اختلفت الروايات في ذلك، فروي أنه حج قِرانًا من جهة جماعة من الصحابة، منهم: ابن عمر عند الشيخين، وعنه: عند مسلم، وعائشة عندهما أيضًا، وعنها: عند أبي داود، وعنها: عند مالك في "الموطأ"، وجابر عند الترمذي، وابن عباس عند أبي داود، وعمر بن الخطاب عند البخاري، والبراء بن عازب عند أبي داود، وعلي -﵇- عند النسائي، وعنه: عند الشيخين، وعمران بن حصين عند مسلم، وأبو قتادة عند الدارقطني، وله طرق صحيحة، وسراقة بن مالك عند أحمد، ورجال إسناده ثقات، وأبو طلحة الأنصاري عند أحمد، وابن ماجه، وفي إسناده الحجاج بن أرطاة، والهمراس بن زياد الباهلي عند أحمد أيضًا، وابن أبي أوفى عند البزار بسند صحيح، وأبو سعيد عند البزار، وجابر بن عبد الله عند أحمد، وفيه الحجاج بن أرطاة، وأم سلمة عنده أيضًا، وحفصة عند الشيخين، وسعيد بن أبي وقاص عند النسائي والترمذي، وصححه، وأنس عند الشيخين.
وأما حجه تمتعًا: فروي عن عائشة، وابن عمر عند الشيخين، وعلي وعثمان عند مسلم، وأحمد وابن عباس عند أحمد والترمذي، وسعد بن أبي وقاص.
وأما حجه إفرادًا: فروي عن عائشة عند البخاري، وعن ابن عمر عند أحمد ومسلم، وابن عباس عند مسلم، وجابر عند ابن ماجه، وعنه: عند مسلم.
[ ٤٨ ]
وبالجملة: فقد اختلفت الأنظار واضطربت الأقوال لاختلاف هذه الأحاديث، فمن أهل العلم من جمع بين الروايات؛ كالخطابي، والقاضي عياض، وابن المنذر، وبينه ابن حزم في حجة الوداع بيانًا شافيًا، ومهده المحب الطبري تمهيدًا بالغًا يطول ذكره.
وجمع شيخ الإسلام ابن تيمية جمعًا حسنًا، فقال ما حاصله: إن التمتع عند الصحابة يتناول القِران، فيحمل عليه رواية من روى أنه حج متمتعًا، وكل من روى الإفرادَ روى أنه حج تمتعًا وقرانًا، فتعين الحمل على القِران، وأنه أفرد أعمال الحج، ثم فرغ منها وأتى بالعمرة، وعامة النقول عن الصحابة في صفة حجه - ﷺ - ليست بمختلفة، وإنما اشتبهت على من لا يعرف مرادهم، انتهى.
ومن أهل العلم من صار إلى التعارض، فرجح نوعًا، وأجاب عن الأحاديث القاضية بما يخالفه، وهي جوابات طويلة أكثرها متعسفة، وأورد كل منهم لما اختاره مرجِّحات أقواها وأولاها مرجحات القِران، فإنه لا يقاومها شيء من مرجحات غيره، والسنة أنه حج قِرانًا، وأظهر أنه كان يود أن يكون حجه تمتعًا.
قال الشوكاني: وهذان البحثان -أعني: تعيينَ ما حجه النبي - ﷺ - من الأنواع، وبيان ما هو الأفضل منها -من المضائق ومواطن البسط، انتهى.