وهي ستة:
١ - الأول: إذا انتهى إلى الميقات المشهور الذي يُحرم الناسُ منه: يغتسل، وينوي به غسل الإحرام، ويتأهب للإحرام بحلق العانة، وتنظيف الإبط، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، وتسريح اللحية، وحلق الرأس لمن اعتاده من الرجال، ويقدم هذه الأمور على الغسل، وليس هذا من خصائص الإحرام، ولم يكن له ذكر فيما نقله الصحابة، لكنه يشرع بحسب الحاجة كما يشرع لمصلي الجمعة والعيد على هذا الوجه، وتغتسل له الحائض والنفساء باتفاق الأربعة؛ لحديث ابنِ عباس مرفوعًا: "إن النفساء والحائض تغتسل وتُحرم وتقضي المناسك كلَّها غير أَنْ لا تطوف بالبيت" رواه أبو داود، والترمذي.
٢ - الثاني: أن يتجرد الرجل والصبي عن الثياب المَخيطة وكلِّ ما يحرُم لبسه، ويلبس ثوبي الإحرام، والأفضلُ أن يكونا أبيضين، باتفاق الأربعة، فالأبيض أحبُّ الثياب إلى الله -﷿-، وأن يكونا جديدين عند الشافعية والحنفية، ولا فرق عند المالكية بين الجديد والغسيل، وقال الحنابلة: يستحب أن يكونا نظيفين، إما جديدين، وإما غسيلين، ويجوز أن يحرم في جميع أجناس الثياب المباحة من القطن والكتان والصوف.
والسنة: أن يُحرم في إزار ورداء، سواء كانا مَخيطين، أو غير مخيطين باتفاق الأئمة، ولو أحرم في غيرهما، جاز إن كان مما يجوز لبسه، وإن كان ملونًا،
[ ٧٩ ]
والأفضلُ أن يحرم في نعلين إن تيسر، والنعل هي التي يقال لها: القاسومة، فإن لم يجد نعلين، لبس خفين، ويجوز عند الحنفية لبس الرموزة، والجمجم؛ خلافًا للثلاثة، والتجرد من اللباس واجبٌ في الإحرام ليسَ شرطًا فيه، فلو أحرم وعليه ثيابه، صح ذلك بسنة رسول الله - ﷺ -، وباتفاق أئمة أهل العلم، وعليه أن ينزع اللباس المحظور.
٣ - الثالث: أن يتطيب في ثيابه وبدنه عند الشافعية والحنفية والحنابلة؛ خلافًا للمالكية، ولا بأس بطيب يبقى جرمُه بعد الإحرام، فقد رُئِي وبيص المسك على مفرق رسول الله - ﷺ - بعدَ الإحرام مما كان استعمله قبل الإحرام، وهو في حديث عائشة عند أبي داود، والترمذي، قال في "الفتح": وهو قول الجمهور، وقد تقدم الكلام في هذا.
٤ - والرابع: أن يصلي ركعتي الإحرام إن لم يكن وقت الكراهة، والأفضل عند الحنفية والحنابلة أن يحرم عقب الصلاة، إما فرضًا، وإما تطوعًا إن كان وقت تطوع في أحد القولين، وفي الآخر: إن كان يصلي فرضًا، أم عقبه، وإلا، فليس للإحرام صلاة تخصه، وهذا أرجح.
٥ - الخامس: أن يصبر بعد لبس الثياب حتى تنبعث به راحلته إن كان راكبًا، أو يبدأ بالسير إن كان راجلًا، فعند ذلك ينوي الإحرام بالحج أو بالعمرة، قِرانًا أو إفرادًا أو تمتعًا كما أراد، ويكفي مجردُ النية لانعقاد الإحرام، ولا يكون المحرم محرمًا بمجرد ما في قلبه من قصد الحج ونيته؛ فإن القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده، بل لا بد من قول أو عمل يصير به محرِمًا، وهذا هو الصحيح من القولين، والسنة: أن يقرن بالنية لفظ التلبية، وينبغي ألا يتكلم إلا بما يعنيه، كان شريح إذا أحرم كأنه الصخرة الصماء، ويستحب عند المالكية: ألا يذكر بلسانه ما أحرم به، خلافًا للثلاثة؛ فإنهم استحبوا ذلك، ويستحب عند الشافعية والحنفية والحنابلة: أن يصلي على النبي - ﷺ - عقب التلبية، ويسأل اللهَ رضوانَه والجنةَ، ويستعيذ به من النار، رواه الشافعي والدارقطني من حديث خزيمة بن ثابت عن النبي - ﷺ -.
[ ٨٠ ]
٦ - السادس: يُستحب تجديدُ التلبية وإكثارُها في الجملة باتفاق الأربعة في دوام الإحرام، خصوصًا عند اصطدام الرفاق، واجتماع الناس، وعند كل صعود وهبوط، وعند كل ركوب ونزول، ويلبي عند طلوع الشمس وغروبها، وأدبار الصلوات وإذا سمع ملبيًا، وإذا أقبل الليل والنهار، وكذلك إذا فعل ما نُهي عنه رافعًا بها صوته بحيث لا يبح حلقه ولا يبهز؛ فإنه لا ينادي أصمَّ ولا غائبًا، ولا بأس بها في المسجد الحرام، ومسجد الخيف، ومسجد الميقات؛ فإنها مَظِنَّة المناسك، وأما سائر المساجد، فلا بأس فيها بالتلبية من رفع صوت. عن السائب بن خلاد، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أتاني جبريل، فأمرني أن آمرَ أمتي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية" رواه الخمسة، وصححه الترمذي. قال المحلِّي: والمرأة لا ترفع صوتها، بل تقتصر على إسماع نفسها، فإن رفعت، كره، انتهى.
وفي الحديث: أن رسول الله - ﷺ - قال: "ما أضحى مؤمنٌ يلبي حتى تغرب الشمس إلا غابتْ ذنوبُه حتى يعود كما ولدته أُمه" ذكره العز بن جماعة، وكان - ﷺ - إذا أعجبه شيء، قال: "لبيك، إن العيش عيش الآخرة".
٧ - السابع: في التلبية وصفتها: عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنه-: أن النبيَّ - ﷺ - كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة، أهلَّ، فقال: "لبيك اللهمَّ لبيك، لبيك لا شريكَ لكَ لبيك، إن الحمدَ والنعمةَ لكَ، والملكَ، لا شريك لك".
وكان عبد الله بن عمر يزيد مع هذا: لبيك لبيك وسعديك، والخيرُ بيديك، والرغباءُ إليك والعمل، متفق عليه. فهذه صفة التلبية، ومعناه: إجابةً بعد إجابة، أو إجابةً لازمةً.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إجابة دعوة الله حين دعاهم إلى حج بيته على لسان خليله، والملبي هو المستسلم المنقاد لغيره، كما ينقاد الذي لُبِّبَ وأُخذ تلبيبُه، والمعنى: إنا مجيبون لدعوتك، مستسلمون لحكمك، مطيعون لأمرك، مرة بعد مرة دائمًا لا نزال على ذلك، والتلبيةُ شعارُ الحج، فأفضلُ الحج: العَجُّ والثجُّ، فالعجُّ: رفعُ الصوت بالتلبية، والثجُّ: إراقة دم الهدي، انتهى.
[ ٨١ ]
قلت: أجمع المسلمون على تلك التلبية، غير أن قومًا قالوا: لا بأس أن يزيد فيها من ذكر الله تعالى ما أحبَّ، وهو قول محمد، والثوري، والأوزاعي، وخالفهم آخرون، فقالوا: لا ينبغي أن يُزاد على ما علمه رسول الله - ﷺ -، وبجواز الزيادة قال الجمهور، وحكى ابن عبد البر عن مالك: الكراهةَ، وهو أحد قولي الشافعي، وكان الصحابة يزيدونها، ورسولُ الله - ﷺ - يسمعهم، فلا ينهاهم، ولا ينكر عليهم، وكان هو يداوم على تلبيته. ويلبي من حين يحرم، سواء ركب دابته، أم لا، وإن أحرم بعد ذلك، جاز.
واختلف في حكم التلبية، فقال الشافعي، وأحمد: إنها سنة، وقال أبو هريرة: واجبة، وحكاه ابن قدامة عن بعض المالكية، والخطابي عن مالك وأبي حنيفة، واختلف هؤلاء في وجوب الدم لتركها، قال ابن شاش من المالكية، وصاحب "الهداية" من الحنفية: إنها واجبة، يقوم مقامها فعلٌ يتعلق بالحج؛ كالتوجه إلى الطريق، وحكى ابن عبد البر عن الثوري، وأبي حنيفة، وابن حبيب من المالكية، والزبيري من الشافعية، وأهل الظاهر: أنها ركن في الإحرام، لا ينعقد بدونها، وأخرج ابن سعد عن عطاء بإسناد صحيح: أنها فرض، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وطاوس وعكرمة.