصار تزاحمهم يمثل مشكلة كبيرة - فوجَّه الملك عبد العزيز بدراسة مشروع لتوسعة المسجد الحرام على أكبر مساحة ممكنة١.
وكانت مساحة المسجد في ذلك الوقت حوالي (٠٠٠ر٣٠) مترًا مربعًا، فعملت الدراسة وبُدِئ في تنفيذ هذا المشروع في ٢٣/٨/١٣٧٥ هـ في عهد الملك سعود - يرحمه الله - وكان يعتبر في وقته أكبر مشروع عمل لتوسعة المسجد الحرام، حيث تمت توسعته بأكبر من ضعف مساحته التي كان عليها في السابق، وعملت حوله ساحات وميادين واسعة وشوارع فسيحة، وخدمات متعددة، كتنظيم مياه زمزم، وتوافر دورات مياه، وغير ذلك.
_________________
(١) ١ أعلن الملك عبد العزيز عام ١٣٦٨هـ على العالم الإسلامي اعتزامه توسعة المسجد الحرام، والمسجد النبوي، وبدأت الدراسة في مشروع توسعة المسجد الحرام، وبُدِئَ في التنفيذ بعد وفاته - يرحمه الله -. عن كتاب إعلامي بعنوان (المملكة العربية السعودية) صدر عن وزارة المالية بمناسبة صدور ميزانية الدولة للعام المالي ١٣٨٢/١٣٨٣هـ وقال إنَّ تكاليف توسعة المسجد الحرام بلغت (٧٠٠) مليون ريال سعودي. وانظر: التطبيقات العملية للحسبة في المملكة العربية السعودية من عام ١٣٥١-١٤٠٨هـ للدكتور / طامي بن هديف معيض البقمي.
[ ١١٤ ]
كما تمَّ تنظيم المشاعر والمناسك الأخرى، لتستوعب أكبر عدد ممكن من الحجاج وضيوف الرحمن.
وبالنسبة للمسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة، فقد أجريت في عام ١٣٧٥هـ أول توسعة كبيرة، وكانت المساحة الإجمالية للمسجد قبل التوسعة (٣٠٣ر١٠) مترًا مربعًا، فأصبحت بعد التوسعة (٥٠٠ر١٦) مترًا مربعًا.
ونظرًا لأهمية المساجد ودورها الهام في الإسلام، فقد اهتمت المملكة بإنشاء المساجد وتعميرها في مختلف مناطق المملكة منذ زمنٍ بعيد، وزاد هذا الاهتمام في العصر الحاضر نظرًا لما أفاء الله به على هذه البلاد من خير وفير، وُجِّه قسط كبير منه لخدمة الإسلام بصفة عامَّة، وبمشاريع وأساليب متنوعة. وكان لإنشاء المساجد وتعميرها نصيب وافر من ذلك الاهتمام حتى بلغ عدد المساجد التي قامت وزارة الحج والأوقاف بإنشائها أو تعميرها (٢٠٤ر٣٠) مسجدًا في عام ١٤١٠هـ١
ثانيًا: عناية الملك عبد العزيز -﵀- بتعيين الأئمة العالمين بأمور الصلاة:
من أهمية المسجد تنبثق أهمية الإمامة فيه، فهي مسئولية كبرى أولاها الإسلام عناية فائقة دلَّ على ذلك الشروط التي أفاض الفقهاء في شرحها وذهبوا إلى وجوب توافرها في الإمام.
ولا شك أنَّ وجود الإمام الصالح الحافظ لكتاب الله، الفاهم للإسلام والشريعة وقضاياها فهمًا صحيحًا يسهم في خدمة الدعوة إلى الله.
ونظرًا لأهمية الإمامة، فإنَّ الدولة السعودية ومنذ نشأتها كانت حريصة على تدعيم هذا المرفق الهام، فقد اهتمت بتعيين الأئمة والخطباء فكانوا رجالها في مجال نشر الدعوة السلفية وتثبيت أركانها في المجتمع.
_________________
(١) ١ المرجع السابق.
[ ١١٥ ]
ومع إشراقة الدولة السعودية الثالثة على يد الملك عبد العزيز - يرحمه الله - كان أغلب المساجد بدون أئمة لقلة الدعاة، وازدادت حِدَّة المشكلة مع توالي الفتوح وتوحيد البلاد، واتسعت رقعة الدولة، وازداد عدد المساجد بالإضافة إلى مساجد الهجر الجديدة، فكان على الملك عبد العزيز أن يواجه هذه المشكلة. وقد انتهج في هذا المجال عدة تدابير منها:
١ - شغل المساجد الكبرى بأئمة وخطباء غير متفرغين مِمَّن كانوا يشغلون مناصب القضاء والتدريس وغير ذلك لما كان يتمتع به شاغلو هذه المناصب من درجة كبيرة في العلم.
٢ - إنشاء المؤسسات التعليمية التي تكون نواة لتخريج أئمة مؤهلين مثل: إنشاء دار التوحيد في الطائف سنة (١٣٦٤هـ) .
٣ - أسند إلى رئاسة القضاء الشرعي المهام المتعلقة بالمدرسين في المساجد حيث نص نظام تركيز مسئوليات القضاء الشرعي على ما يلي:
"جميع المدرسين الرسميين في المساجد يكون تعيينهم وفصلهم وتنقلاتهم وغير ذلك من اختصاص رئاسة القضاء" ١.
٤ - توجيه الاهتمام بالأئمة. ونظرًا لتطور الظروف المعيشية، وجب أن يمنح القائمون بوظيفة الإمامة والخطابة والدعوة إلى الله الحقوق المادية التي تؤهلهم للتفرغ الكامل لوظائفهم وتضمن لهم المعيشة الكريمة الهادئة فلا يشغلون بمعاشهم ومعاش أسرهم عن التفرغ لمهماتهم٢.
_________________
(١) ١ أبو راس الديب: الملك عبد العزيز والتعليم ص ٢٠٤، وبيان إحصائية بالجوامع والمساجد بالمملكة والمرفق بخطاب سعادة وكيل وزارة الحج والأوقاف لشئون المساجد رقم ٢٧٢ وتاريخ ١٩/١٠/١٤١٠ هـ، والتطبيقات العملية للحسبة في المملكة ص ٢٣٣ مع الحاشية. ٢ الدعوة في عهد الملك عبد العزيز ١/٣٨١، ٢/٦٠١، ٦٣٩
[ ١١٦ ]
والمتأمل في سيرة العلماء الذين جعلهم الملك عبد العزيز أئمة في المساجد يجد أنَّ معظمهم قضوا حياتهم في نفع العباد ونشر العلم لوجه الله منهم: الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ، فقد عينه الملك عبد العزيز إمامًا في مسجد والده الإمام عبد الرحمن آل فيصل فاستمر إمامًا وواعظًا ومدرسًا في هذا المسجد، وقام بذلك خير قيام١.
ثُمَّ جعله إمامًا وخطيبًا في المسجد الحرام سنة ١٣٤٤هـ، كما أسند إليه تعيين الأئمة في المساجد واختيارهم.
وعين الملك عبد العزيز الشيخ سعد بن عتيق إمامًا في المسجد الكبير في الرياض، وفي هذا المسجد الواسع عقد له حلقتين٢ للتدريس إحداهما بعد طلوع الشمس حتى امتداد النهار، والثانية بعد صلاة الظهر.
وكان حريصًا على ما يلقيه من الدروس شديد التثبت لمعنى ما يقرأ عليه فلا يلقى درسه ولا يسمعه٣ من الطالب حتى يراجع فيه شروحه وحواشيه، وما قاله العلماء فيه، وضبطه لغةً ونحوًا وصرفًا حتى يحرر الدرس تحريرًا بالغًا، لذا أقبل عليه الطلاب، واستفادوا منه فوائد جليلة.
وهذا يدل على العناية باختيار أئمة المساجد من الملك عبد العزيز
- ﵀ - لأهمية وظيفة الإمام في الإسلام.
وَلَمَّا كان من الأمور التي تسهل على الإمام مهمته في كل الصلوات وفي الحر والبرد، وجود دار يسكنه بجوار المسجد، واقتداءً بالرسول ﷺ حيث كانت حجرات نسائه ملاصقة للمسجد، وأبوابها مشرعة إليه، فقد تنبه الملك
_________________
(١) ١ المرجع السابق ١/٣٧٩ ٢ المراد مجلسين للتدريس. ٣ أي لا يقبل من الطالب قراءة الدرس حتى يحضره. لأن بعض المعلمين يطلبون من الدارس قراءة الدرس قبل الشرح وتسميعه أولًا.
[ ١١٧ ]
لهذا الأمر. فلمَّا ازدادت موارد الدولة بعد تدفق البترول شرع يخصص راتب للأئمة ويشتري لهم البيوت. وتوجد مخطوطة في دارة الملك عبد العزيز تحت رقم (٧١٩) تتضمن خطابًا من الملك عبد العزيز إلى الشيخ حمد بن عبد المحسن التويجري يكلفه بشراء بيوت للأئمة والمؤذنين١.
ومن اهتمام الملك عبد العزيز بالأئمة وتعينهم بصفة دائمة ما ورد في أحد كتبه: "من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل. إلى عبد الله بن ناصر. توكل على الله وانحر ٢ ٣. إخوانك ابن ضنمة وجماعته وأقم عندهم تصلي بهم وتعلمهم أمر دينهم".
وقد كان الملك عبد العزيز - ﵀ - يختار لكل عمل أفضل من يراه لذلك العمل، فإن لم يجد الأفضل انتقل إلى مَن هو دونه.
وبناءً على ذلك فقد اختار للإمامة في المسجد الحرام، والمسجد النبوي أفضل من كان معروفًا بالعلم بأحكام الصلاة، ومن كان مشهورًا بالتدريس. ففي عام ١٣٤٤هـ قدم مكة في صحبة الشيخ محمد رشيد رضا كل من الشيخين:
١) عبد الظاهر أبي السمح.
٢) والشيخ محمد عبد الرزاق حمزة.
فرشحهما السيد رضا لدى الملك عبد العزيز للإمامة والخطابة في الحرمين الشريفين فاختار الملك عبد العزيز - الشيخ عبد الظاهر أبا السمح لإمامة الحرم المكي وخطابته، واختار الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة لخطابة المسجد النبوي
_________________
(١) ١ المخطوطة في دارة الملك عبد العزيز برقم (٧١٩)، والدعوة في عهد الملك عبد العزيز ١/٣٨٢ ٢ كان تاريخ هذا الخطاب في ٢٨/١/١٣٤٢ وهو من وثائق الملك عبد العزيز ص ٩ ٣ ومعنى: "وانحر اخوانك"، توجه إليهم، وهي لغة دارجة في الجزيرة.
[ ١١٨ ]
وإمامته، ومراقبة الدروس بالمسجد النبوي بالإضافة إلى رئاسة هيئة الأمر بالمعروف بالمدينة١.
وهكذا كان للملك عبد العزيز يد طولى في تنظيم تنصيب الأئمة والخطباء للوعظ والإرشاد وإمامة الناس في الصلاة. وقد أصبحت الإمامة وظيفة ثابتة لها مخصصات وعليها واجبات، مِمَّا مكَّن من تحقيق أهداف المسجد وأهمها الدعوة إلى الله تعالى بالعبادة والتوجيه في عصرٍ أصبح لا يكفي فيه الاعتماد على الأعمال التطوعية٢.
والمهم هو عبادة الله على الوجه الذي شرعه الله حتى تتحقَّق الغاية التي من أجلها شُرِعَت، ولن يكون ذلك إلاَّ مِمَّن علم ما تصح به، وما هو روحها ولبها٣.
ولا شكَّ أنَّ هذه الأمور التي قام بها الملك عبد العزيز، مِمَّا يساعد على حضور قلوب المصلين وخشوعهم في صلاتهم، وقد قال الله -تعالى-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١-٢] .
_________________
(١) ١ الدعوة في عهد الملك عبد العزيز ٢/٧٩٥-٧٩٦ ٢ الدعوة في عهد الملك عبد العزيز ١/٣٨٥، ٢/٦٣٥-٦٥٠ ٣ الخشوع في الصلاة لابن رجب الحنبلي ص ١٠-١١، و٣٠
[ ١١٩ ]