إذا رمي جمرة العقبة، وفرغ منه، ينصرف إلى منى، وينحر هديًا إن كان معه، ويستحب أن ينحر الإبل مستقبلة القبلة قائمةً معقولةَ اليد اليسرى، والبقر والغنم يُضجعهما على شقه الأيسر مستقبلًا بها القبلة، ويقول:
باسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك وإليك، تقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك.
الأضحيةُ سنة مؤكدة للحاجِّ كغيره عند الشافعية، وعند الحنفية: أنه ليس على المسافر أضحية، وعند المالكية: أن الأضحية لا تشرع للحاج بمنى كصلاة العيد.
قال الغزالي: التضحية بالبُدْن أفضل، ثم بالبقرة، ثم بالشاة، والشاة أفضل من مشاركة ستة في البدنة أو البقرة، والضأن أفضل من المعز، ولا يضحين بالعرجاء والجدعاء والعَضْباء والجرباء والشرقاء والخرقاء، والمقابَلَة والمدابَرَة والعَجْفاء.
وذبح - ﷺ - بدنه في المنحر من منى ٦٣ ثلاثًا وستين بدنة بيده الكريمة على سني عمره الشريف. وكلُّ ما ذبح بمنى وقد سيق من الحل إلى الحرم، فإنه هدي، سواء كان من الإبل أو البقر أو الغنم، ويسمى أيضًا: أضحية؛ بخلاف ما يذبح يوم النحر بالحل، فإنه أضحية، وليس بهدي، وليس بمنى ما هو أضحية
[ ١١٢ ]
وليس بهدي كما في سائر الأمصار، فإذا اشترى الهدي وساقه إلى منى، فهو هدي باتفاق العلماء، وكذلك إذا اشتراه من الحرم، فذهب به إلى التنعيم.
وأما إذا اشتراه من منى، وذبحه بها، ففيه نزاع، فمذهب مالك: أنه ليس بهدي، وهو منقول عن عائشة، ومذهب الثلاثة: أنه هدي، وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد، وعلى القارن والمتمتع هدي، إما بدنة، وإما بقرة، أو شاة، أو شرك في دم. فمن لم يجد الهدي، صام ثلاثة أيام قبل يوم النحر، وسبعة إذا رجع (١)، وله أن يصوم الثلاثة من حين أحرم بالعمرة في أظهر أقوال العلماء.
وفيه ثلاث روايات عن أحمد، قال: يصومها قبل الإحرام بالعمرة، وقال: لا يصومها من حين يحرم بالعمرة، وهو الأرجح، وقال: يصومها بعد التحلل من العمرة من حين الشروع في الحج، ولكن دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة كما دخل الوضوء في الغسل، وأصحابه - ﷺ - كانوا متمتعين معه، وإنما أحرموا بالحج يوم التروية، وحينئذ فلا بد من صوم بعض الثلاثة قبل الإحرام بالحج. قال أهل العلم: ويجتهد أن يكون الهدي من سمين النَّعَم ونفيسها.
قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢]: إنه تحسينه وتسمينه، وليترك المكاس في شرائه، فقد كانوا يغالون في ثلاث، ويكرهون المكاس فيهن: الهدي، والأضحية، والرقبة، فإن أفضل ذلك أغلاه ثمنًا، وأنفسُه عند أهله، فإنما المقصود تزكية النفس وتطهيرُها عن صفة البخل، وتزيينها بجمال التعظيم لله -﷿-؛ [فـ] ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، وذلك يحصل بمراعاة النفاسة في القيمة.
وروت عائشة: أن رسول الله - ﷺ - قال: "ما عملَ آدميٌّ يومَ النحر أحبَّ إلى الله -﷿- من إهراقه دمًا، وإنها تأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله -﷿- بمكان قبل أن يقع بالأرض، فطيبوا به نفسًا"،
_________________
(١) يقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦].
[ ١١٣ ]
وفي "البحر": "لكم بكل صوفة من جلدها حسنة، وكل قطرة من دمها حسنة، وإنها لتوضع في الميزان، فأبشروا"، وسأله - ﷺ - زيد بن أرقم: ما هذه الأضاحي يا رسول الله؟ قال: "سنة أبيكم إبراهيم"، قال: فما لنا منها؟ قال: "بكل شعرة حسنة"، قال: يا رسول الله! فالصوف؟ قال: "بكل شعرة من الصوف حسنة" رواه أحمد بن حنبل.