وهو جائز بحديث نافع عن ابن عمر عند الشيخين، وفيه: هكذا صنع النبي - ﷺ -، وإليه ذهب الجمهور، لكن بشرط أن يكون الإدخال قبل الشروع في وطواف العمرة، وقيل: إن كان قبل مضي أربعة أشواط، صحَّ، وهو قول الحنفية، وقيل: ولو بعد إتمام الطواف، وهو قول المالكية، وشدد أبو ثور فمنعه، قال أحمد، وطائفة من أهل الظاهر، ومالك، وأبو حنيفة، والشافعي: يجوز فسخ الحج إلى العمرة لكل أحد، وقال جمهور السلف والخلف: هذا الفسخ مختص بالصحابة في تلك السنة، ولا يجوز بعدها، وإنما أُمروا به ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج، واستدلوا بحديث أبي ذر، وحديث الحارث بن هلال عن أبيه.
[ ٤٩ ]
ومعنى قوله: "للأبد": جوازُ الاعتمار في أشهر الحج، والقِران فيها إلى يوم القيامة، وقد عارضها المجوِّزون للفسخ بأحاديث كثيرة عن أربعة عشر نفسًا من الصحابة، وروى عن هؤلاء الصحابة طوائفُ من كبار التابعين حتى صار منقولًا عنهم نقلًا يرفع الشك، ويوجب اليقين، ولا يمكن أحدًا أن ينكره، أو يقول: لم يقع، وهو مذهب أهل بيت رسول الله - ﷺ -، ومذهب حجر الأمة وبحرها ابن عباس وأصحابه، ومذهب أبي موسى الأشعري، ومذهب إمام أهل السنة والحديث أحمد بن حنبل، وأهل الحديث معه، ومذهب عبد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة، ومذهب أهل الظاهر.
وبالجملة: ليس في المقام متمسَّك بيد المانعين يُعتد به، ويصلح لنصبه في مقابلة هذه السنة المتواترة، وقد أبعدَ من قال إنها منسوخة؛ لأن دعوى النسخ تحتاج إلى نصوص صحيحة متأخرة عن هذه النصوص، وأما مجرد الدعوى، فأمرٌ لا يعجز عنه أحد، وإذا تقرر لك هذا، علمتَ أن هذه السنة عامة لجميع الأمة.
قال الحافظ ابن القيم في "إعلام الموقعين": وأفتى - ﷺ - بجواز فسخهم الحجَّ إلى العمرة، ثم أفتاهم باستحبابه، ثم أفتاهم بفعله حتمًا، ولم ينسخه شيء بعده، والذي ندين اللهَ به أن القولَ بوجوبه أقوى وأصحُّ من القول بالمنع منه، وقد صح عنه صحة لا شك فيها أنه قال: "من لم يكن أهدى، فليهلَّ بالعمرة، ومن أهدى، فليهلَّ بحج مع عمرة"، وأما فعله هو: فإنه صح عنه أنه قرن بين الحج والعمرة، ففعل القِران، وأمر بفعله مَنْ ساق الهدي، وأمر بفسخه إلى التمتع من لم يسق الهدي، وهذا من فعله وقوله كأنه رأي عين، وقال في "الهدى النبوي" بعد أن ذكر حديث البراء، وغضبَه - ﷺ - لما لم يفعلوا ما أمرهم به من الفسخ: ونحن نشُهد الله علينا أن لو أحرمنا بحج، لرأينا فرضًا علينا فسَخه إلى عمرة؛ اتقاءً من غضب رسول الله - ﷺ -، واتباعًا لأمره، فوالله! ما نسخ هذا في حياته، ولا بعده، ولا صحَّ حرفٌ واحد يعارضه، ولا خص به أصحابه دون من بعدهم، بل أجرى الله على لسان سراقة أن يسأله: هل ذلك مختص بهم؟ فأجابه
[ ٥٠ ]
بأن ذلك كائن لأبد الأبد، فما ندري ما تقدم على هذه الأحاديث، وهذا الأمر المؤكد الذي غضب رسولُ الله - ﷺ - على من خالفه، انتهى.
وبالجملة: فقد اختلفوا، هل الفسخ على جهة الوجوب أم الجواز؟ ومال ابن القيم إلى وجوبه، ورجحه، وبين بطلان ما احتج به المانعون، وأطال الكلام فيه في "الهدي"، فمن أحبَّ الوقوف على جميع ذيول هذه المسألة، فليراجعه.
قال الشوكاني: وإذا كان الموقع في مثل هذا المضيق هو إفرادُ الحج، والحازمُ لدينه الواقفُ عند مشتبهات الشريعة ينبغي له أن يجعل حجه من الابتداء تمتعًا أو قِرانًا مما هو مظنة البأس إلى ما لا بأس به، فإن وقع في ذلك، فالسنة أحقُّ بالاتباع، وإذا جاء نهرُ الله، بطل نهر مَعْقِل، انتهى.
وقد تمتعت أنا في حجي ولله الحمد.